المترجمة: زوزيتا
لم يتغيّر شيءٌ رغم تبدّل السَّنَة.
كنتُ ما أزال غارقةً في الكتابة.
وعندما لَمْ يخطر لي شيءٌ، كنتُ أقرأ <الهارِبة>.
كنتُ أُمرِّر أطراف أصابعي عبثًا فوق الحروف المطبوعة بإحكام، وأُلصِق خدّي بها أحيانًا، راغبةً في أن أشعر بها وأستوعبها كُلَّ الاستيعاب.
وبينما أعيد قراءته، بكيتُ كثيرًا.
والمشاعر الحزينة التي وُلِدَت خلال ذلك جعلتني أشدَّ توقًا.
أترى كان ذلك خيرًا لي، أنا التي لَن يكون أمامي سوى أنْ أكتب شيئًا، ثم أرسله إلى الأكاديمية؟
أمَّا أمرُ الأمير، وأفكاري المُضنية عن آلان، فقد أخذت تخفت شيئًا فشيئًا.
كان الخارج ما يزال في موسمٍ بارد، لكن كما تبدّلت السَّنَة دون أنْ أشعر، كان الربيع سيجيء متسلِّلًا هو أيضًا.
بضوءٍ هائلٍ خفيّ.
ورغم أنَّهُ حقيقةٌ بديهيّة، فقد كان ذلك عزاءً لي.
لَمْ يَعُد آلان ليوبولد يزور أحلامي منذ ذلك الفجر.
أفهو أمرٌ طبيعيّ، إذ قد لا يحدث إلَّا مرَّةً كُلَّ سنوات؟
ومع ذلك كنتُ ممتنّة.
فالآن، وقد بات من الواضح أنَّهُ صار يكرهني، فإنَّ عدم ظهوره في أحلامي كان عونًا لي.
لو أنَّ آلان ظهر الليلة في حلمي، فربما لَن يحتضنني، بل سيزدريني ويُبكيني.
وعند صباحٍ أستيقظ فيه على ذلك، ما كان القلم ليستقرّ في يدي.
قد لَن أُشفى تمامًا أبدًا، لكنّي تمنّيت أنْ لَا يأتي إلى أحلامي، على الأقل حتّى أزداد تبلّدًا قليلًا، ولو ببطءٍ هكذا.
على أيِّ حال، كان كُلُّ شيءٍ يسير على نحوٍ لا بأس به.
هذه الأيّام نادرًا ما كنتُ أخرج، فضلًا عن الذهاب إلى المقهى ثلاث مرّاتٍ في الأسبوع، ومع ذلك لَمْ يَعُد المطارد يظهر في يوميّاتي أيضًا.
ورغم أنَّ السيّد غريغ تخطّى عتبة منزلنا عدّة مرّاتٍ في غيابي، لَمْ أجد ورقةً ملطّخةً بالدَّم بين قطع اللحم داخل الصندوق.
تُرى، هل حدث شيءٌ لذلك المطارد؟
أم أنَّهُ أخيرًا انفصل عنّي؟
لو كان الأمر كذلك حقًّا، فلَن يكون هناك ما هو أسعد من ذلك.
غير أنَّ أمرًا واحدًا حيّرني: رسالةُ توبياس، الذي كان ينبغي أنْ يكون قد وصل إلى الدوقيّة منذ زمن، لَمْ تصل أيضًا.
أفهو منشغلٌ بالتأقلم؟
أم لَمْ يَحِن بعد موعدُ إبحار السفينة؟
أم أنَّ الرسالة فُقِدَت؟
مهما يكن، لم يكن عليَّ سوى الانتظار بهدوء.
فإن طال غيابي عن الردّ، فإنَّ توبي لَمِنَ النوع الذي سيرسل رسائل لطيفةً مرارًا وتكرارًا.
وخلاصة الأمر أنَّهُ لم يكن هناك ما يشتّت تركيزي بأيِّ شكلٍ الآن.
ولهذا كان الوضع مثاليًّا لكتابة الرواية.
“تروي.”
قرّرت المرأة أخيرًا أنْ تُفضي له بكلِّ شيء.
“رأيتُكَ في حلمٍ……
كان حلمًا هبطت فيه شفتاك على خدّي.”
كان وجهُ تروي ساكنًا كبحيرةٍ بعد انقشاع المطر.
