استلقينا ونحن نُحكِمُ التَّشابُكَ بأيدينا، ونتحادثُ دون أن نشعرَ بمُرورِ الوقت.
حين كنتُ أتكلَّمُ كانت فيولا تُشدِّدُ قبضتَها أحيانًا، وحين تتحدَّثُ هي كنتُ أنا أُمسِكُ يدَها بقوَّةٍ بين الحينِ والآخر، لكنَّنا لَمْ نُفلِتْ أيدينا قطّ.
اشتدَّت قبضتي على يدِها مثلًا حين أخبرتني أنَّها، وهي تعيشُ في بيكوم، كثيرًا ما يعتريها حنينٌ لا يُحتملُ إلى العودةِ للعاصمة،
“ماتي لطيفٌ للغاية، إنَّه أشبهُ بملاكٍ.”
وكان ذَلك حين تحدَّثت عن ماتي، ابنِ جايكوب وآن.
“لا تتصوَّرين كم هو مُدهِش، ميليسا. حقًّا، أندهشُ كلَّما رأيتُه. مع أنَّه لَيْسَ طفلًا أنجبتُه، أشعرُ أنَّ بيني وبينه رباطًا قدريًّا. هل سبق أن شعرتِ بشيءٍ كهذا، ميليسا؟”
“….”
“بالطبع لَنْ تكوني قد شعرتِ به، فلا أطفالَ حولكِ. وأنا أيضًا لَمْ أختبرْ مثلَ هذا من قبل، لكن لا أجدُ وصفًا سوى أنَّه مُدهِش… أحيانًا يُحرِّكني وجودُ ماتي وحده. يكفي أن أراه يبتسم حتى تترقرق الدموعُ في عيني.”
كانت فيولا تنتحبُ أحيانًا وكأنَّ المشاعرَ تفيضُ فيها لمجرَّد استحضارِ الطفل، وأنا أيضًا، ممسكةً بيدِها، كنتُ أرتجفُ قليلًا.
لَيْسَ مِن طبعي أن أُفسِدَ قصةً جميلة، لكن شعرتُ أنَّ عليَّ أن أقولَ ما يجبُ قولُه، خاصَّةً وأنَّها لَيْسَت أيَّ أحد، بل صديقتي الوحيدة فيولا.
“هل أنتِ واثقةٌ أنَّ الطفلَ ابنُ جايكوب، فيولا؟ لقد سمعتُ أنَّه يُشبِهُ تلك المرأةَ، آن، تمامًا.”
“ماتي….”
“ألا يُرعِبُكِ أن يُذكِّركِ كلَّما رأيتِه بعشيقةِ زوجِكِ السابقة… بل بامرأةٍ عديمةِ الضمير قد تكونُ ألقت طفلًا لَيْسَ لها واختفت؟”
“….”
“فيولا. يُؤلِمني أن أراكِ تُخدِّرين نفسَكِ وتقبلين هذا الوضعَ فحسب….”
أتراني ضغطتُ عليها أكثرَ مِن اللازم؟
صمتت فيولا قليلًا.
لَمْ تُفلِتْ يدَها، لكنَّها تقلَّبت قليلًا ثم استلقت على ظهرها.
“ميليسا.”
وحين استدرتُ أنا أيضًا أحدِّقُ في السقف، وصلني صوتُها عبر حفيفِ الغطاء.
“أنا لَسْتُ مستسلمةً ولا أقبلُ الأمرَ بعجز. وحتى قلبي الذي كان يلومُ جايكوب قد تلاشى منذ زمن. أقولُ ذَلك بصدق.”
“لكنَّ الطفل….”
“حتى لو لَمْ يكن ماتي ابنَ جايكوب، أظنُّ أنَّني ما كنتُ لأحبَّه بهذا القدر لو كان رجلًا يتجاهل طفلًا أُرسِلَ إليه بلا مأوى.”
ضاق صدري لسببٍ ما.
أن تتزوَّجَ في سنِّ العشرين بالكاد، ثم تجدَ نفسَها مسؤولةً عن طفلٍ غريب، ومع ذَلك لا تُظهِرُ غضبًا ولا شكوى، بل كلماتٍ جميلةً فحسب—كان ذَلك يُحزِنُني.
