المترجمة: زوزيتا ✨️
في ذلكَ اليوم أيضًا، كنتُ غارقةً كعادتي في كتابةِ الرِّواية لوقتٍ طويل.
ولعلَّ اقترابَ إنجازِ منتصفها هو ما جعلني أنسى الزَّمنَ نفسَه، حتى إنّني كُلَّما جلستُ إلى المكتب قبل النَّوم لأكتبَ قليلًا، وجدتُ الفجرَ قد انقضى دونَ أنْ أشعر.
وقفَ تروي وحيدًا تحتَ القمر.
امتدَّ ضوءُ القمر لِيُداعبَ وجهَه الشاحبَ في صمت.
“لَا أدرِي كيفَ ستنظرينَ إلى هَذهِ الهيئةِ مِنِّي…”
تبعثرَ همسُه الخفيضُ في الهواءِ البارد.
“لكنَّكِ ستدركينَ يومًا ما أنَّ مثلَ هَذا الحُبِّ موجود.”
“آهِ…”
وضعتُ القلمَ ومددتُ ذراعيَّ المُتيبِّستين لِأتمطّى.
لَمْ يَبقَ حقًّا سوى القليل قبلَ أنْ أُرسِلَ المخطوطة، فقد باتَ الهدفُ أمامَ ناظري.
غيرَ أنَّه لَمْ يبدُ أنَّ فكرةً جيّدةً أخرى ستخطرُ لي الآن.
كانَ مِنَ الممكنِ أنْ أحاولَ النَّوم عندَ هَذهِ النقطة، لكنَّ الوقتَ كانَ أقربَ إلى الصَّباحِ منهُ إلى اللَّيل.
حتّى السَّيدةُ كيرني، أوَّلُ مَن يبدأُ يومَه في منزلِنا، لَمْ تستيقظْ بعدُ في هَذا الوقتِ المبكِّر.
كانَ البيتُ غارقًا في سكونٍ سحيق، كأنَّه صمتٌ مسحور.
والأغربُ أنَّ النُّعاسَ لَمْ يأتِني رغمَ أنَّني لَمْ أنَمْ طرفةَ عين.
ولأكنْ صادقةً قليلًا… بدا لي أنَّني أعرفُ السَّبب.
…بل كنتُ أعرفهُ يقينًا.
تسلَّلتُ إلى أسفلِ الدَّرج بخفّةِ قِطَّةٍ ليليّةٍ تمشي على أطرافِ أصابعها.
صرختِ السُّلالمُ الخشبيّةُ العتيقةُ صريرًا خافتًا، لكنَّ السُّكونَ الثقيلَ ابتلعَه في الحال.
توقَّفتُ كما لو أنَّني مسحورةٌ أمامَ رفِّ غرفةِ الجلوس.
أو بالأحرى، أمامَ الموضعِ الذي وُضِعَت فيهِ زجاجةُ العطر.
تسرَّبت تموُّجاتُ ضوءٍ خافتٍ مِن نافذةٍ أُسدِلَت ستائرُها، فتكوَّنت فوقَ الزُّجاجةِ الصَّغيرةِ قطراتٌ كالندى.
“…”
قد يَثقُلُ الصَّمتُ أحيانًا على الطَّبلتَين أكثرَ مِن أيِّ دويّ.
مددتُ يدي بلا صوت.
أكانَ ذلكَ لأنَّني ظللتُ مستيقظةً طويلًا؟ لقد ارتجفتْ أطرافُ أصابعي على نحوٍ غريب.
لَمْ أكنْ أفهمُ حتّى أنا لِمَ أتصرَّفُ بهذهِ السِّرِّيّة.
ولِمَ لَمْ أكنْ أُريدُ لِنساءِ آلِ كولينز أنْ يَرَينَني هكذا…
وعندما لامستْ أطرافُ أصابعي أخيرًا تلكَ التُّحفةَ البديعة، وبرودتَها الواضحة—
“آنِسَتي.”
كدتُ أُحطِّمُ زجاجةَ العطرِ إربًا.
لَمْ ألحظْ حتّى اقترابَ أحدٍ إلى جانبي مِن شدَّةِ تركيزي.
“هلِ استيقظتِ مُبكِّرًا هكذا؟”
سألتْ جوليا وهي تفركُ عينيها المثقلتينِ بالنَّوم.
“…نعم، وهلِ استيقظتِ أنتِ الآن؟”
“حلمتُ أنَّني أُسافِرُ إلى مكانٍ شديدِ الحرِّ… واستيقظتُ لأنَّني كنتُ عطشى جدًّا.”
ارتسمتِ ابتسامةٌ تلقائيّةٌ على شفتي لِذلكَ الجوابِ الطِّفلي.
لكنَّ سؤالَها التَّالي جمَّد جسدي كُلَّه.