وقالت شفتاه الباردتان:
“لقد تهتِ في الحلم.
هذا أمرٌ شائع.”
“الآن لَمْ أَعُد أعرف… إنْ كان ذلك…….”
“…….”
“حلمًا حقًّا.”
لَمْ تَعُد المرأة قادرةً على فهم الرجل أمامها، ولا على تقديره.
صحيحٌ أنَّهُ لَمْ يبدُ قريبًا منها مرّةً، لكنَّهُ أيضًا لَمْ يبدُ بعيدًا إلى هذا الحدّ من قبل.
“أنت أيضًا في الحقيقة….”
وكان اندفاعًا خالصًا هو ما جعلها تلفظ السؤال الذي عذّبها طويلًا.
“ألا تُحبّني؟”
“آنِسَتي، صديقتُكِ وصلت.”
“……آه.”
شهقتُ على صوت جوليا، وقد باغتني.
أمعقولٌ أنَّني كنتُ غارقةً إلى حدّ أنْ أكتم أنفاسي؟
أغلقتُ الدفتر العتيق ونزلتُ إلى الطابق الأوّل، فرأيتُ فيولا وأمّي تتبادلان الحديث.
“فيولا!”
لحسن الحظّ بدا وجهها أفضل ممّا كان عليه في آخر مرّةٍ رأيتها.
“إذًا اصعدي الآن. سأُحضِر الشاي.”
“شكرًا لكِ، سيّدتي.”
التفتت أمّي وفيولا نحوي في آنٍ واحد بعد أنْ أنهتا الحديث.
وكان على وجهيهما ما يوحي بأنَّ لديهما الكثير ليقال.
“…….”
يا لذهني الشارد.
فجأةً أدركتُ أنَّني لَمْ أُخبر فيولا بقصّة جايكوب.
كيف استطعتُ أنْ أنسى ذلك تمامًا……؟
وأنا أمسك بيد فيولا وأصعد الدَّرَج، ظللتُ أفكّر: لم يتأخّر الوقت كثيرًا.
ما إنْ ندخل الغرفة حتّى أبدأ فورًا بالحديث عن جايكوب—
“ميليسا.”
لكن عندما شدّت فيولا على يدي ونظرت إليَّ مباشرةً، أدركتُ بسهولةٍ أنَّهُ لم يَعُد هناك داعٍ لذلك.
“أنا سأتزوّج.”
وبابتسامةٍ يغلّفها حزنٌ ما، تابعت، وأنا ما زلتُ ناسِيَةً حتّى كيف أُجيب:
“العريس هو جايكوب.”
“فيولا، أنا في الحقيقة—”
“سمعتُ. قال إنَّكِ التقيتِ به.”
“…….”
لم يكن في نبرتها أيُّ لوم.
بل كانت هادئةً على نحوٍ مدهش.
شدَدتُ قليلًا على أطراف يدها الرقيقة وانتظرتُ ما سيأتي.
“تشجّع على المجيء وهو يظنّ أنَّكِ قد نقلتِ كلامه بالفعل.”
“آسفة، كان ينبغي أنْ أُخبركِ فورًا، لكن في ذلك اليوم استُدعيتُ فجأةً إلى القصر—”
“لَا تعتذري، ميل.”
جلسنا جنبًا إلى جنب على السرير.
“لقد ساعدتِني كثيرًا. خصّصتِ وقتًا لتقابليه.
كنتُ مختبئةً من الخوف، وكدتُ لَمْ أسمع صدقه.”
ابتسمت فيولا رافعةً شفتيها الشاحبتين.
كان وجهها متعبًا، لكن ابتسامتها بدت صادقةً ومطمئنّة.
“…….”
كنتُ بالفعل أتمنّى أنْ تُتاح لجايكوب فرصةُ البوح بصدقِه لفيولا.
ولو لَمْ أُستدعَ إلى القصر فجأةً، لكنتُ قصدتُ بيت غراهام في ذلك اليوم نفسه.
لكن لو سُئلتُ إنْ كنتُ أتمنّى أنْ يعودا حبيبين، فلَن أجيب بنعم.
كُلُّ ما رغبتُ به هو ألَّا تكون نهايةُ ذلك الثنائيّ الجميل أسوأ النهايات.
