المترجمة: زوزيتا ✨️
حين غمرَ العالمَ صباحٌ مُشرقٌ تمامًا، جاءت السيدةُ كيرني لزيارتي، وما إنْ سلَّمتُها المخطوطة حتّى غرقتُ في عالمِ نومٍ وادع.
وهكذا نِمتُ يومًا كاملًا بلا انقطاع.
وكأنَّ النفس التي نفخت أنفاسَه في البشر عند خلقهم قد انتزعَتمنّي نَفَسي لبرهة، فظللتُ غارقةً في ظلمةٍ سحيقةٍ بلا أحلام، إلى أنْ أعاده إليَّ أخيرًا.
ولم أستيقظ إلّا عند اقترابِ مساءِ اليوم التالي، وكان عشاءٌ التحقتُ به بصعوبةٍ ذا طعمٍ مُغبَّش.
طوالَ الطعام ظلّت أمّي تتذمّر قائلةً إنَّها لو انتظرت يومًا آخر لذهبت لإيقاظي فورًا.
وكان ذلك لطفًا يبعثُ على الدهشة، بالنظر إلى أنَّها تغاضت عن ابنتها التي أرهقت نفسَها حتّى اختلَّ إيقاعُ جسدها وهي تنهمكُ في كتابةٍ لا تُرضيها.
لم تكد تمضي ثلاثةُ أشهرٍ منذ انغمستُ في كتابةِ الرواية ناسِيَةً الطعامَ والنوم، وأحيانًا التاريخَ نفسه.
ومع ذلك، منذ أرسلتُ مخطوطتي إلى الأكاديميّة، غدوتُ شاردةً بلا حدّ، كطفلةٍ ضلَّت الطريق.
ما الذي كنتُ أفعله قبل أنْ أكتب؟
أكنتُ أقرأُ الكتبَ التي أحبُّها مرارًا، وأتأمّل عباراتها، وأنسخُ ما يعجبني منها، وأعزفُ البيانو، وأتجوّل في المدينة أزورُ المكتبات أو أحتسي القهوة؟
…كم يبدو ذلك تافهًا الآن.
وبالطبع لا يمكنني أنْ أغفلَ أيّامَ لقائي بصديقتي الوحيدة، فيولا، إذ كنتُ أذهبُ إلى منزلها كلّما سنحت الفرصة، فنمضي الليلَ نتبادلُ الأحاديث.
وخلال الأشهر الأخيرة قضيتُ وقتًا غيرَ قليلٍ مع توبياس أيضًا؛ لم يكن أمرًا استثنائيًّا، لكنَّه كان ممتعًا.
غير أنَّ الاثنينِ الآن في مكانٍ بعيد، ولعلَّ هذا ما يجعلُ اللحظةَ أكثرَ خواءً.
“شكرًا على الطعام.”
“أستنهضين الآن بالفعل؟”
فتحت السيدةُ كيرني عينيها بدهشة، وكان ضوءُ الشموعِ الخافتُ يرتجفُ فوق أرنبةِ أنفها.
“نِمتُ طويلًا، لذا شهيّتي…”
ابتسمتُ ابتسامةً هادئةً وأنا أنهض.
ستخلدُ أمّي إلى النوم مبكّرًا عمّا قريب، والأعمالُ المنزليّة لا تنتهي، فلا السيدةُ كيرني ولا جوليا تملكان رفاهيّةَ الفراغ.
ثمَّ إنَّني في الحقيقة لا أشعرُ برغبةٍ في الحديث مع أحد.
فليس في منزلِنا مَن يستطيع الإصغاءَ إلى قلقي المجهول من الموضعِ نفسه الذي أقفُ فيه، أو أنْ يُفكّر معي فيه. أعلم أنَّهم طيّبون، لكن…
“أنا وحيدة.”
تمتمتُ بحزنٍ وأنا أخرجُ من الباب.
لم أكن أقصدُ مكانًا بعينه؛ أردتُ فقط أنْ أستنشقَ هواءَ الليل، علَّ الكآبةَ تخفُّ قليلًا.
كان الخارجُ مظلمًا على نحوٍ لا بأس به.
ورغم أنَّه مارس، ما زالت رائحةُ الشتاءِ عالقةً في الريح التي لامست شعري.
“…ما زال نَفَسي يتصاعد.”
