خيم ظلام دامس على العالم. حتى القمر اختفى خلف الغيوم، فجعل الليل حالك السواد. تقلبتُ في فراشي بذهن مضطرب، خائفةً من النوم.
“…….”
كان إدراكي أن الرجل الذي عشقته بشغف لا حدود له، بكل جوارحي، لا يجلب لي سوى الخوف والألم، تجربة قاسية ومروعة، دفعتني للهرب.
شعرتُ وكأن العالم من حولي ينهار من حولي.
كانت الأيام التي وقعتُ فيها في حبه بلا حول ولا قوة كأنها هاوية سحيقة.
لن يكون الأمر سهلاً، لكنني أردتُ نسيان الماضي.
أردتُ التركيز على نفسي تمامًا، دون أن يعيقني الماضي، وأن أمضي قدمًا بشجاعة في الحياة التي مُنحت لي.
ليس هذا كلامًا مُبالغًا فيه. لقد تغيرتُ كثيرًا منذ طفولتي.
لقد حققتُ إنجازات عظيمة أتمنى لو كان بإمكاني تسميتها بلقبٍ أكثر فخامة، لكن التواضع فضيلةٌ من فضائل المرأة بفضل جهودي الذاتية فقط، وقد قطعتُ شوطًا طويلًا نحو حلمي بأن أصبح كاتبة.
في كل مرة أتذكر فيها هذا الأمر، ينتابني شعورٌ جارف، يكاد يدفعني إلى احتضان نفسي بشدة، وأشعر بالقوة، وكأنني قادرة على التغلب على أي محنة.
إنه شعورٌ غريبٌ ورائعٌ حقًا.
لكن كل هذه المشاعر وهذا المجد، عبثًا، يُثيران قلقي، وأخشى أن أراه في أحلامي مرة أخرى.
شعرتُ برعبٍ شديدٍ عندما تذكرتُ حلم ذلك العصر على ضفاف البحيرة.
خشيتُ أن أرى نفسي مُتشبثةً به كامرأةٍ فاتنة، أتوسل إليه.
كنتُ قد بدأتُ أخيرًا بالانفتاح على نفسي، ولم أُرِد أن أكرهه وأبتعد عنه مجددًا.
أشعر أيضًا بالإحباط من نفسي لعدم كوني كريمةً معها.
لكن لا يمكنني إنكار أن لاوعيي العميق، مهما كان مضمون الحلم، هو من خلقه في النهاية.
أحلام الماضي، حيث كنتُ أكظم غيظي لأتجنب الاستسلام له، تبدو باهتة بالمقارنة. اليوم، أنا…
أشتاق إليه ككلب جائع.
على عكس السابق، تقبّل قبلتي الفاترة على مضض، دون أن يحاول التقرّب مني. بدا أشبه بآلان ليوبولد الساخر الذي أحببته وعانيت معه لسنوات طويلة.
أن أستفزه…..أن أتوسل إليه، وقد استبدّت بي شهوة جامحة……كان في الواقع….
“ها…”
أقسم، حتى عندما كنتُ مغرمة بآلان بشدة، لم أحلم به هكذا قط.
‘هل كنتُ امرأة مبتذلة إلى هذه الدرجة؟ ‘
كنتُ أكرهه، ومع ذلك كنتُ أتوق بشدة إلى اللذة التي يمنحني إياها.
كان عقلي صاخبًا لدرجة أنني كدتُ أفقد عقلي.
تقلّبتُ في فراشي مرة أخرى. حتى مع تمزق قلبي من خيبة الأمل، دعوت الله بصدق ألا يكون هذا نذير شؤم أو إشارة لما سيحدث لاحقًا.
“…”
ولكن حتى مع الأخذ في الاعتبار أنني من النوع الذي يغرق بسهولة في أوهام لا معنى لها، كان من المضحك أن أشعر فجأة بشعور غريب بالذنب تجاه توبياس ميلر.
ربما، حتى وأنا أتخيل مستقبلًا هادئًا معه، كنتُ أُخفي بالفعل رغبات قبيحة تجاه رجل آخر.
لا، لا بد أنني كنتُ كذلك. عزّيتُ نفسي بالاعتقاد بأنه مجرد خيال، كائن لا يمكن تحقيقه أبدًا…
آلان، الذي يستحق أن يُلعن لبقية حياتي.
لا يمكن أن أكون ما زلت أحبه. لم أعد أقرأ الشعر، متلهفةً إلى آلان ليوبولد.
لم أعد أكتب قصصًا عن شخص هو آلان بلا شك، يُحبني بعمق. ربما لن أفعل ذلك أبدًا.
لطالما كان مصدر إلهامي وملجئي، وحبي الحقيقي للكتابة متجذر في حبي له.
لطالما كان مصدر إلهامي وملجئي، وحبي الحقيقي للكتابة متجذر في حبي له.
بمعنى آخر، كان آلان ليوبولد هو من منحني حلمي، ومن زودني بفرصة الدراسة في الخارج. بل هو من أرسل لي تذكرة عبور المحيط.
ورغم أنني كنت أرتجف غضبًا تجاهه، إلا أنني كنت أعتز بها. ربما بدوتُ سخيفة، لكن ليس لأنني ما زلت أحبه.
كنتُ ببساطة أدرك حقيقة وضعي، ولم أعد أحبه.
“…أبدًا.”
كان آلان ليوبولد يلاحقني. في اللحظة التي اكتشفت فيها ذلك، تغير كل شيء. ربما لن يفهم أبدًا.
نفسية امرأة يلاحقها شخص مجهول.
سواء أكان الأمر مجرد مزحة عابرة، أو لعبة تافهة، أو جانبًا خفيًا من شخصيته التي تبدو مثالية، فقد بقيتُ في حالة يأس دائم، كحيوان محاصر.
إن فظاعة دوس شاب، لم يؤذه بل كان يتوق بصدق لمساعدته، ملأتني أيضًا بشعور لا يُضاهى من الخوف والغضب.
كلما تذكرت تصرفاته الهستيرية، المتقلبة والمفاجئة، والنابعة من خوفه بسبب شهرته وثروته الهائلة، أجد نفسي أجز على أسناني.
لم أكن أطيق فكرة الوقوع في حبه مرة أخرى دون أن أذكّر نفسي باستمرار بمدى ضرره وشرّه وجنونه، وأرسّخ ذلك في أعماقي.
لكن في الحقيقة، أردتُ التخلي عنه.
أردتُ التخلص منه دون تردد. كأنني أترك باقة زهور ثمينة على ضفاف البحيرة دون أدنى شك.
ومع ذلك، كان عليّ أن أستمر في مقاومة صورته.
وجهه المركّز، وكأنه يداعبني أو يهدئني، يلعق ويمتص بشرتي الرقيقة، ويترك ندوبًا حمراء كلون شفتيه، وجبينه المتجعد، ويداه الكبيرتان تربطان معصميّ بإحكام شديد لدرجة أنني لم أستطع حتى إبعادهما.
التعليقات لهذا الفصل " 54"