المترجمة: زوزيتا ✨️
كانت هُويّةُ الجارِ الذي اشترى فجأةً القصرَ العتيقَ المُقابِلَ لِمَنزِلِنا، والذي ظلَّ خاليًا زمنًا طويلًا، أنّه مُطارِد.
لا بُدَّ أنَّه مجنون.
كيف يمكن لِأمرٍ كهذا أنْ يكون واقعًا؟
الرجلُ الغريبُ الذي جاءَ بهيئةٍ لا تمتُّ إلى الواقع بِصِلةٍ، كان—كما سَمِعتُ—طويلَ القامة، بمظهرِ شابٍّ نبيل.
لم يكن يُرفرفُ شعرٌ أحمرُ طويل، لكن… لعلَّه كان شعرًا مُستعارًا على أيِّ حال.
كان وجهُهُ مَحجوبًا تمامًا، وحتى يداهُ مُغطَّاتانِ بقُفّازاتٍ سوداءَ قاتمة، ومع ذلك لم يكن مِنَ العسيرِ أنْ أستنتجَ أنَّه شابٌّ إلى حدٍّ بعيد، والفضلُ في ذلك يعودُ إلى قامتِهِ المُنتصِبة.
حتى داخلَ معطفٍ طويلٍ يَبلُغُ كاحلَيه، لم تَنحنِ كتفاهُ العريضتانِ ولا خَصرُهُ المستقيمُ قيدَ أُنملة.
ولا تزالُ تلك الهيبةُ ماثلةً في ذاكرتي بوضوح.
لقد بلغَ المُطارِدُ حدَّ أنْ يكشفَ عن نفسِهِ مباشرةً، بل وأفصحَ طَوعًا عن موضعِه.
ذاكَ الذي كان يُشبهُ الدُّخان، أو الطيف، اتَّخذ أخيرًا هيئةً ملموسة.
إذًا، ما الذي يُمكِنُني فِعلُهُ الآن؟
أأُبلِّغُ الشرطةَ بمالكِ المنزلِ المُقابِل؟
لكن ليس لديَّ ما يُعَدُّ دليلًا سوى بضعِ قصاصاتٍ، أو شهادةِ جزّار.
وحينَ تَشكو ابنةُ بيتٍ عاديٍّ لا يُثيرُ الاهتمامَ من التتبُّع، أتُرى كم سيُصغي إليها رجالُ شرطةِ فلورين الفاسدون بجدِّيّة؟
إذا فكَّرتُ في سلوكِهم، فغالبًا سأكونُ محظوظةً إنْ لم يُلوِّحوا بأيديهم طاردين إيّاي.
ولا سيّما أنَّني ميليسا كولينز، التي لا يبدو أنَّ في يدِها مالًا تُقدِّمُه.
بل، هل أستطيعُ أصلًا التغلُّبَ على هذا المُطارِدِ شديدِ الحِرص؟
مجنونٌ يشتري قصرًا لِيُراقِبني عن قُرب لأنَّني تجاهلتُ مطالِبَهُ ولُذتُ بالمنزل؟
…آلان يكونَ الوصولُ إلى أيِّ نقطةِ اتِّفاقٍ معهُ أمرًا مستحيلًا؟
فهو ليس عقلانيًّا فحسب، بل غريبٌ ومُلتوٍ إلى أبعدِ حدّ، ولا يُمكِنُ أنْ تُجرى معهُ مُحادثةٌ سليمة.
ومن الأساس، ليس شخصًا يُحاوِلُ الحوارَ من مَقامٍ مُتكافئ.
إنَّه غيرُ طبيعيّ.
والحقيقةُ التي أدركتُها بعدَ مُواجَهتِهِ أنَّ توقُّعَ فيولا بأنَّ المُطارِدَ زعيمُ الشحّاذين كان بعيدًا عن الصواب.
إنَّه ثريٌّ، بل وأكثر من ذلك…
“تَبدو احتماليّةُ امتلاكِهِ لِسُلطةٍ كبيرةٍ مرتفعة….”
أدركتُ ذلك فورَ أنْ وقعتْ عيناي عليه.
ذلك الرجلُ عديمُ الألوان، المُتَّشحُ بالسوادِ كلِّهِ، والمُقنَّعُ بقناعٍ أبيض، كان يُخفي ذاتَهُ تمامًا، لكنَّه لم يستطع إخفاءَ ما يَبعثُهُ مِنْ رهبة.
لم تكن تلك هالةً يُمكِنُ امتلاكُها بسهولة.
أنْ يظهرَ مُجددًا بعدَ أنْ بدا وكأنَّه فقدَ اهتمامَهُ بي تمامًا… أمرٌ يُقشعِرُّ لهُ البدنُ كلَّما فكَّرتُ فيه.