كان الربيعُ بعيدًا بعد.
فشدَدتُ الشالَ الملقى على كتفيَّ برفق، بينما كانت النجومُ المتناثرة تُطلُّ عليَّ من علٍ.
إذا تأمّلتُ حياتي كلَّها—حتّى حياتي السابقة التي امتدّت عشرين عامًا—فلن أجد أمرًا استغرقتُ فيه بهذا الصدق.
كانت القراءةُ تمنحني متعةً، أمّا كتابةُ القصص بجُمَلي أنا فكانت الحلمَ ذاته.
ولهذا أشعرُ بهذا الفراغِ الذي ينهشُ صدري.
فإنْ لم تختر الأكاديميّة روايتي، فلن يُسمح لي بالكتابة حتّى أتزوّج، كما وعدتُ أمّي.
ولا تزال كلماتُها القاسية في تلك الأمسية تغرسُ أشواكًا في قلبي.
ويؤلمني أكثر أنَّني أعلمُ ضآلةَ احتمالِ اختياري.
سأُقيَّمُ إلى جانبِ متخصّصي الأكاديميّة وكتّابٍ مجهولين أفنوا أعمارهم في الكتابة، فلا مجالَ للتعلّق بالأمل.
ولا أستطيعُ حتّى دحضَ قولِها إنَّ مطاردةَ حلمٍ كالدخان قد تُبدّد أجملَ سنواتِ حياتي.
القلقُ ينمو على الدوامِ متغذّيًا من المخاوف.
ولعلَّ هذا القلقَ اللزج، الذي يدورُ عند قدميَّ، هو الشيءَ الوحيد الذي لن يفارقني أنا المصنوعةَ من شعورِ الوحدة.
إنَّه كظلٍّ لا ينفصل.
ولهذا، في ليالٍ عميقةٍ كهذه، نجدُ أنفسَنا أسرى للقلق دون مقاومة.
“هاه…”
أحاولُ أنْ أواسي نفسي قائلةً إنَّ قلّةً هم مَن يعيشون حياةً واثقة، لكنَّني سرعان ما أتهاوى بلا حيلة.
كيف يكون الإحساسُ بأنَّ عليكِ فقط أنْ تمضي في طريقٍ راسخ؟
بل كيف إذا امتلكتِ الموهبةَ التي تلائمُ ذلك الطريق تمامًا، وخلفيّةً داعمةً بلا حدود؟
أتساءلُ أيوجدُ مثلُ هذا الإنسان، ثمَّ لا ألبثُ أنْ أُقِرَّ بذلك. فأنا أعرفُ حتّى عطرَه.
حين رفعتُ رأسي فجأةً، لمحتُ ضوءًا خافتًا بعيدًا.
كان ينبعثُ من نافذةِ المنزل المقابل.
“….”
ذلك الرجلُ ليس جارًا. إنَّه مجرّدُ مُطارِدٍ مختلّ.
لكن… هل هو حقًّا آلان ليوبولد؟
“….”
…لعلَّني أنا المختلّة لأنَّني أفكّرُ في هذا أصلًا.
قالت السيدةُ كيرني إنَّ المنزلَ ما يزال خاليًا، فهل انتقل إليه اليوم؟ وإنْ كان قد جاء قبل ذلك، فلماذا يظهرُ حين أكونُ أنا من يراه…؟
ورغم علمي أنَّه محضُ صدفة، لا أستطيعُ إنكارَ أنَّ ذلك الضوء يبدو كأنَّه ينتظرني ويهمس: تعالي.
ومع ذلك، ليست لديَّ شجاعةٌ لأطرقَ بابَ ذلك المنزل، سواءٌ لمواجهتِه أو للتأكّد ممّا إذا كان المُطارِدُ حقًّا آلان ليوبولد.
أغمضتُ عينيَّ بقوّة وهززتُ رأسي.
أعلمُ أنَّ طريقتي في تجاهلِ المشكلاتِ التي لا أستطيعُ حلَّها ليست حسنة، لكنَّ مواجهتَها مرعبةٌ أكثر ممّا أحتمل.
إنَّه ككابوسٍ يفتقرُ إلى الواقعيّة، فلا أرغبُ إلّا في الإعراضِ عنه.
