المترجمة: زوزيتا ✨️
“مرحبًا.”
لَمْ يكنِ الجوُّ باردًا إلى هذا الحدّ، ومع ذَلك كانت شفتاي ترتجفان بلا حيلة.
“أنتَ…….”
ولهذا استحال عليَّ أن أنبسَ بالمزيد، حتى إنَّ عجزي عن إتمامِ جملةٍ واحدةٍ جعلني أبدو تافهةً في نظري.
ومع ذَلك، كان هذا الموقفُ نفسُه… ممَّا يستحيلُ تصديقُه.
قبَّعةٌ سوداءُ عالية، ومعطفٌ باللَّونِ نفسِه، هيئةٌ تُشبهُ اليومَ الذي جاءَ فيه إلى منزلِنا.
غيرَ أنَّه لَمْ يكنْ يرتدي قناعًا، وكان بشعرٍ أحمرَ طويلٍ هذه المرَّة.
لابدَّ أنَّ ذَلك الشعرَ الأحمرَ المستعارَ كان يُسدِلُ بعضَه فوق وجهِه، فلَمْ أتعرفْ إليه فورًا.
وبالطبع، ساهم طولُه الفارعُ في ذَلك أيضًا.
ارتجفَ جسدي خوفًا، ومع ذَلك تراجعتُ خطوةً واسعة.
وحين وقعت عيناي أخيرًا على هيئةِ المُطاردِ كاملةً، لُمتُ عينيَّ نفسيهما.
صوتُه، وبنيتُه، وبشرتُه الشاحبةُ النقيَّة كالشمع، وعيناه اللتان تُشبهان فجرَ السماء.
“…….”
حتى عِطرُه كان واضحًا اليوم.
إنَّه العطرُ نفسُه المحبوسُ في تلك الزجاجةِ الصغيرةِ المتلألئة فوق رفِّ غرفةِ الجلوس… عطرُ حديقةِ وردٍ ضبابيَّة.
راقبَ وجهي وهو يكتسي بالذعر، ثم فتح شفتيه من جديد.
“شعرتُ أنَّ عليَّ أن آتي بهَذهِ الهيئة.”
“…….”
لَمْ أستطعْ جوابًا، ولا هربًا.
وقفتُ بوجهٍ شاردٍ ليس إلَّا.
فلَمْ أتخيَّلْ قطُّ أنَّ لحظةَ يقيني بهويَّتِه ستأتي بهَذهِ الصورة.
خفقَ قلبي بعنفٍ كأنَّه سيحطِّمُ صدري، واكتفيتُ بالصبرِ على ذَلك الألمِ في صمت.
ولم يكنْ هذا الإحساسُ غريبًا عنِّي تمامًا.
“ليلةٌ تنامُ مُغطَّاةً بالانتظار.”
تمتمَ وهو يُحدِّقُ في الغلافِ بعينين باردتين.
وعندها كشفَ نسيمٌ عابرٌ وجهَه المستقيمَ الذي كان الشعرُ يحجبه.
في لحظةٍ واحدةٍ، اجتاحني خاطرٌ مرعبٌ ومستحيل.
لو استطعتُ فقط أن أُقبِّلَ تلك الجفونَ الخاشعة… لرضيتُ أن أفقدَ أحلامي التافهةَ كلَّها.
“…….”
‘ليتني أفقدُ وعيي الآن.’
عضضتُ شفتي محاولةً طردَ هَذهِ الهواجس، فابتسمَ ابتسامةً غريبة.
“ما هذا الوجه؟”
خصلاتُ الشعرِ الأحمرِ التي استقرَّت فوق أنفِه الأبيضِ كالثلج بدت حيَّةً إلى حدٍّ آسر.
“ألمْ تكوني تعرفين كلَّ شيء؟”
“…….”
في لحظةِ عجزي عن الردِّ، تدفَّقت أفكارٌ لا تُحصى عبر رأسي.
منها شكٌّ يكادُ يكونُ جنونًا: أيمكنُ أن يكونَ هذا الرجلُ حقًّا آلان ليوبولد؟
فلا يُعقَلُ أن يوجدَ رجلان بهَذهِ الهيئة في المملكة.