“أتُريدينَ شمَّه؟”
“آه… إنَّه فقط كانَ أمامَ عيني، فاشتدَّ فضولي.”
“هاام… فهمتُ.”
تصرفتُ بتكلُّفٍ غريبٍ في أمرٍ كانَ يمكنُ قولُه ببساطة.
ولحُسنِ الحظِّ أنَّ جوليا لَمْ تُطِلِ التَّدقيق، إذ كانت مشغولةً بتثاؤبٍ بطيء.
وبينما كنتُ أبتسمُ ابتسامةً مُحرِجةً وأُعيدُ الزُّجاجةَ إلى الرفّ، باغتتني بسؤالٍ آخر.
“لكنَّكِ تعرفينَ أيَّ رائحةٍ تفوحُ مِنَ السَّيِّد آلان، أليسَ كذلك؟ فقد رقصتِ معه.”
“آه… في الحقيقةِ، لَا أعلم.”
“لَا تعلمين؟”
ردَّدت جوليا بدهشة، وقد انعكسَ ضوءُ الفجرِ الخافتُ على وجهِها الصَّافي.
“نعم، قد يبدو الأمرُ مُضحكًا، لكنَّني كنتُ متوتِّرةً جدًّا في ذلكَ اليوم…”
“…”
“ولذلكَ لَمْ أشمَّ أيَّ رائحة.”
“آها.”
انتفخت خدودُ جوليا قليلًا كأنَّها خابَ أملُها.
خفضت حاجبيها القمحيَّينِ وتمتمت بنبرةٍ مُتذمِّرة.
“كنتُ أتساءلُ إنْ كانَ يفوحُ منهُ فعلًا مثلُ هَذا العطر… فقد يكونُ متجرُ العطورِ قد كذب.”
“آه…”
“أَلَا تظنِّينَ ذلكَ يا آنِسَتي؟ لَيْسَ لدينا طريقةٌ لِنَتأكَّد.”
عقدتْ ذراعيها وأردفتْ بصوتٍ مُثقَلٍ بالنُّعاس.
“لكن إنْ كانت هَذهِ فعلًا رائحتَه…”
“…”
“فأظنُّ أنَّها ستليقُ بهِ كثيرًا، رغمَ أنَّني لَمْ ألتقِ بهِ قط… لو كانت رائحةً كهذهِ… هاام.”
تثاءبتْ جوليا مرَّةً أخرى وهي تتمتمُ بنعاس.
“سأعودُ إلى غرفتي يا آنِسَتي، يجبُ أنْ أنامَ قليلًا قبلَ أنْ تأتيَ السَّيدةُ كيرني لإيقاظي.”
أومأتُ برأسي، فاستدارت خُصلاتُها الذَّهبيّةُ المُبعثَرة.
راقبتُ ظهرَها المستديرَ وهي تترنَّحُ في مشيتها، وحينَ ابتلعتها العتمةُ عادَ الصَّمتُ يهبطُ من جديد.
اختطفتُ زجاجةَ العطرِ كأنَّني كنتُ أنتظرُ تلكَ اللَّحظة.
“…”
كانَ السَّائلُ المتماوِجُ داخلَ الزُّجاجةِ الشفّافةِ الشبيهةِ بالجوهرةِ بلونٍ بينَ العاجيِّ والأخضرِ الباهت.
ظللتُ أُحدِّقُ في لمعانِه زمنًا حتّى وجدتُني أحبسُ أنفاسي.
وعندها، بلغَ مسمعي زقزقةُ طائرٍ بعيدة.
راحَ الضَّوءُ الشَّاحبُ الذي تموَّج فوقَ الأرضيّةِ الخشبيّةِ يزدادُ كثافةً، وقريبًا ستأتي السَّيدةُ كيرني لإيقاظِ الجميع.
“…”
أمسكتُ بالسَّدَّادةِ الزُّجاجيّةِ الصَّغيرةِ بحذر.
وكانَ صوتُ انفتاحِها طفيفًا ورنّانًا، كأنَّني أتنصَّتُ إلى همسِ الملائكة.
أغمضتُ عينيَّ بهدوء.
ثمَّ استنشقتُ العطرَ عميقًا، بقلبٍ يرتجفُ شوقًا وخوفًا.
وسرعانَ ما انطلقتْ مِنِّي شهقةٌ خافتة.
“واو…”
كنتُ لتوّي أسمعُ طيورَ الفجر، لكن ما إنْ شممتُ العطرَ حتّى عادَ اللَّيل.
تخيَّلتُ شخصًا يقفُ وحيدًا في حديقةِ ورودٍ غمرها الضَّباب، داخلَ ليلٍ عميقٍ بارد.
لو كانت جوليا إلى جانبي الآن لقلتُ لها إنَّ متجرَ العطورِ لَمْ يكذب.