السبيلُ الوحيدُ لتجاوزِ هذا دون أنْ أزرعَ الخوفَ في قلوبِ مَن حولي هو الذهابُ إلى لونوَا… لكن ينبغي التفكيرُ في خيارٍ قابلٍ للتنفيذ.
ومهما يكن، لا يجوزُ أنْ أُرخِي حذري.
فالمُطارِدُ خارجُ حدودِ منطقي، حتّى لو لم يبدُ أنَّه سيؤذيني حالًا.
لقد اشترى القصرَ المقابل الذي يُشرفُ على منزلِنا، وربّما كان ذلك إعلانًا عن اقترابِه أكثر فأكثر.
فما الذي ينتظرُ في نهايةِ تلك الخطّة؟ يكادُ نَفَسي يختنق.
وللأسف، لا أستطيعُ الفرارَ إلى دوقيّةِ لونوَا بقوّتي وحدي.
فماذا لو ذهبتُ إلى أحدِ أقاربي؟
ليس لديَّ كثيرون، لكنَّ خالتي الكبرى التي تعيشُ بعيدًا عن العاصمة تبدو أقربَ الخيارات، وربّما تقبلُ استضافتي.
حالُها أيسرُ من حالِنا، ولعلَّ حياتَها الريفيّة الهادئة موحشة، فإذا صرتُ رفيقةَ حديثٍ لها…
“فماذا عن أمّي…؟”
ستشعرُ بالوحدة، وإنْ لم تُظهر ذلك.
وأبي، الموجودُ في الجيش، لن يعودَ إلى العاصمة قبل العامِ المقبل على أقرب تقدير.
والحقيقةُ أنَّني لن أحصلَ على إذنٍ أصلًا.
فالحياةُ الريفيّة قد تكونُ مثاليّةً للكتابة، لكنَّ أمّي لن تراها إلّا إعلانًا عن التخلّي عن الزواج.
إنَّه مكانٌ بعيدٌ عن المجتمع، ولا رجالَ شبابًا فيه لأتذرّع بالبحث عن زوج.
فماذا لو انتظرتُ عودةَ توبياس؟
إنْ لم يتغيّر قلبُه، فقد نَعِدُ بالزواج ونذهبُ معًا إلى نيوديتش.
سيكون ذلك وسيلةً ممتازةً للخلاص من ظلِّ ذلك المُطارِد.
وتوبياس سيشجّع حلمي بلطف، وربّما أعيشُ زوجةً لآل ميلر أكتبُ بطمأنينة.
غير أنَّ فكرةَ الزواجِ لهذا السبب تُثقِلُ قلبي قليلًا، ولا يسعُني تجاهلُ ذلك الضيق.
“…البرد.”
هل أطلتُ الوقوف؟ لقد بدأ جسدي يرتجف، وأطرافُ أصابعي صارت باردةً كالجليد.
لم يتحسّن مزاجي، لكنَّني استدرتُ لأدخل. فلا ينبغي أنْ أُصابَ بزكامٍ شديد.
وفي تلك اللحظة، توقّف فجأةً وقعُ حوافرِ خيلٍ خفيفٍ ظننتُه سيمرُّ أمامَ المنزل.
“ميليسا!”
وتبعَه صوتٌ طالما اشتقتُ إليه حتّى في أحلامي.
“…فيولا!”
احتضنتُها بكلِّ ما فيَّ من قوّة وهي تركضُ نحوي، وغمرني دفءُ جسدِها الصغير.
“إذنْ كان صوتُ العربة لكِ! ما الذي جاء بكِ بعربة؟”
“معي بعضُ الأمتعة. إنَّها من إقطاعيّةِ بيكام…”
وفي تلك الأثناء، وضعَ السائقُ ذو الملامح الجامدة كيسًا ممتلئًا أمامَ الباب ثم عاد إلى العربة.
عندها فقط نظرتُ إلى وجهِ صديقتي المقرّبة.
ابتسامتُها اللطيفة كانت تتلألأ في عتمةِ الليل، وكان ارتياحي عظيمًا لرؤيةِ إشراقةِ ملامحِها.
“متى وصلتِ إلى العاصمة؟ وأين زوجُكِ؟”
“ظهرَ اليوم. إنَّه عيدُ ميلادِ أبي.
أمّا جايكوب فلديه عمل، فجئتُ وحدي.”
“آه…”
“تعمدتُ أنْ آتي بعدَ العشاء، لكن… هل تأخّرتُ كثيرًا؟”
“لا.”