ومع ذَلك، كان مختلفًا يقينًا عن آلان الذي راقبتُه طويلًا.
ولَيْسَ السببُ مجرَّدَ الشعرِ القرمزيّ.
فآلان لَنْ يخاطبني يومًا بهَذهِ الألفة، بهذا الأسلوبِ الخالي مِن الرسميَّة.
كنتُ أعلمُ منذ زمنٍ بعيد—حين كنتُ أراقبه خلسةً—أنَّه رجلٌ باردٌ لا ثغرةَ فيه.
وقد شعرتُ بذَلك بوضوحٍ في أمسيةٍ واجهتُه فيها هُنا تحديدًا، وفي ليلةٍ رقصنا فيها معًا.
وحين رفعتُ رأسي وسطَ تلك الأفكار، رأيتُ الغلافَ الذي مدَّه نحوي.
<ليلةٌ تنامُ مُغطَّاةً بالانتظار>
وبعدها مباشرةً، التقت عيناي المرتجفتان بعينيه الزرقاوين الباردتين.
نظرةٌ كثيفةٌ حتى إنَّني حبستُ أنفاسي.
وكان في أعماقِها، تحت وهجِ الشفقِ الأحمر، توقٌ غامض.
انكمشتُ لا إراديًّا، فرسمت شفتيه قوسًا أنيقًا.
شعرتُ كأنَّ قلبي يذوبُ بلا نهاية.
نشوةٌ وحيرةٌ اختلطتا حتى غدا رأسي فوضى كاملة.
أيمكنُ حقًّا أن يكونَ هذا الرجلُ آلان ليوبولد؟
حينها أدارَ نظره جانبًا، ثم نقرَ لسانَه بخفَّة.
“…يجبُ أن أذهب.”
ثم وضعَ الكتابَ في ذراعي، إذ كنتُ ما أزالُ متجمِّدةً عاجزةً حتى عن تلقِّيه.
“خُذي.”
راقبَ دهشتي بابتسامةٍ خفيفة.
وصوتٌ ناعم—أهو ضحكةٌ أم هَمسةُ ريح؟—مرَّ قرب أذني، فأثار قشعريرةً دقيقة.
نزعَ قبَّعتَه السوداءَ بعدها، وانحنى بتحيَّةٍ بالغةِ الوقار.
كما لو أنَّه يودِّعُ وداعًا طويلًا.
انثنت ساقاه المستقيمتان قليلًا، وانسدلَ شعرُه الأحمرُ المتموِّجُ برفرفةٍ رقيقة.
تحيَّةٌ مُهيبة، تكادُ تبلغُ حدَّ التبتُّل.
حتى خُيِّلَ إليَّ أنَّه فارسٌ يخدمني، وأنَّني حبُّه الوحيد.
“…….”
وبدوري حيَّيتُه بلا وعي، كما لو أنَّ رقصةً انتهت للتوّ بيننا.
اشتدَّت قبضتي على ثوبِ الشتاءِ العتيق.
ومع ذَلك، لَمْ أستطعْ أن أكفَّ عن تتبُّعِ هيئتِه الأنيقةِ بنظراتٍ متلهِّفة.
وفي تلك اللحظةِ تحديدًا، تلاشت كلُّ الأسئلةِ مِن رأسي.
“سيدي…”
كان ندائي اندفاعًا محضًا.
“السير آلان….”
استدارَ نحوي في اللحظةِ التي همَّ فيها بالرحيل.
وحين تشابكت نظراتُنا ثانيةً، لَمْ أُشِحْ ببصري.
اكتفيتُ بالتحديقِ إليه بوجهٍ يكادُ ينفجرُ بالبكاء.
كنتُ أريدُ البكاء حقًّا.
فذَلك الوجهُ المغمورُ بضوءِ الغروبِ الذهبي بدا بعيدًا… ونبيلًا على نحوٍ موجع.
دامَت هَذهِ اللحظةُ الغريبةُ—كأنَّ الزمنَ توقَّف—برهةً، ثم انتهت مع التفاتِه واختفائه في الزقاق.