فما بالكَ بأنَّه كشفَ عن مقرِّهِ، وكأنَّه يدعوني لِزيارتِه؟
لا أظنُّهُ يَبقى هناك دائمًا—فالسيدةُ كيرني قالت إنَّ المنزلَ لا يبدو مأهولًا—لكن إفصاحَهُ عن رغبتِهِ في إدخالي إلى نطاقِهِ… كان رُعبًا باردًا بِحدِّ ذاته.
ومع ذلك، ثَمَّةَ أمرٌ واحدٌ يُحيِّرني.
حينَ جاء، لم يكن هناك أحدٌ سواي وسواه، ومع ذلك لم أشعر قطّ بأنَّه يُريدُ إيذائي.
أيًّا كانت خطَّتُه، فقد كان الظرفُ مُثاليًّا لتنفيذِها…
ومع أنَّني لا أعرفُ مقصِدَه، فمن الواضح أنَّه يريدُني أنا، أو شيئًا أملِكُه… لكن لماذا اختفى بهدوءٍ فورَ أنْ سلَّمَني الرسالة؟
لا أستطيعُ تقديرَ أفكارِ المُطارِد ولا نواياه، ولا حتى ذرَّةً ضئيلةً منها.
حينَ أفكِّرُ الآن، أُدركُ كم كانت الأيّامُ القليلةُ الماضية—حينَ كنتُ أُعاني لِأتعاطفَ مع مشاعرِ تروي—أيّامًا دافئة.
لعلَّه يستمتعُ بترويعِ الضُّعفاء… نوعٌ مِنَ المُنحرِفين، ربَّما…
“مُقزِّز….”
…أيًّا يكن، فليس أمامي في هذا الوضعِ الغريبِ المُرعِب سوى خيارٍ واحد: مُغادَرةُ مملكةِ سورني.
كونُهُ ثريًّا وصاحبَ نفوذٍ يعني أنَّ لديه الكثيرَ لِيُديره، وذلك مسؤوليةٌ بحدِّ ذاتِها.
لن يكونَ حرًّا بلا قيودٍ عمَّا يتعيَّنُ عليه رعايتُه.
وبالتأكيد لن يتركَ كلَّ شيءٍ خلفَهُ ويلاحقُني إلى دولةٍ أُخرى.
وهكذا عُدتُ مُكرهةً إلى الاستنتاجِ البديهي.
“يجبُ أنْ أكتبَ رواية.”
سأُنجزُ الجزءَ الأوَّلَ والوسطَ قبلَ مارس وأُرسِلُهما إلى الأكاديميّة.
سأكتبُ عملًا يُمثِّلُ خلاصةَ روحي لِيُختارَ حتمًا.
سأكتبُ بِشراسةٍ ورغبةٍ عارِمتَين، حتى لو توقَّفَ نفسي وأنا أكتب.
ليس لديَّ خيارٌ سواه.
—
في إحدى الأمسيات، وبعدَ أنْ أنهت أمّي صلاةَ ما قبلَ الطعام، خاطبتُها فجأةً.
“أمّي.”
وبالطبع، لم أكن أنوي إخبارَها بأنَّني واجهتُ المُطارِد.
فهدفُهُ ينبغي أنْ يكونَ ميليسا كولينز وحدَها، لا عائلتي.
لا أريدُ أنْ أُضيفَ ثِقلَ القلقِ إلى ميزانِ أمٍّ مثقلةٍ بالهموم.
ما إنْ أغادرَ إلى الدوقيّةِ سالمَةً، حتى يتلاشى ظلُّ المُطارِدِ المُخيِّمُ فوقَ منزلِنا تلقائيًّا.
“لديَّ ما أودُّ قولَه.”
التفتت إليَّ أمّي، التي باتت تنامُ حتى المساءِ أكثرَ من ذي قبل، بعينينِ مُتورِّمتَين قليلًا.
“ما الأمر؟”
بدت مُتفاجِئةً بعضَ الشيء.
وليس غريبًا، فقد كنتُ في الآونةِ الأخيرةِ مُنغلِقةً في غرفتي، ونادرًا ما أفتحُ فمي حتى على مائدةِ الطعام، كأنَّني نسيتُ الكلام.
“سبقَ أنْ أخبرتُكِ… ما زلتُ أكتب. في الحقيقة، أنا أكتبُ بجدِّيّةٍ تفوقُ ما تظنِّين.”
“….”
تبادلت أمّي والسيدةُ كيرني نظرةً صامتة.
