المترجمة: زوزيتا ✨️
حتى بعدَ عودتي إلى غرفتي، لم أستطع إخفاءَ ذلك الشعورِ الغريب.
كيف عرفَ آلان ليوبولد عنوانَ منزلي؟
من المؤكَّد أنَّ آلان في ذلك الوقت كان يعرفُ اسمي.
فلمجرَّد أنَّني رقصتُ معهُ، أصبحتُ حديثَ الأوساطِ الاجتماعيّةِ فترةً لا بأسَ بها.
بل قيل إنَّ الأكاديميّة، التي لا صِلةَ لي بها أصلًا، ضجَّت باسمِ ميليسا كولينز، لذلك يصعبُ التصديقُ بأنَّ اسمي لم يَبلُغ مسامعَ الشخصِ الذي رقصَ معي.
ومع ذلك، فإنَّ افتراضَ أنَّ آلان ليوبولد أخذَ يستفسرُ هنا وهناك عن موقعِ منزلِ آل كولينز بينما أنا في عربتِه لا يُبدِّدُ هذا الإحساسَ بعدمِ الارتياح.
سمعتُ أنَّ جسدي كان لا يزالُ باردًا حينَ وصلَ بي إلى المنزل، وهذا يعني أنَّ الوقتَ الذي قضيتُهُ في العربةِ لم يكن طويلًا.
لقد انهرتُ في طريقي إلى البيت، لذا مِنَ الطبيعيِّ أنْ نفسِّرَ الأمرَ على أنَّ العربةَ اتَّجهت فورًا نحوَ منزلِنا.
ومن الأساس، كان ذلك اليومُ يشهدُ عاصفةَ ثلجيّةً هائلةً حتى إنَّهُ كان مِنَ العسيرِ العثورُ على عابرِ سبيل.
فالبحثُ في شارعٍ خاوٍ عمَّن يعرفُ بيتَ آل كولينز أمرٌ لا يُعقَل.
إذًا، كيف وجدَ آلان منزلَنا دفعةً واحدة؟
أيعني ذلك أنَّهُ كان يعرفُهُ مُسبقًا؟
“…لا، ليس ثَمَّةَ سببٌ لذلك.”
تمتمتُ وأنا أهوِي جالسةً أمامَ مكتبي.
كان مجرَّدَ ظنٍّ سخيف، لكنَّ أطرافَ أصابعي أخذت تَخدِر لمجرَّد تخيُّلِه.
“التوقيتُ لا يُناسِب أنْ يكونَ الأميرُ بنتلي هو مَن أخبره….”
أليس الأقربُ إلى المنطقِ أنَّهُ ظلَّ يسألُني عن العنوان وأنا فاقدةُ الوعي، فأخذتُ أُفسِّرُ لهُ موقعَ منزلِنا في حالةٍ من الهذيان، كأنَّني أتحدَّثُ أثناءَ النوم؟
“…لذلك لا أتذكَّر.”
حينَ فكَّرتُ على هذا النحو، شعرتُ وكأنَّني اقتربتُ من الإجابةِ أكثرَ من أيِّ احتمالٍ آخر.
لعلَّ هذا هو الأقربُ إلى الصواب.
“هاه….”
إنَّ عادتي في الاستغراقِ بالتفكيرِ في كلِّ ما يتعلَّقُ بآلان ليوبولد، مهما كان تافهًا، لا تبدو قابلةً للإصلاح.
مع أنَّ الأيّامَ التي التقيتُهُ فيها غدت بعيدةً إلى هذا الحد.
إنَّ كلمةَ الحُبِّ من طرفٍ واحد تبدو غضَّةً وواهِنةً بلا حدود.
جميلةً كزهرةٍ بريّةٍ تحتضنُ ضوءَ الشمس، بل وتبدو ثمينةً أحيانًا.
لكن بسببِ ذلك الشعورِ الخفيف، ما زلتُ—حتى بعدَ بلوغي سنَّ الرشد—أتخبَّطُ بينَ الشتاءِ والربيع.
يا لِهذهِ المُفارقة.
تُرى، هل سيأتي يومٌ أتحرَّرُ فيهِ من هذا الحُبِّ المُضني؟
حتى لو أصبحتُ يومًا زوجةً لأحدهم، وأمًّا، وعشتُ أيّامًا هادئةً بلا أحداث، أشعرُ أنَّهُ سيظلُّ حيًّا في داخلي.
