المترجمة: زوزيتا ✨️
رغم أنَّ العالم كان مغطًّى بالربيع، إلّا أنَّ تلك الليلة كانت باردة كالشتاء.
كانت بشرة آلان تتلألأ في الظلام كالقمر البارد.
وعلى الرغم من أنّه احتواني بين ذراعيه، لم أشعر بأيّ دفء، بشكلٍ يثير الدهشة.
حين لمست وجنتاه الباردة وجهي، ارتجفت رموشي كفراشاتٍ مبتلة بالمطر.
لم أدرِ إن كان ذلك بسبب البرودة، أم لأن صوته المترنّح كان قريبًا جدًا.
فكيف لي أن أُفكّر بشكلٍ سليم وأنا بين ذراعيه؟
“ميليسا.”
لو كان هناك شيطان يُغوي البشر ليهلكوا، فحتماً كان سيظهر بمثل هذا الجمال، وبصوتٍ مماثل لهذا الصوت.
كنتُ ضعيفة جدًا لأقاوم هذا الصوت البهي.
“ميليسا.”
“…….”
نادَ آلان اسمي مرارًا.
غضبٌ هائل تملّكني من تصرفه، وكأنه عشيق قديم، ومع ذلك كان قلبي يخفق بشدّة كأنّه سينفجر.
كنتُ أعلم أنَّ هذا الخفقان الشديد لم يأتِ إلّا من حبي الطويل لآلان ليوبولد…
“عليّ أن أحتضن خصري.”
كنتُ محتواة بين ذراعيه المتينة فقط، ولم أكن مخنوقة، ومع ذلك لم أستطع النطق بكلمة.
لا بد أنّه يمارس شيئًا كالسحر، وإلا…
“قلتِ أن على الكاتب أن يكون صادقًا، أليس كذلك يا ميليسا؟”
“…….”
ضحك آلان بسخرية خفيفة، كأنه يجدني مضحكة لتجمّدي وعدم قدرتي على الرد.
نسيمه الرقيق دغدغ رقبتي المتوترة.
“خائفة؟”
مع ذلك الهمس المفعم بالمرح، دفع جسدي برفق، وانقلب العالم رأسًا على عقب.
تحت ظهري شعرتُ بنعومة السرير.
نظرت إليه بعينين تملؤهما الخوف من ما سيأتي، ومع ذلك امتلأت عيناي بتوقٍ لا يمكن إخفاؤه.
“هممم….”
اضطررتُ لكتم أنفاسي بلا حول، ونظراته الرمادية الداكنة كانت عميقة وغامضة.
كأنها بحرٌ بلا عمق يمكنه أن يزرع الخوف المطلق بمجرد التحديق.
انهمرت دمعة من طرف عيني، ولامست أذني، بينما غطّاني بظله ببطء.
كان هذا الامتصاص الكامل بلا منازع.
“افعلي ما تريدين.”
“…….”
“سأعطيكِ كل شيء، بقدر ما تريدين…”
أغمضت عينيّ أخيرًا، وعلت شفتيه على جفنيّ كبتلاتٍ من الورود.
حتى العقل الصارم بدا وكأنه سينهار بفعل الاحتكاك الطفيف لشفتيه بمسح دموعي.
“لقد رغبتِ بذلك بلا عدّ، أليس كذلك؟”
همسٌ حلو كسكر انساب إلى أذني.
عضضتُ شفتي بشدّة، وشعرت برغبة متقدّة تنبع من أعماق بطني.
كنتُ أرغب في السيطرة على آلان الذي يجعلني عاجزة بلا حدود، وأرغب في قبضتي على رقبته البيضاء والمستقيمة
أردتُ أن ألعنه بسبب أفعاله المستحيلة، وأخدش وجنتيه النقيتين كالملائكة.
كنتُ أريد أن أراه راكعًا أمامي.
في الوقت ذاته، ارتفعت رغبة رخيصة في امتثال كلماته، ولم أستطع كبحها.
كنتُ أرغب به بلا نهاية، بكل شعرة من شعره الجميل.
وساقايّ الضعيفتان ترتجفان، متلهفتين لاحتوائه.
أخرجتُ أخيرًا همسة كأنها أنين مختنق من شفتيّ المرتعشتين:
“كنتُ أتمنى…”
“لا حاجة للصبر، ميليسا.”
ضحكته المنخفضة كانت ضبابية كالغيوم.
اقترب من شفتيّ وهمس:
“في النهاية، هو مجرد حلم.”
—
طرقة حادة على الباب المفتوح أُسمعت.
“ارتدي ملابسكِ واصعدي.”
ارتعشت وفتحت عينيّ على مصراعيهما، وأنا أحتضن الغطاء.
آه، كنتُ في آرتشيل ليلة البارحة…
رؤيتي المشوشة جعلتني أرى الخادمة متجهمة الوجه، لا تختلف عن البارحة.
تدفق صوت النشاط الصاخب في القصر عبر الباب المفتوح.
“تفضلي، السيدة جوزفين تنتظرك.”
“……نعم.”
أجبتُ مترددة، لا أجرؤ على الاعتراض على تصرّف مستخدمة المنزل.
تثاءبتُ، ثم نهضت ببطء، وما إن خرجت من السرير حتى شعرت بقشعريرة.
كانت الملابس مبللة وباردة من العرق الليلي.