“…بل إنَّني ممتنَّةٌ له لاتخاذِه قرارَ رعايةِ ماتي.”
لكن كلماتِها التالية أخرستني.
“أتعلمين كم هو صعبٌ أن أعيشَ في أرضٍ غريبة بعد حياةٍ كاملة في العاصمة؟ رغم أنَّني أحبُّ جايكوب بصدق… كثيرًا ما يعتصرُني حزنٌ مفاجئ، كأنَّ حياتي كلَّها ضاعت.”
“فيولا….”
“وفي كلِّ مرَّةٍ كان ماتي هو مَن ينقذني.”
كانت مشاعري مُعقَّدة.
بصراحة، لَمْ أستطعْ أن أفهمَ تمامًا.
لَيْسَ لأنَّ فيولا مُخطِئة، بل لأنَّني أشعرُ أنَّني ما كنتُ لأفعلَ مثلَها أبدًا.
ومع ذَلك، نهضَ في داخلي نوعٌ مِن الاحترامِ لها.
طالما حسدتُ فيولا على طاقتها المُشرقة وثقتها التي لَمْ أستطعِ امتلاكَها مهما حاولت، لكنَّ هذا الشعورَ كان جديدًا عليَّ.
ظننتُ أنَّ سببَ بُعدِها عنِّي هو زواجُها، هذا المنعطفُ الأكبر في حياتها، لكن يبدو أنَّ الأمرَ لَيْسَ ذَلك وحده.
لقد غدت فيولا أعمقَ بكثير، حتى إنَّه يمكنُ تصديقُ أنَّها شخصٌ آخر مقارنةً بما كانت عليه قبل أشهر.
لَيْسَ معنى ذَلك أنَّها كانت سطحية، ولا أنَّ تغيُّرَها سيُغيِّرُ علاقتَنا، لكن…
“لقد كان صعبًا عليكِ، أليس كذَلك.”
اغرورقت عيناي بلا سبب.
كأنَّ ليالي قلقِها وحزنِها التي اجتازتها لتتكلَّم بهذا الهدوء كانت تنتقلُ إليَّ عبر أيدينا المتشابكة.
لعلَّ لَيْسَ في زواجِها شيءٌ لَمْ يكن قاسيًا.
“لا شيء في الحياةِ مُقرَّر، فيولا.”
“نعم.”
“ولذَلك أظنُّ أنَّه لا توجدُ إجابةٌ واحدة صحيحة. قد نكونُ ما زلنا صغيرتين لمثلِ هذا الحديث، لكن….”
وجدنا أنفسنا نُعانقُ بعضَنا ونواسي بعضَنا دون أن نشعر.
“مهما كان الموقفُ الذي توضعين فيه، اختاري ما يجعلكِ سعيدةً حتمًا. لا تُفكِّري في غيرِ ذَلك… أؤمنُ أنَّه الأقربُ إلى الصواب.”
شهقت فيولا شهقةً خافتة.
“…أنا أحبُّكِ كثيرًا، ميليسا.”
“وأنا أيضًا، فيولا.”
ظلِلنا نُعزِّزُ بعضَنا كما كنَّا في أيَّام الصِّبا.
قد يُقال إنَّه لا شيء يدوم، لكنَّ صدقي في تمني سعادةِ فيولا لَنْ يتغيَّر.
كانت ليلةً أشبهَ بالحكايات.
وبعد رحلةٍ طويلةٍ مِن بيكوم، ومع ما ذرفتْه مِن دموع، بدت فيولا مُنهكةً تمامًا، تكتفي الآن بأنفاسٍ منتظمةٍ وكأنَّها تنتظرُ سماعَ قصتي.
لَمْ أشأْ أن أُبدِّلَ هذا الدفءَ بالقلق.
فأخبرتُها عن الأشهر التي انغمستُ فيها في الكتابة كأنَّني خُلِقتُ لأجلِ الرواية، وعن تقديمِ المخطوطِ إلى الأكاديمية، وعن وعدي لأمِّي.