مستقيمًا، باردًا، موحشًا، وجميلًا.
تمامًا كما هو الآن، في الصورةِ التي أُحبُّها أكثرَ مِن سواها.
لكن مهما كان آلان ليوبولد مصدرَ حسِّي الأدبي، فإنَّهُ الآن مضرٌّ بي إلى حدٍّ قاسٍ.
فأنا في وقتٍ لا يتَّسعُ إلّا للتشبُّثِ بالكتابةِ وحدَها.
أطلقتُ زفرةً صغيرة، ثمَّ ربطتُ شعري الكثيفَ بإحكام.
“…لنكتب، يا ميليسا.”
فتحتُ الدفترَ العتيق وأنا أُردِّدُ ذلك كأنَّهُ عهد.
“سأذهبُ إلى لونوَا حتمًا.”
هناك، حيثُ لا يكونُ أنْ تُصبحَ المرأةُ كاتبةً أمرًا عبثيًّا ولا مُستهجَنًا، أُريدُ أنْ أكتملَ بالكتابة.
إنَّهُ شوقٌ نقيٌّ بنسبةِ مئةٍ في المئة.
“أستطيع.”
بصعوبةٍ أمسكتُ القلم، ولم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى بدأتُ أخطُّ جُمَلًا أُعجِبتُ بها.
ورغمَ أنَّ الإذنَ الذي انتزعتُهُ من أمّي كان أقربَ إلى الإكراه، فإنَّ عزيمتي تبدَّلت.
شعرتُ بحرِّيّةٍ كأنَّ اللِّجامَ قد أُفلِت.
حتى أعماقُ تروي، التي حيَّرتني طويلًا، هدأت حينَ توصَّلتُ إلى أنَّهُ لا بأسَ إنْ لم أكن—أنا الكاتبة—أعرفُ عنهُ كلَّ شيء.
قرَّرتُ أنْ أرسمَهُ شخصيّةً مُلتبِسةً حتى النهاية، تُفهَم ولا تُفهَم.
فلعلَّ عدمَ كشفِ كلِّ شيءٍ يجعلُهُ أكثرَ غموضًا وعذوبة.
القمرُ يُخفي جانبَهُ المُظلِم، ومع ذلك لا أحدَ لا يُحبُّ ضياءَهُ في سماءِ الليل.
وكذلك آلان، الذي كان مُلهِمَ تروي.
وما إنْ بلغتُ هذا الخاطر، حتى بدا كلُّ شيءٍ يسيرُ بسلاسةٍ للمرَّةِ الأولى منذ زمن.
انطلقَ سنُّ القلمِ فوقَ الورقِ الخشن بلا عائق.
وفي رأسي، كنتُ قد أصبحتُ كاتبةً بالفعل.
أعدو ببراءةٍ في عاصمةِ الدوقيّة عندَ الغروب، وعلى وجهي سعادةٌ غامرة.
في يدٍ كتابٌ يحملُ اسمي، وفي الأُخرى باقةُ زهرٍ سأُهديها لمن أُحب.
ستُوضَع تلك الباقةُ النضِرةُ على مائدةِ عشاءٍ هادئةٍ تجمعُ اثنين.
ومع أنَّني كنتُ غارقةً في التأمُّل والكتابة، ظللتُ—على عادتي—أستحضرُ آلان ليوبولد، إذ لم أكن أجهلُ أنَّهُ سيذهبُ إلى الدوقيّة قريبًا.
لم أستطع طردَ أفكاري عنه، فاكتفيتُ باحتضانِها.
ولو لم أفكِّر فيه، لكتبتُ أسرع، ولسطَّرتُ حكاياتٍ أكثر.
في كلِّ ما يتعلَّقُ به، أغدو كفراشةٍ تائهةٍ في الضباب.
إنَّهُ خللٌ يخصُّني وحدي.
“هاام….”
تمدَّدتُ ببطءٍ وأطلقتُ تثاؤبًا طويلًا، ثمَّ أغلقتُ الدفتر.
كان الفجرُ قد بدأ ينسابُ في الظلال.
—
في عصرٍ ماطر، هبَّت على يوميّاتِ آل كولينز—التي كانت تمضي هادئةً حدَّ الملل—عاصفةٌ مفاجئة.