لا بد أنّه لم يكن كابوسًا عاديًا…
ثم سألت الخادمة بنبرة غريبة:
“……ما هذه الرائحة؟”
فهمتُ أن العطر الذي وضعته جوليا على ملابسي ليلة البارحة ما زال في الجو.
وفي تلك اللحظة، استرجعت أحداث الكابوس بوضوح شديد.
تحوّل صباحي إلى شيء من أشد اليأس على الإطلاق.
“آه…….”
لقد حلمتُ بآلان ليوبولد عدة مرات، كان في حلمي يحتضنني بحرارة ويقبل وجنتيّ.
ولكن، مهما كان…
‘سأعطيكِ كل شيء، بقدر ما تريدين…’
الحلم الذي شمل ذلك… كان الأسوأ.
شعرتُ بأن ساقايّ ستنهاران من شعور الخزي الممتد على عمودي الفقري.
“انتظر، وجهك أحمر، هل أنت بخير؟”
لمست الخادمة منتصف جبيني فجأة، بعد أن أبقت على موقفها البارد طيلة الوقت.
كانت تبدو قلقة، وإن لم تكن لطيفة.
“ألم تشعري بشيء؟ يا إلهي، انظري إلى هذه القشعريرة!”
لكنني لم أكن مريضة.
كانت أحلام الليلة الماضية تعيد نفسها في رأسي بحالها.
كل ما شعرت به من شفتيه على قدمي، جبينه على كتفي، كل نفسٍ أخذتهُ بلهفة…
كل هذا لم أستطع أن أحكيه.
“…….”
أردتُ أن أختفي، إذ ما زلت أرغب به بشدّة رغم كل الأحداث،
وشعرتُ بأنّ هذا الذنب يختنق بي بلا هوادة.
“هل تسمعينني؟”
“نعم، لا بأس، لقد حلمتُ بكابوسٍ….”
تقدمت الخادمة بسرعة لتفقد وجهي، يبدو أنها شعرت بأنني لست بخير.
بينما كانت عابسة، هدأت الجو قليلًا، فجمعت شجاعتي وسألت:
“ممكن….”
“لماذا؟”
“قبل الإفطار، هل أستطيع غسل نفسي؟ لقد عرقت قليلاً الليلة الماضية…”
نظرت إليّ الخادمة، ثم استدارت فجأة وقالت:
“اتبعيني.”
سرتُ وراءها في الممر الطويل، مستخدمات القصر يمرّرن مبتسمات، لكن لم أرَ أي وجه مألوف.
حولت انتباهي إلى الإطارات المعلقة على الجدار والرسوم على السقف.
تأكدت أخيرًا أن القصر العتيق ما زال محتفظًا بأناقته.
كل خطوة تُصدر صرير الأرضية، لكن حتى هذا الصوت بدا أنيقًا قديم الطراز.
تذكرت أول شعورٍ بالرهبة حين دخلت هذا المكان قبل ما يقرب من عشر سنوات، وما زال حيًّا في ذاكرتي.
“آه…”
“يمكنك مناداتي بالسيدة هو، أنا مديرة الخادمات هنا.”
ردّ صوتها بصرامة، وابتسمتُ خجلاً لشعري الأبيض المرتّب.
“أنا ميليسا كولينز، أبي ابن أخت السيدة جوزفين…”
“أعلم.”
“أمس كنت متأخرة، وأخشى أن أوقظت النوم…”
“…….”
صمتها أكّد أنني كنت ضيفةً مزعجة في نوم السيدة هو ليلة البارحة.
لو ركبتُ العربة مباشرةً، لما تأخرت كل هذا الوقت.
لقد بذلت جهدًا كبيرًا للوصول إلى آرتشيل بتبديل العربة عدة مرات، ولم يكن هناك خيار أفضل.
لم أرغب أن تتبعني نظراته الزرقاء الباردة حتى في بيت جدتي.
“سيدة هو، كم عدد المستخدمين في القصر؟ حسب ذاكرتي، ثلاثون…”
“ثمانية فقط.”
“……ثمانية؟”
“السيدة كبيرة في السن، لذا ترتّب المكان بهدوء، وسيقل العدد ربما العام المقبل.”
شعرت بوخزٍ في قلبي.
لم أجد كلمات للرد، ووقفت عاجزة عن الكلام.
“الحمام هنا، إذا احتجتِ مساعدة…”
“آه، لا! سأغسل جسدي بسرعة، وأعرف مكان المطبخ.”
“إذا، سأترك الملابس لتبدليها هنا.”
“شكرًا.”
مع شعورٍ بالتوتر لانتظاري جدتي، خلعْتُ ملابسي بسرعة فور إغلاق الباب.
كان هناك حوض استحمام خشبي دائري، مملوء بالماء البارد كالثلج.
“……لا خيار آخر.”
مسحت جسدي بقطعة قماش مبللة، محاولةً غسل كل آثار حلم الليلة الماضية.
لكن فجأة توقفت يدي، إذ كان الإحساس البارد يذكرني بلمس أحدهم.
رغم أنّه مجرد وهم، شعرتُ وكأن رائحته ما زالت على بشرتي…
“لماذا هذا….”
فقدت القدرة على التفكير، وكان إحساس جسده البارد والناعم الذي شعرتُ به عند تلاصقنا حيًّا في ذهني كما لو أنه واقع.
التعليقات لهذا الفصل " 50"