طوالَ وقوفي أمامه، استغربتُ خلوَّ شارعِ فلورين إلَّا مِنَّا.
لكنَّني أدركتُ بعد اختفائه أنَّ ذَلك كان وهمًا.
“…….”
شعرتُ كأنَّني أستفيقُ مِن حلمِ يقظة.
هززتُ رأسي بخفَّةٍ وأعدتُ احتضانَ الكتاب، ثم اندمجتُ على عجلٍ بين المارَّة.
وطوالَ طريقِ العودة، وأنا أستنشقُ هواءَ المساءِ المشبعَ برائحةِ الغروب، لَمْ أشعرْ بقدميَّ.
كأنَّني أطوفُ في الفراغ، تنقلني الريح.
ولهذا راودني مرارًا أنَّ لقاءَ المُطاردِ ذي وجهِ آلان ليوبولد، بل هذه اللحظةَ نفسَها، قد تكونُ حلمًا.
وكدتُ أُصدِّقُ ذَلك أكثرَ مِن مرَّة.
وعند نهايةِ ذَلك الطريقِ الشارد، حين ظهرت أمامي دارُنا ذاتُ الطابقين المبنيَّةُ مِن الآجرِّ الأحمر، التقت عيناي بعيني أمِّي التي كانت تُحدِّقُ مِن النافذة.
حينها فقط عدتُ إلى الواقع.
—
“أحقًّا لَيْسَ للسيدِ إيان ليوبولد إلَّا وريثٌ واحد؟”
توقَّفت يدُ أمِّي، التي كانت ترفعُ قطعةً سخيةً مِن فطيرةِ الكوخ، فجأةً عند سؤالي المباغت.
وأمعنتِ السيدةُ كورني النظرَ إليَّ بعينين متَّسعتين، تستطلعُ مقصدي.
كانت سيدتا آل كولينز تظنَّان أنَّ انغماسي في كتابةِ الرواية ما يزالُ يمنعني مِن العودةِ الكاملة إلى الواقع.
وربما لَمْ يكنْ ذَلك بعيدًا عن الحقيقة.
سألتني أمِّي:
“ما بالُ هذا السؤالِ فجأةً أثناءَ الطعام؟”
وكان في نظرتيهما أثرُ شفقةٍ خفيَّة.
فاحتمالُ أن تختارَ الأكاديميةُ كتابتي يقاربُ الصفر، وقد يكونُ قدري ألَّا أكتبَ حتى زواجي.
ومهما يكن، فلا بُدَّ أنَّ عجزَ الكبارِ عن دعمِ حلمِ ابنتهم الوحيدة أمرٌ مُرّ.
“استغربتُ أن يكونَ له ولدٌ واحد، مع أنَّ له ثلاثَ زوجاتٍ، أليس كذَلك؟”
قلتُ ذَلك بوجهٍ هادئ، وأنا أرتشفُ الحساء، فعادتا إلى طعامهما.
قالت أمِّي:
“لستِ تُخطِّطين لكتابةِ روايةٍ عن رجلِ أعمال، أليس كذَلك يا ميليسا؟”
“لا، فقط خطرَ لي السؤال. تساءلتُ إن كنتُما سمعتما إشاعةً مثلًا….”
“إشاعة؟”
“كأن يكونَ للسير آلان أخٌ توأم، مثلًا….”
عندها انفجرتِ السيدةُ كورني ضاحكةً.
“آه، يا لَشبابِكِ يا ميليسا.”
“عفوًا؟”
“تعلمين أنَّ الارتباطَ بذَلك الوريثِ العظيم عسير، فتبحثين عمَّن يُشبهه.”
وأضافت أمِّي بخفوت:
“ولو أردتِ شبيهًا، فسيُوجَد.”
“لَيْسَ الأمرُ كذَلك….”
احمرَّ وجهي خجلًا، وشعرتُ بوخزٍ في حلقي.
“لقد رأيتُ اليومَ في المدينة رجلًا يُشبهه… شَبَهًا يُصدَّق معه أنَّه توأم.”