“أنا….”
اقتربت جوليا بوجهٍ مُتوتِّر بينما كنَّا نتناولُ غداءً متأخِّرًا.
“أعتذرُ يا سيدتي….”
لم يكن مجيءُ جوليا إلى جوارِ المائدةِ وقتَ الطعام أمرًا مألوفًا، إذ اعتادت حملَ حصَّتها إلى غرفتِها وتناولَها وحدَها.
لكنَّ الكلماتِ التي لفظتْها حملت صدمةً تفوقُ ذلك كلَّه.
“أنا… مَن أخذَ المالَ مِنَ الخزانة.”
سادَ الصمتُ لحظةً بيني وبينَ السيدتَين.
“….”
كنتُ مندهشةً لأنَّ أمّي والسيدةَ كيرني لم تُعنِّفاها بعد، فهما تعلمان أنَّ جوليا هي الفاعلة.
“لِمَ أخذتِ المالَ يا جوليا؟”
أنزلت أمّي السكينَ التي كانت تقطِّعُ بها البطاطس، وقالت ذلك ببرودٍ يُشبهُ صوتَها حينَ عارضت دراستي في الخارج.
تألَّقَ النصلُ على المائدةِ بلمعةٍ قاسية.
“ذلك….”
كانت جوليا ترتجفُ بوجهٍ بائس، وكان التوتُّرُ على المائدةِ حيًّا إلى حدٍّ جعلني أقبضُ عبثًا على طرفِ تنورتي.
“…الفستانُ الذي أرسلهُ السيّد لونغهورن….”
فستاني؟
“حينَ جرَّبتُه… ذلك العالم….”
ذلك… العالم؟
“أصبحتُ أشتاقُ إليه….”
وانفجرت بالبكاء.
“أنا آسفة… كنتُ أعلمُ أنَّهُ ليس عالمًا يَحِقُّ لي، ومع ذلك خيَّبتُ ظنَّ مَن وثقوا بي….”
“….”
فهمتُ فورًا ما تعنيه.
إنَّ ألمَ التطلُّع إلى عالمٍ بعيدٍ عن المنال شعورٌ أعرفُهُ أنا أيضًا، في كلِّ لحظة.
ظلَّت أمّي جامدةً ممسكةً بأدواتِ الطعام، بينما نهضتِ السيدةُ كيرني على عَجَل وربَّتت على كتفَي جوليا المستديرتَين، ومع ذلك لم يتكلَّم أحد.
بعدَ بكاءٍ طويل، تابعت جوليا حديثَها أخيرًا.
راحت تروي كيف رأت، في يومٍ خرجت فيه لشراءِ السمك، نساءً من الطبقةِ الراقيةِ متأنِّقاتٍ يجتمعن في السوق.
حتى في الثامنةَ عشرة، ليست ساذجةً إلى حدِّ الجهلِ بمكانتها.
كانت شؤونُ النبيلاتِ تبدو لها كعالمٍ آخر سحيق، لذا كانت ستمرُّ بهِ عادةً دون اكتراث.
لكنَّ فستانَ الشتاءِ الأحمر—الذي أرسلهُ السيّد لونغهورن اعتذارًا—كان بالغَ الرِّقَّة والنعومة، حتى إنَّني، وأنا المعتادةُ على مجالسِ المجتمع، دهشتُ من جودتِه.
فكيف بدا في عينَي جوليا إذًا؟
لعلَّ افتتانَها سرًّا بحياةِ النبيلاتِ الثريّات كان أمرًا لا مفرَّ منه.
“ثمَّ… وجدتُ نفسي أدخلُ ذلك المكان….”
“أيُّ مكان؟”
سألت أمّي بصوتٍ خالٍ من النبرة، لكنَّهُ مشدود.
“متجرُ عطور….”
“عطور؟”
رددتُ أنا والسيدةُ كيرني معًا.
فالعطورُ تُعَدُّ مِن أغلَى المقتنيات.
الجواهرُ تبقى إلى الأبد، أمَّا ذلك السائلُ العَطِرُ في قارورةٍ برّاقة فلا يلبثُ أنْ يتلاشى كزفرة.
“رأيتُ النبيلاتِ… وهنَّ يفتتنَّ بقواريرَ صغيرة….”