عانقتُ فيولا مرّةً أخرى بقوّة.
“…أحسنتِ المجيء.”
“سأختنق، ميل! يبدو أنَّكِ اشتقتِ إليَّ كثيرًا.”
“نعم… لديَّ الكثيرُ لأقوله…”
انحشر صوتي دون أنْ أشعر، ودفنتُ وجهي في عنقِها الناعم.
“لا بأس، لا بأس. سأبيتُ هنا الليلة، فلندخل.”
ربّتت عليَّ فيولا بنبرةٍ ناضجةٍ متصنَّعة، وقادتني نحو الباب. ولا بدَّ أنَّ لديها بدورها كومةً من الحكايات التي عليَّ الإصغاءُ إليها.
تشابكَت أذرعُنا، والتصق جسدانا، ثم استدرنا تاركتَين وراءنا القصرَ البعيد الذي يتسرّبُ منه ضوءٌ خافت.
—
في مكتبٍ ساكنٍ يخلو من أيِّ أثرٍ للحياة، دوّى طرقٌ على الباب.
“سيّدي الشاب.”
تقدَّم رجلٌ بانحناءةٍ مهذّبة نحو صاحبِ المكتب؛ لم يكن معاونًا ولا موظّفًا، بل خادمًا من خَدَمِ الأسرة.
“أنا….”
مدَّ يدًا مرتجفةً بحزمةِ أوراق، كُتِب في أعلاها بخطٍّ أنيق:
<جنّةُ القمر>
“كما أمرت، استعنتُ بأحدِ مسؤولي الأكاديميّة لنسخِها.”
“حسنًا.”
توقّف آلان عن التوقيع، وتناول الأوراق. وفجأةً أشرقت ابتسامةٌ ساطعةٌ على وجهِه الجامد—مشهدٌ نادرٌ كفيلٌ بإثارةِ حماسةِ الخادم.
كان آلان قد استمال أحدَ المحكّمين مسبقًا؛ أمرًا يسيرًا كالتنفّس.
ثمَّ أرسل خادمًا متنكّرًا بصفةِ طالبٍ ليتسلّم النسخةَ المنسوخة، فصار الخادمُ الآن كأنَّه يمشي فوق السحاب من فرطِ الحماسة.
“سيدي… لكن، ألَن تعود إلى القصر الليلة أيضًا؟ المكانُ الذي اشتريته حديثًا بلا خدم، أفلا يزعجُك ذلك…؟”
هل يظنُّ أنَّ تنفيذَ مهمّةٍ شخصيّةٍ كهذه منحه رابطةً خاصّة؟ الوهمُ مباح، لكنَّه من النوعِ المزعج.
“لا، يكفيني.”
قرّر آلان أنْ يُجيبه بلطفٍ تقديرًا لما أحضر.
“وسأغادرُ قريبًا على أيّ حال.”
“ومع ذلك تبد هادئ على نحوٍ لا يليقُ بمَن سيرحل قريبًا!”
لكن حين تابع الخادمُ بحماسٍ أكبر، اختفت الابتسامةُ من شفتي آلان. يا لافتقارِه إلى الفطنة.
“لا تختلف عن المعتاد، فهل أتممت الاستعداد—”
“لا تتجاوز حدَّك.”
ارتعد الخادمُ عند الصوتِ البارد، وأدرك متأخّرًا طيشَه فانحنى مسرعًا.
كان الابنُ الوحيدُ لربِّ الأسرة رجلًا باردَ القلب، لا يُلقي على خدمِه كلمةً لطيفة. وربّما يُعاقِبه الآن لمجرّدِ إزعاجِه.
وبينما أخذ الخادمُ يرتجف، انطلق ضحكٌ خفيفٌ كنسمة.
رفع رأسَه بحذرٍ غيرَ مصدّق، فإذا بشفتي سيّدِه تنحنيان مجدّدًا.
كان ذلك مطمئنًا، لكنَّه عجز عن تخمينِ ما أعاد الابتسامة.
“من الأفضل أنْ أصلَ في التوقيتِ المناسب.”
“…نعم؟”
أسند آلان ذقنَه إلى يدِه وتمتم:
“إنَّني أنتظر.”
المترجمة: زوزيتا ✨️
التعليقات لهذا الفصل " 39"