فبينما كنتُ أرتشفُ هَذا العطرَ الهادئَ الحلو، لَمْ أعدْ أرغبُ في فتحِ عينيَّ.
كانَ دافئًا إلى حدٍّ يُغري بالتوقُّفِ عندَه إلى الأبد.
غيرَ أنَّ سؤالًا ضبابيًّا أخذَ يتصاعدُ خفيةً بعدَ ذلك.
…هَذهِ الرَّائحةُ مألوفةٌ على نحوٍ غريب.
لِماذا؟ لَا أحدَ حولي يستعملُ عطرًا بهذا الغلاء.
أتراني شممتُه دائمًا في مقهى أنتريس؟
“آه، هَذا…”
وبشكلٍ مُروِّع، ما إنْ استحضرتُ ذكرى أيّامٍ قليلةٍ مضت حتّى كدتُ أتيقَّن.
إنَّها الرَّائحةُ التي كانت تفوحُ مِن أحضانِ الرَّجلِ المقنَّع… أي مِن مُطارِدي.
“…”
فتحتُ عينيَّ على اتِّساعهما، وأغلقتُ الزُّجاجةَ على عجلٍ ثمَّ أعدتُها إلى الرفّ.
وظللتُ واقفةً لحظةً، أعبسُ بعمقٍ وأنا أغرقُ في أفكاري.
نعم، ما خطرَ لي أوَّلًا صحيح.
لقد كانت هَذهِ الرَّائحةُ تملأُ أنتريس دائمًا.
ولأنَّها لَيْسَت رائحةً شائعة، فمنَ المُستبعَد أنْ يخطئَ حدسي.
بل إنَّها جزءٌ مِن صورةِ أنتريس في ذهني… ربما زينةُ الزُّهورِ المُعلَّقةُ على الجدار—
…لحظة، أَلَمْ يستبدلْ أنتريس تلكَ الزِّينةَ كلَّها بنُسُجٍ جداريّةٍ مع دخولِ الشِّتاء؟
ومع ذلكَ، كنتُ أشمُّ الرَّائحةَ في كلِّ مرَّة.
ومن مسافةٍ قريبةٍ جدًّا.
“آه…”
شعرتُ بأنَّ ذهني يترنَّح.
كادتِ القوَّةُ تخونُ ساقَيَّ فأهوي جالسة.
امتدَّت أشعَّةُ الضَّوءِ فوقَ الأرضيّةِ، طويلةً وواضحةً الآن، تتراقصُ عندَ قدمي كأنَّها ستقبضُ على كاحلي في أيَّةِ لحظة.
استولى عليَّ خوفٌ مفاجئ، فانطلقتُ نحوَ الدَّرجِ هاربة.
كانَ عليَّ أنْ أبتعدَ عن هَذهِ الرَّائحةِ قدرَ المُستطاع.
“ميليسا؟”
وبينما كنتُ أهرعُ صعودًا، أوقفتني تلكَ الصَّوت.
كانتِ السَّيدةُ كيرني.
“…”
لكنَّ حلقي اختنق، فلمْ يخرجْ مِنِّي صوت.
لَمْ أستطعِ الالتفاتَ أيضًا.
كلُّ ما فكَّرتُ فيهِ هو الفرارُ مِن تلكَ الفكرةِ المُرعبة.
“ها…”
ما إنْ أغلقتُ بابَ غرفتي بإحكامٍ حتّى تناثرَ زفيرُ راحةٍ أشبهُ بالتنهيدة.
وفي الوقتِ نفسِه، كانَ عليَّ أنْ أعترف.
لَمْ أعدْ قادرةً على التوقُّفِ عن استحضارِ ذلكَ العطرِ الباردِ الفاتن.
أكأنَّهُ انغرسَ عميقًا في رئتَيَّ؟ لقد صارَ ذلكَ العطرُ الذي كانَ دائمًا حولي بلا انتباهٍ منِّي واضحًا أخيرًا، كأنَّ أنفي ما يزالُ عالقًا عندَ فمِ الزُّجاجة.
وحينَ تخيَّلتُ الرَّجلَ الذي دارَ حولي متعطِّرًا بهِ، اقشعرَّ جلدي.
ومع ذلكَ، جعلني ذلكَ العطرُ الحلوُ المُثيرُ أرغبُ في نسيانِ كُلِّ قلق.
جلستُ أمامَ المكتبِ أُسنِدُ ذقني وأعضُّ شفتي، ثمَّ انجرفتُ بلا حولٍ في فكرةٍ غريبة.
كنتُ أعدُّها فرضيّةً سخيفةً، لكنَّه كانَ الشكَّ الثَّالث.
مالكُ أنتريس، الرَّجلُ الذي أعادني إلى المنزلِ فورَ أنْ انهرتُ في الثَّلج، وصاحبُ هَذا العطر.