ترفٌ يكادُ يكونُ وَهمًا.
“أردتُهُ بشدّة… حتى إنَّني لم أشتهِ الطعام، ولم يَزُرني النوم….”
“يا إلهي….”
تنهدتِ السيدةُ كيرني، فانحنت جوليا برأسِها أخيرًا، وانسدلَ شعرُها القمحيُّ بحزن.
“لذلك… أخذتُ المالَ وعدتُ إلى هناك….”
“هاه.”
أطلقت أمّي زفرةً قصيرة، وبدأت دموعٌ شفّافةٌ تتساقطُ عندَ قدمَي جوليا، التي أخرجت قارورةً صغيرةً كانت تُخفيها خلفَ ظهرِها.
“أعتذرُ حقًّا، سيدتي كولينز… هذا ما اشتريتُهُ يومَها.”
“يا للسَّماء! بكلِّ ذلك المال من أجلِ هذهِ القارورةِ الضئيلة؟!”
كان دهشُ السيدةِ كيرني مفهومًا.
فالقارورةُ الزجاجيّةُ الشفّافة، المنقوشةُ بزهورٍ وأوراقٍ وثمارٍ دقيقة، بدت جميلةً كقطعةِ جليدٍ منحوتة، لكنها صغيرةٌ بما يكفي لتستقرَّ في كفِّ جوليا.
بدت أمّي هادئةً على نحوٍ لافت.
“ما هذا؟”
لعلَّها كانت تكبتُ غضبَها، فضغطُ دمِها ليس جيّدًا.
“إنَّهُ… العطرُ الذي يستعملُهُ السيرُ آلان، سيدتي.”
“ماذا؟”
هذه المرَّةُ كنتُ أنا مَن سألَ بشرود.
“السيرُ آلان ليوبولد… إنَّهُ حبيبُ الجميع، أليس كذلك؟”
“….”
“لذلك افتتنت بهِ كلُّ تلك النساء….”
اضطررتُ إلى كبحِ رغبتي في فتحِ السدَّادةِ واستنشاقِ العطرِ فورًا.
ففي أحلامي، لم يكن لآلان رائحةٌ بعد.
وقد خجلتُ من هذا التوق فجأةً بسببِ أمّي.
لم تُعنِّف جوليا، ولم تُليِّن صوتَها أيضًا، لكنها قالت إنَّهُ إنْ احتاجت شيئًا فعليها أنْ تُخبرهم.
وأضافت أنَّ دخلَ آل كولينز ليس ضئيلًا كما تظن، رغمَ ادِّخارهم القاسي.
ولم تنسَ أنْ تُنبِّهها إلى أنَّ العطرَ ترفٌ واهٍ.
وقالت إنَّ العطرَ الوحيدَ الذي امتلكتْهُ في حياتِها كان هديّةَ زواجٍ قبلَ أنْ يتدهورَ حالُ الأسرة.
طوالَ الحديث، ظلَّت جوليا تُومِئ دامعة، كأنَّها تعرفُ معنى كلماتِ أمّي مسبقًا.
لعلَّهُ كان اندفاعًا عابرًا.
فالقارورةُ لم ينقص منها شيء.
“لا أظنُّ أنَّهُ يُمكِنُ إرجاعُه… ماذا نفعلُ يا سيدتي؟”
سألتِ السيدةُ كيرني وهي تحكُّ صدغَها بحرج، إذ لم يكن أحدٌ مِنَّا يملكُ هوايةَ استعمالِ عطورٍ بهذا الثمن.
“ضَعوهُ على رفِّ غرفةِ الجلوس.”
قالت أمّي إنَّ وضعَهُ في مكانٍ ظاهرٍ سيكونُ مناسبًا.
فهو، رغمَ صِغَرِه، جميلٌ بما يكفي ليكونَ زينة.
وبالطبع أدركتُ فورًا أنَّها تُريدُ أنْ تجعلَ من هذهِ الحادثةِ عبرةً لجوليا.
وهكذا بدتِ العاصفةُ التي هبَّت في عصرٍ ماطرٍ كأنَّها تخبو.
لكنَّني لم أستطع التحمُّل، ففتحتُ سدَّادةَ القارورة…
بِعدَ ثلاثةِ أيّامٍ بالضبط.
التعليقات لهذا الفصل " 36"