كانت فيولا قد حبست نفسها في غرفتها قائلةً إنَّها لَمْ تَعُد تؤمن بالحبّ.
وقد بلغ حزنها حدَّ الامتناع عن الطعام، فلا بدّ أنَّ كُرهها كان عظيمًا أيضًا.
ومع ذلك، لَمْ يكن ذلك الشكل من الختام ما كانت ترجوه مع جايكوب— هكذا حكمتُ آنذاك.
فكيف إذا كان زواجًا……؟
لو أنَّ صديقتي الوحيدة جاءت تستشيرني بشأن الزواج منه، لكنتُ ثنيتُها بلا تردّد.
مسألةُ تصديق قوله إنَّهُ لَمْ يُحاول حتّى إنجاب طفلٍ كانت في الحقيقة أمرًا ثانويًّا.
الأهمّ أنَّ فيولا، التي لَمْ تبلغ الرشد إلَّا حديثًا، ستُربّي طفلًا في الثالثة كأنَّهُ ابنُها……
كان ذلك قاسيًا على نحوٍ لا يُصدَّق.
غير أنَّ المهمّ أنَّها لَمْ تأتِ تطلب نصيحتي أصلًا.
ورغم أنَّ فيولا، الصغيرة أصلًا، بدت الآن هزيلةً حدَّ الإشفاق، فإنَّ عينيها وحدهما كانتا صلبتين.
كان واضحًا كم كان عزمُها راسخًا وهي تأتي إليَّ.
“فيولا.”
إذًا فقد فات الأوان لتغيير رأيها ببضع كلماتٍ من قلقي أو عتابي الضئيل.
“أأنتِ حقًّا بخير؟ هل سامحتِه على كُلِّ شيء؟”
“ميليسا، لقد فكّرتُ كثيرًا.”
“…….”
“مهما كان الماضي، أدركتُ أنَّ صدقَه نحوي لَمْ يتغيّر. وأنا أيضًا… لَا أُريد أنْ أنكر السنوات والمشاعر التي أحببتُه خلالها.”
حاولتُ أنْ أقول شيئًا، لكنّ نظرتها الحازمة عقدت لساني.
“لَن يوجد في حياتي مَن يُحبّني بهذا القدر مرّةً أخرى…….”
“…….”
احتجتُ لحظةً لأفكّر فيما ينبغي أنْ أقوله.
مهما يكن اختيارُ فيولا، فهو نصيبها وحدها.
شيءٌ لَمْ أستطع تحمّل مسؤوليّته أو القيام به بدلًا عنها.
لكن—
“فيولا، هل….”
كُلُّ ما أرجوه حقًّا هو سعادتُها.
وألَّا يكون هذا زواجًا مفروضًا بنظرة المجتمع، تعيسًا ومثخنًا بالجراح.
“لَمْ يكن هذا الخيار الوحيد، أليس كذلك؟ ليس رغبةً من غيركِ….”
هزّت فيولا رأسها بخفّة، وعلى شفتيها ابتسامةٌ باهتة.
“إنَّهُ قراري. كان لعائلتي رأي، لكنّي… أحبّ جايكوب.”
“هذا مُطمئنّ، لكن….”
وأضافت، وكأنَّها تُحاول طمأنتي:
“سمعتُ كُلَّ ما حدث من قبل.
لقد كان سيّئ الحظّ قليلًا فحسب……. الحياة أصلًا مليئةٌ بالمحن، يا ميل.”
“…….”
“قد تهبّ علينا عواصف أشدّ من هذه ونحن نعيش… لكن إنْ استطعنا تجاوزها مع مَن نحبّ، فذلك هو….”
كان صوت فيولا أخفض وأكثر صلابةً ممّا أتذكّر.
فيولا التي لَمْ تعرف التردّد يومًا فيما تؤمن به.
طالما غبطتُها على ذلك.
“والطفل……؟”
“……سأربّيه.”
لم أستطع سوى أنْ أحدّق بعينيها وقد ترقرق فيهما الدمع.
“أنا خائفةٌ أيضًا، ميل.
أخاف من كُلِّ شيء…
لكنَّهُ طفلُه.”
“…….”
“لذلك… سأحاول أنْ أُحبّه. فمن الآن فصاعدًا سأكون أمَّه…….”
“فهنّئيني إذًا، حسنًا؟” همست فيولا وهي تدفن رأسها في كتفي.