حينَ أفكِّرُ في الأمر، كانَ الرَّجلُ الذي جاءَ إليَّ طويلَ القامةِ مستقيمَ البنية.
ولونُ عينيه اللَّامعتينِ ببرودةٍ في الظِّلال… إنْ لَمْ تخنِّي ذاكرتي، فقد كان—
“…ما زالَ مِنَ المُبكِّرِ الجزم.”
لَا أحدَ في هَذا المملكةِ سيُصدِّقُ أنَّ آلان ليوبولد هو مُطارِدي، وأنا أيضًا واحدةٌ منهم.
إنَّها فرضيّةٌ عبثيّة.
ومع ذلكَ، ظلَّ عقلي يُركِّبُ القِطَع.
آلان الذي يشتري مقهًى كاملًا في المدينة، أفيعجزُ عن شراءِ قصرٍ عتيق؟
والمتسوِّلونَ الذين بدوا كأتباعٍ للمُطارِد، وارتجافُ السَّيِّد لونغهون خوفًا—كُلُّ ذلكَ يصبحُ مفهومًا إنْ أخذنا نفوذَ آلِ ليوبولد في الحسبان.
قالَ الأميرُ بنتلي إنَّهُ رأى آلان معي.
بل وظنَّنا حبيبين… لكن ربَّما كانَ قد شاهدَه يقتربُ مِنِّي خُطوةً خُطوةً وهو يتعقَّبني…
“…”
ارتجفتْ يدي.
إنْ كانَ آلان هو مُطارِدي فعلًا، فمِنَ الطبيعيِّ أنْ يُخفيَ وجهَه.
فمكانتُه تجعلُه حديثَ النَّاسِ بمجرَّدِ أنْ يظهرَ في الشَّارع.
أمَّا كونُ وسيلتِه باروكةً ذاتَ شعرٍ أحمرَ طويل، فلا أجدُ لهُ تفسيرًا.
“لحظة… أَلَيْسَتْ حبيبتُه ذاتَ شعرٍ أحمر…”
بلغَ بي الأمرُ أنْ أطبقتُ يدي على فمي.
كم تبلغُ احتماليّةُ أنْ تجتمعَ هَذهِ المُصادفاتُ كُلُّها؟
ولو… لو كانَ فعلًا مُطارِدي، فما الذي سيحدث؟
لَمْ أعدْ واثقةً حتّى مِن قدرتي على التَّفكيرِ بعقلانيّة.
لعلَّهُ مجرَّدُ أثرٍ جانبيٍّ للبقاءِ مستيقظةً قرابةَ يومٍ كامل… ليتَهُ كذلك.
“اهدئي، عليَّ أنْ أفعلَ ما أستطيعُ الآن…”
كانَ النَّومُ مستحيلًا.
قبضتُ على القلم، أضغطُ على قلبي الذي كانَ يكادُ يثقبُ صدري مِن شدَّةِ خفقانه.
أفلتُّه مرَّتَين بسببِ العرقِ في كفّي، لكنَّني تمسَّكتُ بهِ كأنَّهُ طوقُ نجاتي الوحيد.
وأنا أكتبُ بجنون، كنتُ خائفةً كأنَّني مُطارَدة، ومفتونةً في آنٍ واحد.
لَمْ أعدْ أدري أكانَ قلبي يخفقُ مِنَ الرُّعبِ أم مِن شعورٍ آخر.
انغمستُ في تركيزٍ كاملٍ حتّى بدا أنَّ رمشةَ عينٍ ترفٌ لا أملكه.
كانَ إحساسًا أختبرُه لأوَّلِ مرَّة.
رغمَ أنَّني كدتُ أنهارُ مِنَ الإرهاق، فإنَّ القصصَ التي طالما اشتقتُ إليها كانت تعصفُ في رأسي بلا توقُّف.
وفي قلبِ وهمٍ غريبٍ بدا كأنَّ فصولًا لا تُحصى تمرُّ خلفي، تشبَّثتُ بالقلمِ أكثرَ.
وطوالَ نشوةٍ مُبهرةٍ لَمْ أعرفْ مثلَها، ظلَّ عطرٌ قد يكونُ لهُ يلوحُ بخفوتٍ حولي.
وعندما أنهيتُ أخيرًا كتابةَ منتصفِ الرِّواية، طرقتِ السَّيدةُ كيرني الباب.
“ميل، الفطور—”
“السَّيدةُ كيرني.”
حرَّكتُ شفتيَّ اليابستين بصعوبة.
“أرسلي هَذا إلى الأكاديميّةِ مِن فضلكِ.”
وبعدَ تلكَ الكلمات، غرقتُ طوعًا في موجةِ نومٍ هائلة.
التعليقات لهذا الفصل " 37"