“…الأكاديميّةُ تتلقّى مخطوطاتِ الروايات ضمنَ مشروعٍ ترعاهُ العائلةُ المالكةُ لدعمِ الصناعاتِ الثقافيّة، وإذا اختيرَت الروايةُ يُرسِلون صاحبَها للدراسةِ في الدوقيّة.”
“أنتِ الآن….”
“أمّي، إنْ وقعَ الاختيارُ على روايتي، فاسمحي لي بالذهابِ إلى لونوَا.”
كانت أمّي، التي بدأتْ تُقطِّبُ حاجبَيها تدريجيًّا رغمَ علمِها بأنَّني أكتبُ عبرَ السيدةِ كيرني التي تدخلُ غرفتي كثيرًا…
“جميعُ التكاليفِ تتكفَّلُ بها العائلةُ المالكة. لن يكونَ على الأسرةِ أيُّ—”
“ميليسا، كفى.”
وقطعتْ كلامي في النهاية.
“أمّي، أنا…!”
“الكتابةُ كهواية؟ حسنًا، تغاضيتُ عنها. لكن.”
بدت غاضبةً على نحوٍ غريب.
“الدراسةُ في الخارج؟”
“….”
يبدو أنَّ عشاءَ الليلةِ سيكونُ باردًا قليلًا.
فعندما تُخاطِبُني أمّي بهذا الصوت، فهذا يعني أنَّ الحديثَ سيطول.
لكنَّني لم أستطع فهمَها.
ما دام الأمرُ لا يُكلِّفُ الأسرةَ شيئًا، فلماذا؟
أأحلامي ترفٌ لا أستحقُّه؟
أإلى هذا الحدِّ يجبُ أنْ أُواجَهَ بهذا الوجهِ المُخيف؟
“أكنتِ تتعلَّقين بمثلِ هذا الوهمِ السخيف؟ طوالَ هذه الفترة؟”
“أمّي، هذا حُلمي. فكَّرتُ فيهِ مرارًا لا تُحصى، وليس أمامي طريقٌ آخر. لا أقولُ إنَّ الزواجَ غيرُ مهمّ… لكنَّهُ بالنسبةِ لي أقلُّ إلحاحًا بكثير.”
“هاه….”
“أنا لا أطلبُ دعمًا! أُريدُ فقط أنْ أبذلَ قصارى جهدي من أجلِ حُلمي….”
“مجرَّدُ حلم، تقولين؟”
غطَّت أمّي عينيها بعصبيّة.
“أشعرُ بالأسف لأنَّني لم أستطع إرسالَكِ إلى الأكاديميّة. لكن ماذا عساي أفعلُ والواقعُ هكذا؟”
“….”
“ثمَّ، ما مقدارُ تميُّزِ موهبتِكِ الضئيلة، برأيكِ، أمامَ طلّابِ الأكاديميّة أو أولئكَ الذين عاشوا عمرَهم كُتّابًا مجهولين؟”
“…ألا أستحقُّ حتى أنْ أُجرِّب، أمّي؟”
خرجَ صوتي حادًّا رغمًا عنّي.
إنَّها تُحاوِلُ فقط أنْ تسحقَني، لأنَّها تُريدُ لابنتِها الوحيدة أنْ تعيشَ وفقَ مشيئتِها.
“المُحاولة؟ حسنٌ.”
ابتسمت أمّي ابتسامةً باردة.
“لكن أخبريني، إنْ فشلتِ في هذا الأمرِ الذي لا أملَ فيهِ أصلًا، هل ستستطيعين التخلّي عنهُ تمامًا؟”
“ذلك…!”
“ستُضيِّعين أثمنَ سنواتِ حياتِكِ في مُلاحقةِ أحلامٍ فارغة، ثمَّ تطلبين مِنّي الإذن؟”
امتلأت عيناي بالدُّموعِ عندَ سماعِها.
اختنقَ صوتي فلم أستطعِ الكلام.
بدأت أمّي تتناولُ طعامَها بوجهٍ جافّ، ولم أملك سوى ابتلاعِ بكائي وأنا أستمعُ إلى اصطدامِ الفضّةِ بالأطباق.
“سيدتي كولينز.”
حينها فتحتِ السيدةُ كيرني فمَها.
“ميليسا لا تجهلُ رغبةَ السيّدة. لكنَّها جادّةٌ إلى هذا الحد، فدعِيها على الأقل تُرسِل الروايةَ التي تعملُ عليها الآن.”
“….”
“أنتِ تعرفين أنَّ ميليسا فتاةٌ ناضجةٌ على غيرِ سِنِّها.”
توقَّفت يدُ أمّي، التي كانت تُمزِّقُ الخبز، فجأةً.
