المترجمة: زوزيتا ✨️
كان عصرَ أحدِ أيّامِ الأحدِ المُشرِقة.
“ميليسا!”
طرقتِ السيّدةُ كيرني البابَ طرقًا خفيفًا مُبهجًا.
فارتفعَ جذعي الذي كان منطرحًا على الأرض حتّى كدتُ أُلامسها بأنفي، وكأنَّهُ انعكس تلقائيًّا.
أتراني غِصتُ أكثر ممّا ينبغي في رائحة الحبر؟
داهمني دوارٌ فجأةً.
“تفضّلي، الرسالةُ التي كنتِ تنتظرينها.”
ناولَتني بلفتةٍ مازحةٍ ظرفًا خُتِم بوضوحٍ بخاتمِ عائلة ليوبولد.
تجمّدتُ في مكاني وأنا أتلقّاه.
“كانت السيّدةُ كولينز على وشكِ فتحه، لكنّي خطفتُه سريعًا.”
ابتسمت السيّدةُ ابتسامةً مرحة، وأشارت بيدها كأنَّها تحثّني على قلب الظرف.
「توبياس ميلر」
“آه!”
أخيرًا!
لم أستطع كبح الابتسامة التي تسلّلت منّي.
كان غريبًا أنْ أرى اسمَه إلى جانب ختم ليوبولد، لكن لا بدَّ أنَّني سأعتاد ذلك قريبًا.
مزّقتُ الظرف على عجلٍ رغم علمي بوجود السيّدة بجانبي.
ثم خرجت السيّدةُ كيرني بهدوء، وقد راحت تُحدّق بي كأنَّها ترى فيَّ شيئًا غير مألوف.
“…….”
كان قد مضى أكثرُ من شهرٍ على التاريخ المدوَّن في الرسالة، ومن انطباعاته عن الدوقيّة التي بدت كأنَّها وصلت للتوّ، فهمتُ أنَّها رسالتُه الأولى.
ولحسن الحظّ لم تضِع كما خشيتُ، بل انتهت في يدي، غير أنَّ محتواها كان أبسط ممّا توقّعت.
تحدّث مثلًا عن مناخ لونوَا المعتدل، وكيف إنَّهُ، رغم منتصف الشتاء، يبدو عليلًا كأنَّهُ خريف.
وتذمّر من أنَّهُ ما يزال مُكلَّفًا بالأعمال الجانبيّة—ترتيب المكتب والأثاث ونحو ذلك—قبل انطلاق المشروع الجديد.
كما أضاف وصفًا موجزًا لزملائه الذين اختيروا معه.
ومع ذلك، بدا لي أنَّ الحروف المضغوطة التي كتبها بحرصٍ مشبعةٌ بتوقّعٍ متحمّس للعمل الذي سيبدأ قريبًا، فابتسمتُ من تلقاء نفسي.
اختُتِمت الرسالةُ بقوله إنَّهُ يعدّ الأيّام انتظارًا لقدومي، مع تحيّاتٍ ينقلها عن كولينز وسائر المعارف.
“…….”
أحسستُ بوخزٍ خفيفٍ في زاويةٍ من صدري، فأخذتُ أرمش شاردةً.
فجأةً فقط أدركتُ حقًّا أنَّهُ غادر سورن.
“كنتُ أعرف ذلك أصلًا، فلماذا يبدو جديدًا هكذا؟”
تمتمتُ بلا جدوى، إذ لم يتغيّر شيء.
كانت موجةُ الوحدة التي اندفعت نحوي كأنَّها ستبتلعني تُربكني على نحوٍ عجيب.
أتراني أشعر بذلك أكثر منذ رحيل فيولا عن فلورين؟
إذا فكّرتُ في الأمر، فقد لَمْ يَعُد لديَّ مَن يرافقني في موسمِ الحفلات القادم— بل ولا حتّى مَن أذهب معه إلى المقهى.
باختصار، صرتُ وحيدةً تمامًا.