قالت السيدةُ كورني، وهي تكشطُ البطاطا المهروسةَ عن سطحِ الفطيرة:
“يا إلهي، لعلَّه هو نفسُه! لو وُجِدَ رجلٌ كهذا لعمَّ الخبرُ العاصمة.”
“…….”
“فالسير آلان لَيْسَ سجينَ منزلِه. صحيحٌ أنَّ الأنظارَ تُلاحقه أينما ذهب، لكن…”
وعند سماعي ذَلك، خُيِّلَ إليَّ أنَّني فهمتُ سرَّ الشعرِ الأحمرِ المستعار.
تنكُّرٌ يمنحه بعضَ التحرُّر مِن العيون.
وتركُه منسدلًا بلا تهذيبٍ إنَّما ليحجبَ وجهَه.
وفوق ذَلك، فالشعرُ بهذا اللَّون نادرٌ في مملكةِ سورني، لذا سيُظَنُّ به أجنبيًّا غريبًا، لا آلان.
ما لَمْ يوقِفه أحدٌ ليتفحَّصه عن قرب.
وفكرةُ أن يفعلَ وريثُ ليوبولد مثلَ هَذهِ الحماقة أمرٌ يصعبُ تصوُّره أصلًا.
لكن… ما ذَلك الإحساسُ بألفتِه نحوي؟
وتلك الهالةُ الغريبة؟
لَمْ تُشبِه آلان ليوبولد قطّ.
“على ذِكرِ ذَلك، أذكرُ أنَّ والدكِ حدَّثني قبل نحوِ عشرةِ أعوام…”
قطعت أمِّي أفكاري فجأةً، وتابعت بلامبالاة:
“قال إنَّ رجلًا خدمَ مع السيدِ ليوبولد في الجيش راح يتباهى بقصصِ نزواتِه النسائيَّة.”
“…نزواته؟”
“كان يُخالطُ نساءَ الشوارع، ويُقالُ إنَّ إحداهنَّ حملت بطفلِه.”
عقدت أمِّي حاجبيها وهي تُنقِّبُ في ذاكرةٍ باهتة، ثم قالت:
“الناسُ يُشوِّهون سُمعةَ المشاهير دائمًا، وقد كان ليوبولد يومها أسرةً يعترفُ بها البلاط.”
قالت السيدةُ كورني مؤيِّدةً:
“لو كان ذَلك صحيحًا لانكشفَ منذ زمن. أترين الناسَ حمقى؟ وكم مِن موظَّفٍ يعملُ تحت إمرته!”
“…….”
“فما مِن سرٍّ يدوم… إلَّا إن كان السيدُ ليوبولد قد أغرقَ العارفين بالحقيقة في النهر! حينها يكونُ السرُّ في القاع…”
وضعتُ أدواتي عند هَذهِ المزحةِ القاتمة، فملأتْ طبقي بالفطيرة وقالت بحرج:
“ليس حديثًا يُقالُ على المائدة، أليس كذَلك؟ هوهو.”
“…….”
كان رأسي ساحةَ فوضى.
فرضياتٌ واحتمالاتٌ تتصادمُ بعنف، فكيف لي أن آكلَ بهدوء؟
“شكرًا على الطعام.”
“ميليسا! إنَّها مجرَّدُ مزحة…!”
تركتُ صوتَ أمِّي تقول: “دَعيها ترتاح”، وصعدتُ إلى غرفتي فورًا.
ألقيتُ جسدي على السرير، واستلقيتُ على جانبي أتمتم:
“آلان ليوبولد… مُطاردي أنا؟”
حتى الآن يبدو يومي بلا أدنى واقعيَّة.
رأسي مكتظٌّ بالهواجس، فلا قدرةَ لي على التفكير.
ربما ما زلتُ داخلَ رواية.
ولعلَّ عودتي إلى الواقع تحتاجُ بعضَ الوقت…
“هاه….”
تنهدتُ ببطءٍ وأغمضتُ عينيَّ، وسرعان ما غرقتُ في النوم.
وفي صباحِ اليومِ التالي، وصلني خبرٌ صادم.
التعليقات لهذا الفصل " 41"