“لَيْسَ لأنَّكِ حمقاء… بل لأنَّكِ تُفرِطين في التفكير.”
اشتدَّت قبضتُها على يدي فجأةً.
“أُحبُّكِ حتى وأنتِ غارقةٌ في التأمُّل، لكنَّني أرجو سعادتَكِ قبل أيِّ شيء.”
“….”
أنا نصحتُها أن تختارَ ما يُسعِدُها، وهي نصحتني ألَّا أغرقَ في مخاوفَ مُسبقة.
لأنَّ ذَلك هو طريقُ السعادة.
نصائحُ لا يقدرُ عليها إلَّا مَن يعرفُ الآخرَ ويُقدِّره.
وما إن وعدتُها بذَلك بقلبٍ مُمتلئ، حتى بدأت أنفاسُها تهدأ كأنَّها ستغفو.
وكأنَّ قلبَها اطمأنَّ أخيرًا.
في هذا الوضع، لَمْ أستطعْ أن أُخبرَها عن المطارد.
بالطبع لَنْ أُخفي الأمرَ تمامًا، لكنَّني لَمْ أشأْ أن أذكرَ أنَّه جاءَ إلى المنزل حين كنتُ وحدي، ولا أنَّه اشترى البيتَ المقابل.
جزءٌ مِن السبب أنَّني لَمْ أعدْ أذكرُ إلى أيِّ حدٍّ تحدَّثنا عنه، لكنَّ الأهمَّ أنَّني لَمْ أُرِدْ لها أن تعودَ إلى بيكوم وهي غارقةٌ في القلقِ عليَّ.
“…إنَّ ظهورَه بات أقلَّ فأقلّ. في الآونةِ الأخيرة لَمْ يحدثْ قطّ.”
“حقًّا؟”
لا يزالُ بلا حلٍّ، لكنَّه مشكلتي أنا.
ولا أستطيعُ أن أُثقِلَ قلبَها—وهي المُتعَبة أصلًا مِن التأقلمِ مع حياتها الجديدة—بعبءِ صديقة.
تمتمت فيولا بجوابٍ أقربَ إلى النعاس، مع تثاؤبٍ بطيء:
“لقد تعبتِ كثيرًا، ميل… الآن كلُّ شيءٍ… سيغدو بخير.”
وهمستُ لها بعد أن غفت: نعم، أتمنَّى ذَلك أيضًا.
لَمْ أكنْ أعلمُ أنَّ هذا الرجاءَ سيغدو واهيًا إلى هذا الحدّ.
—
كان النهارُ مُشرقًا.
وبعد الغداء، خطرَ لي فجأةً أن أخرج.
شيءٌ لَمْ يحدثْ منذ زمن.
كالعادة، لَمْ يكن لديَّ خطَّة.
أردتُ فقط أن أمشي كما أشاء.
وإن بلغتُ قلبَ المدينة، فسأدخلُ المكتبةَ لأغرقَ في رائحةِ الكتب، وأنسى الوقتَ وأنا أتصفَّحُ الرواياتِ الجديدة.
صحيحٌ أنَّ مصروفي قلَّ قليلًا، لكنَّني ادَّخرتُ مبلغًا لا بأسَ به لقلَّةِ إنفاقي مؤخرًا.
لذَلك إن حالفني الحظُّ بكتابٍ يعجبني، سأشتريه وأضمُّه إلى صدري، ثم أذهبُ إلى أنتريس.
لَمْ أقلْ ذَلك يومًا، لكنَّني في الحقيقة أشتاقُ إلى كلِّ ما في أنتريس: صخبِها المُنظَّم، وعزفِ البيانو الهادئ، وفنجانِ القهوةِ المُحضَّر بعناية، وحتى لُطفِ الخادم.
“هل أضعُه لكِ في حقيبة، آنِسة؟”
رغم أنَّني جُلتُ طويلًا بين رفوفِ المكتبةِ العتيقة، لَمْ أخترْ سوى كتابٍ واحد، وكلُّ الذنبِ لذوقي المُتطلِّب.
مع أنَّ المالَ كان يكفي لكتابين، بل ثلاثةِ دواوين شعر.
التعليقات لهذا الفصل " 40"