غير أنَّ هذه الوحدة ليست سوى سطحٍ عابر.
الأهمّ أنَّ توبياس وفيولا قد خطَوَا خطوةً كبيرةً نحو وجهتي حياتهما.
إذًا، ما يُثقِلني حقًّا هو هذا الواقع الذي أبقى فيه وحدي، عاجزةً عن التقدّم خطوةً واحدة.
وكان من الواضح جدًّا أنَّ السبيل الوحيد لإرواء هذا العطش هو أنْ أنالَ فرصةَ الدراسة في لونوَا عبر روايتي.
كم سيكون رائعًا أنْ أكتب هناك، في بلادِ كبارِ الأدباء!
أُريد أنْ أُتمَّ عملي في ذلك المكان.
متى شعرتُ بمثلِ هذا التوقِ العارم في حياتي؟
ومن البديهيّ أنَّ هذا الشغف لا ينبع من انتظار توبياس لي.
يسرّني أنَّهُ ذهب إلى الدوقيّة، لكن حتّى لو لم يُختَر، لكنتُ قد مضيتُ وراء حلمي وسافرتُ بلا تردّد.
أنْ ينتظرني أم يبحث عن غيري—ذلك خياره وحده.
أمسكتُ القلم من جديد.
“الحبّ…”
قال تروي:
“لَهُ أشكالٌ عديدة، بلا شكّ.
لكن أنا وأنتِ…….”
غير أنَّ المشكلة أنَّني سرعان ما وضعتُ القلم مرّةً أخرى.
“أيمكن أنْ يُسمّى هذا حبًّا……؟”
كان تروي يعلم بمشاعر البطلة التي أُعجِبت به طويلًا.
وبمرور الوقت بدأ هو أيضًا يُراقبها باهتمام، بل وأنقذ حياتها حين سقطت في حقلٍ من الثلج.
لكن، هل مشاعرُ تروي حبٌّ حقًّا؟
حتى أنا، الكاتبة، وجدتُ صعوبةً في الجزم بذلك.
فهو شخصيّةٌ يصعب التماهي معها.
دفعتُ القلم دفعًا حتّى بلغتُ هذا الموضع، ثم أجد نفسي أمام طريقٍ مسدودٍ مرّةً أخرى.
طبيعيّ أنْ تعترض الكاتب عقباتٌ لا تنتهي.
وفي مثلِ هذه اللحظات أشعر كأنَّني محبوسةٌ في زنزانةٍ بلا مفتاح.
لو كان هناك مَن يشبهه في الواقع، لعلّني أظفر بتلميحٍ ما……
“مَن يشبهه….”
بالفعل، ليس تروي بلا شبيه.
هناك شخصٌ وحيدٌ كذلك—وإنْ بدا لي هو أيضًا غير واقعيّ.
تلك المشاعر التي عجزتُ عن تسميتها جعلتني في النهاية أُغلق الدفتر.
“بهذا المعدّل سيحلّ مارس سريعًا…….”
كان عجزي عن مجاراة حماسي بالقلم يخنقني.
فلا راحةَ حقيقيّة عندما لا تُكتَب الكلمات.
وغالبًا ما تتصاعد في مثل هذه الأوقات مخاوفي ممّا بعد تحقيق حلمي بأنْ أكون كاتبة.
هل أستطيع حقًّا أنْ أعيش أكتب طوال حياتي؟
إنَّها مجرّد هواجس عن حلمٍ لم يتحقّق بعد.
ربّما كان الكاتب مهنةً وحيدةً وحزينة، إذ يستحيل أنْ يخلق المرء عملًا يرضيه تمامًا طوال العمر.
شيءٌ نُحبّه إلى حدّ تكريس الحياة له، ومع ذلك لا نمتلكه كاملًا.
أفنظلّ نطارد سرابًا كهذا؟
“في النهاية… إنَّهُ الحبّ.”
ومع ذلك لا حيلة لي.