وتابعت السيدةُ كيرني:
“إنْ لم تُختَر الرواية، فلتتعهَّد ألّا تكتبَ حتى كهوايةٍ إلى أنْ تتزوَّج. أليس كذلك، ميليسا؟”
أعلمُ أنَّ احتمالَ اختيارِ روايتي ضئيلٌ للغاية.
وأعلمُ أيضًا أنَّ اقتراحَ السيدةِ كيرني هو أفضلُ ما يُمكِنُني نَيلُهُ الآن.
“…نعم، سأفعل.”
“سمعتِها، سيدتي؟ قالت إنَّها ستفعل! أليست ابنتُكِ الوحيدةُ التي عادت من حافّةِ الموت؟ آلان تسمحي لها بهذا القدر؟”
“….”
“لا داعيَ للقلقِ الزائد، فهناك شابٌّ يُلاحقُها بإعجابٍ أيضًا، أليس كذلك؟”
أضافت ذلك وهي تغمسُ قطعَ الخبزِ في حسائي.
مسحتُ دموعي المتدفِّقة ونظرتُ إلى أمّي.
بدا الزمنُ وكأنَّه يتمدَّد بينما رفعتِ الكأسَ لتشرب.
وأخيرًا، حينَ وضعتْهُ على الطاولة—
“حسنًا، فهمت.”
“آه….”
“…أسمحُ لأنَّني أعلمُ أنَّه لن يحدث.”
كان واضحًا أنَّ الإذنَ خرجَ منها على مضض.
“أظننتِ أنَّني سأوافقُ لمجرَّد أنَّه لا تكلفةَ فيه؟ لا تَخطئي الظنَّ يا ميليسا.”
“….”
“مغادرةُ المنزلِ والعيشُ وحدَكِ في بلدٍ غريبٍ أسهلُ قولًا مِن فعل. بلوغُ الرُّشدِ لا يجعلكِ بالضرورةِ راشدةً فجأة. جسدُكِ ضعيف، وعنادتُكِ وحدَها قويّة….”
“أمّي….”
“…كثيرًا ما أتساءلُ إنْ كنتِ حقًّا ابنتي التي حملتُ بها.”
وأضافت، بصوتٍ مُثقَلٍ بوَحدةٍ غامضة، أنَّ ملامحي تُشبهُ أبي تمامًا.
ورغمَ أنَّني انتزعتُ الإذنَ أخيرًا، لم أستطع تناولَ الطعامِ بسببِ الدموعِ التي ظلَّت تتدفَّق.
بعدَ عشاءٍ مُرهِق، نهضتُ مُلقيةً تحيّةً جافّة.
بدت السيدةُ كيرني منزعجةً من الجوِّ المُحرِج، فحاولت على عَجَلٍ تغييرَ الموضوع.
“على ذِكرِ ذلك، حينَ أتذكَّرُ كيف عادت ميليسا من الموت… يا لهُ مِنْ مُعجزة، أليس كذلك يا سيدتي كولينز؟”
“….”
“لقد ارتعبتُ حينَ أُحضِرَت فاقدةَ الوعيِ على عربة!”
…ولِمَ الحديثُ عنّي تحديدًا؟
شعرتُ بحرجٍ شديد، فكدتُ أُساعِدُ في ترتيبِ المائدة، ثمَّ استدرتُ سريعًا.
“ومع ذلك، كان مِنَ المُعجِز أيضًا أنَّ السيرَ آلان صادفَ مرورَهُ قريبًا فاكتشفها قبلَ فواتِ الأوان….”
حتى وأنا أتَّجهُ نحوَ الدَّرَج، ظلَّ صوتُ السيدةِ كيرني واضحًا في أُذني.
ربَّما لأنَّ صوتَها مرتفع، أو ربَّما بسببِ اسمِ آلان…
“وبالمناسبة، ميليسا مذهلةٌ حقًّا. تخيَّلي، أخبرتْهُ بعنوانِ منزلِها قبلَ أنْ تُغمى عليها! يا لَها مِنْ فتاةٍ ذكيّة، هوهو!”
توقَّفتُ فجأةً وأنا أصعدُ الدَّرَجَ الخشبيَّ العتيق.
لم أُخبِر أحدًا بعنوانِ منزلِنا.
رأيتُ شخصًا يقترب، ثمَّ فقدتُ وعيي فورًا، لذا لا ذِكرى لديَّ حتى عن إنقاذِ آلان لي.
كيف يُمكِنُ أنْ أكونَ قد تحدَّثتُ إليه وأنا مُغمًى عليَّ؟
“….”
…كيف، بحقِّ السماء، عرفَ عنوانَ منزلِنا؟
المترجمة: زوزيتا 💞
التعليقات لهذا الفصل " 35"