احتضنتُ كتفيها النحيلين بيدٍ مرتجفة.
—
كان ذلك أوّل عرسٍ أحضره.
أُقيم زفافُ صديقتي بعد أسبوعٍ تمامًا من زيارتها لمنزلنا.
كان يومًا قارسَ البرد.
بل إنَّ الثلج هطل لبرهةٍ أيضًا.
نزل العروسان، وقد صارَا زوجين بإعلانٍ مقدّس، درجات الكنيسة بخطًى مرتجفة.
وكان الضيوف المصطفّون إلى جانبهما يصفّقون أو ينثرون بتلات الزهور وهم يراقبونهما.
كانت فيولا ترتجف في فستان زفافٍ أبيض ناصع، وعلى رأسها إكليلٌ من زهورٍ بريّة.
كانت تبتسم، لكنَّ طرف أنفها احمرّ.
وبدت يدها الموضوعة على ذراع جايكوب المتين صغيرةً على نحوٍ لافت.
“ميليسا.”
وخزتني أمّي في جنبي مرّةً أخرى بمرفقها.
فقد رأت أنَّ البكاء بهذا الشكل في زفاف صديقةٍ مقرّبة أمرٌ غير لائق.
حتى أنا لَمْ أفهم لِمَ تنهمر دموعي هكذا.
“أما زلتِ تبكين؟”
بعد انتهاء الزفاف، وقبل عودتها إلى العاصمة، اقتربت منّي فيولا، وعيناها محمرّتان، وعلى وجهها رباطةُ جأشٍ واضحة.
وتعانقنا بحنان.
“لقد عشتُ حياتي كلّها في فلورين.
في بيكام لَنْ تكيرني أنتِ هناك، ولا أمّي ولا أبي….”
كانت تُهدّئني قائلةً إنَّها ستزورني كثيرًا، لكنّي لَمْ أكن صغيرةً إلى حدّ الجهل بمدى بُعد المرأة المتزوّجة عن الحريّة في سورني.
ولا بدَّ أنَّ فيولا تعرف ذلك أيضًا.
عندما عدتُ إلى العاصمة، انتابني شعورٌ غريب بأنَّني أصبحتُ وحيدة.
مع أنَّ لي عائلة.
كنتُ أعلم يقينًا أنَّنا سنتزوّج يومًا ونفترق في النهاية.
لذلك ظننتُ أنَّني سأكون بخير… لكنّي لَمْ أتخيّل أنْ يأتي ذلك اليوم بهذه السرعة.
دخلتُ المنزل خلف أمّي، وأنا أحمل معي ريح الشتاء، فاحتضنتني السيّدة كيرني وجوليا بالتناوب.
لَمْ أُرِد أنْ أصدّق أنَّ أيّام صِبانا قد انتهت.
كانت جفوني ثقيلةً ومؤلمة.
أكنتُ ما أزال أبكي؟
“لَا بأس، ميليسا.”
قالت السيّدة كيرني بلطفٍ بدلًا من أمّي.
“ستعيش صديقتكِ بخير. وعندما تشتاقين إليها، يمكنكِ زيارتها متى شئتِ. ما دمتِما على قيد الحياة.”
“……نعم، سيّدتي.”
أجبتُ وأنا أمسح دموعي بطرف كُمّي.
وكما قالت فيولا، فهذه أيضًا واحدةٌ من عواصف الحياة الكثيرة.
وخطر لي فجأةً أنَّ النضج ليس سوى التعلّم التدريجي للاعتياد على تيّارات الحياة المتدفّقة بلا انقطاع.
ولمدّةٍ بعد ذلك، وجدتُ نفسي أمسح دموعي
بلا سبب.
بشعورٍ بأنَّني وحيدةٌ تمامًا، رغم أنَّني لستُ كذلك.
حاولتُ أنْ أُكثّف تركيزي على كتابة الرواية.
فأنا أيضًا يجب أنْ أمضي قُدُمًا.
وحين عقدتُ العزم على ذلك، لَمْ أشعر بالوحدة كما توقّعت.
وغِصتُ عميقًا في ذلك السكون المصطنع الدافئ.
لكن، ولسوء الحظّ، لَمْ يَدُمْ روتيني البسيط طويلًا.
المترجمة: زوزيتا ✨️
التعليقات لهذا الفصل " 33"