فالعزاءُ والحبّ اللذان أنالهما من الحروف أعظم عندي بكثيرٍ ممّا يمنحني إيّاه البشر.
تنهدتُ ببطء، وألصقتُ خدّي الأيمن بغلاف الجلد العتيق، فالتصق بي بردُه.
كان رأسي يعجّ بالأفكار.
كان ذلك مؤلمًا.
لكن بعد أيّامٍ قليلة فقط أدركتُ كم كان تذمّري من عذابات التفكير في الحبّ ترفًا فاقعًا.
—
طريقٌ مسدودٌ مرّةً أخرى.
نزلتُ إلى الطابق الأوّل وأخذتُ أعزف البيانو شاردةً.
كتبتُ القصّة تاركةً حوارات تروي فارغةً لأنَّ مشاعره لم تنحلّ بعد، ومع ذلك ظلّ شيءٌ يخنقني.
توقّفت مهارتي في العزف عند مستوى ما تعلّمتُه من المعلّمة الخصوصيّة في طفولتي.
وبالطبع لَمْ يكن مستوىً يُذكَر، كما أنَّ عدد المقطوعات التي أعرفها قليل.
ومع ذلك أحبّ الصدق الفريد الذي تُنتجه المفاتيح حين أضغطها.
أحيانًا، حين أنشغل بأمرٍ لا علاقة له بالكتابة، يلمع خاطرٌ ما فجأةً.
وبتمنّي مثل هذه المصادفات الصغيرة، ظللتُ أضغط المفاتيح القديمة قرابة ساعة.
عندها، طرق أحدُهم الباب.
فأغلقتُ غطاء المفاتيح مذعورةً.
كان المساءُ المبكّر قد حلّ، لكن أمّي، التي صارت تنام أكثر هذه الأيّام، لم تستيقظ بعد من قيلولتها.
السيّدةُ كيرني في السوق، وجوليا… لا أعلم أين ذهبت، لكنّها خرجت.
حسنًا، فمَن في عمرها مفعمٌ بالطاقة.
أي إنَّ استقبال هذا الزائر المجهول يقع على عاتقي……
وفي تلك اللحظة، دوّى الطرق مرّةً أخرى—دقّتان حادّتان واضحُ فيهما الاستعجال.
“ق، قادمة……!”
تحرّكتُ على مضض، ومع ذلك لم أستطع محو شعورٍ بأنَّ هناك ما ليس طبيعيًّا.
فالشخصُ في الخارج لم ينبس بكلمة.
عادةً ما يطرق الزوّار الباب وهم يُنادون أحدًا في الداخل أو يُعرّفون بأنفسهم—كما يفعل السيّد غريغ حين يُحضِر اللحم.
“مَن……؟”
فككتُ المزلاج النحاسيّ القديم بحذر.
فاندفعَ هواءُ الشتاء القارس، وامتلأ بصري بالزائر الغامض.
كان رجلًا طويلًا يرتدي معطفًا أسود.
لكنّني لم أستطع أنْ أسأله السؤال البديهيّ: مَن أنت؟ وما شأنُك؟
“…….”
قبّعةٌ سوداءُ عالية، وقناعٌ أبيض يُخفي وجهه كلَّه—ما هذا……؟
بدا أشبه بساحرٍ أو مشاركٍ في حفلةٍ تنكّريّة.
مظهرٌ غير مألوفٍ ومريب، غريبٌ إلى حدّ أنَّهُ جعلني أشكّ في واقعيّة ما أراه.
ومع ذلك لم أقدر على صرف بصري عنه.
أأحلم الآن؟
وبينما كنتُ متجمّدةً، أدخل يده في معطفه كأنَّهُ يبحث عن شيء.
وعندما أخرجها، انبعث من صدره عطرٌ خفيف.
عطرٌ عميقٌ واضح، حتّى وسط الريح العاتية.
ما إنْ استنشقتُ ذلك الشذى الحلو حتّى غِبتُ لحظةً.
لم يكن مألوفًا، ومع ذلك بدا غريبَ الألفة.
…أهو مجرّد وهم؟
في تلك اللحظة مدَّ أصابعَ طويلةً ملفوفةً بقفّازٍ جلديٍّ أسود، وقدّم ظرفًا أبيض.
تلقّيتُه على حين غرّة، ونظرتُ إلى عينيه بحيرة.
وكان هو أيضًا يُحدّق بي بصمت.
ظلَّلت قبّعته الأنيقة القناعَ بظلٍّ كثيف، فلم أستطع رؤية عينيه جيّدًا.
لكن……
“…….”
للحظةٍ خاطفةٍ، خُيِّل إليَّ أنَّهما تتلألآن بزرقةٍ شاحبةٍ مؤلمة.
“هاه…!”
شهقتُ مذعورةً، فاندفعتُ إلى الداخل وأغلقتُ الباب كأنَّني مذنبة.
أطبقتُ المزلاج، وراح صدري يعلو ويهبط بأنفاسٍ محبوسة.
كان الباب خلف ظهري باردًا كالجليد.
لقد بدا كأنَّهما عينَا تروي تمامًا.
…فمثلُ هذا اللون نادرٌ جدًّا.
أتراني بلغتُ حدَّ رؤية ما أريد رؤيته؟
أأهو أثرُ انغماسي المفرط في تروي؟
مع أنَّني أعرف شخصًا يملك عينين كهاتين في الواقع.
الشخص الذي استعرْتُ منه ملامح تروي……
“…….”
فجأةً انبعث صوتُ خشخشةٍ من الظرف الذي كنتُ أقبض عليه بقوّة.
لم أشعر بأنَّني شددتُ عليه هكذا.
ذلك الصوتُ أعادني من شرودي.
“ا، انتظر لحظة…….”
تحسّستُ موضع قلبي الذي أخذ يخفق بعنف.
ذلك الرجل الذي بدا بلا واقعيّة—طويل، مُقنَّع، صامت، وقدّم رسالةً…… مجهولُ الهويّة……
“أيمكن أنَّ مَن قابلتُه للتوّ….”
هل يُعقَل أنَّني التقيتُ المطارد؟
أخيرًا قرّر أنْ يُظهر نفسه؟
“لأنَّني… تجاهلتُ مطالبه؟”
ابيضّ ذهني فجأةً، وراح طنينٌ يُدوّي في أذني كتحذير.
خطر.
قد يحدث أمرٌ خطيرٌ حقًّا.
وراء هذا الباب المُحكم هو المكانُ الأكثر أمانًا الآن.
ومع ذلك، فتحتُ الباب دفعةً واحدة.
فعلٌ تجاوز أوامر وعيي وحكمي العقلانيّ.
“آه…….”
لكنّ الرجل كان قد اختفى.
لم يبقَ سوى ريحٍ باردةٍ كالنصل تخدش خدّي المحموم.
أغلقتُ الباب بيدٍ مرتجفة، ثم انزلقتُ إلى الأرض وفتحتُ الظرف الخالي من أيِّ كتابة.
كان في داخله قصاصةٌ صغيرة، كأنَّها ممزّقةٌ من دفتر، يحيط بها إطارٌ ذهبيّ.
“…….”
وعندما واجهتُ ذلك الخطّ الغريب المألوف، أدركتُ أنَّ إحساسي المشؤوم لم يُخطئ.
“كيف هو شعورُكِ وقد صرتُ جارَكِ، ميليسا كولينز؟”
“إذًا، ذلك النبيل الذي قيل إنَّهُ اشترى القصر المقابل….”
ذلك الرجل المرعب كان حقًّا المطارد.
“هذا غير معقول…….”
“الآن صرتُ قريبًا بما يكفي لأصل إليكِ.”
تيقّنتُ من ذلك دون عناء.
المترجمة: زوزيتا ✨️
التعليقات لهذا الفصل " 34"