كنتُ مستغرقةً في كتابةِ روايتي، فانتفضتُ فجأةً واعتدلتُ في جلستي وكأنَّني أصحو من تعويذةِ سِحرٍ.
“لقد وصلتْ رسالةٌ باسمِكِ.”
“رسالةٌ؟”
سألتُها بوجهٍ مذهولٍ؛ فلم يَعُد يخطرُ ببالي أحدٌ قد يُرسلُ لي رسالةً الآنَ.
لم يمضِ وقتٌ طويلٌ على تلقِّي رسالةِ توبِياس، وحتى لو أرسلَ بريدًا فورَ وصولِهِ إلى إمارةِ لونوآ، فلا بدَّ أنَّ الرسالةَ لا تزالُ شاردةً فوقَ عبابِ البحرِ.
ولا أعتقدُ أنَّها من فيولا التي طلبتْ وقتًا للتفكيرِ؛ فهي رُغمَ انقطاعِ لقاءاتنا منذُ مدَّةٍ، إلا أنَّها إذا أرادتْ قولَ شيءٍ فستأتي إليَّ مباشرةً كعادتِها ولن تُرسلَ رسالةً.
خامرني شَكٌّ مُفزعٌ بأن يكونَ المترصِّدُ قد أرسلَ مَطالبَ جديدةً، لكن لو كانَ المرسلُ غريبًا، لَمَا تحدَّثتِ السيدةُ كيرني بنبرةٍ اعتياديّةٍ هكذا.
بمجردِ إغلاقِ البابِ، انفرجتْ شفتايَ المذهولتانِ؛ فقد كانَ اسمُ المرسلِ المكتوبُ على المغلَّفِ غيرَ متوقَّعٍ بالمرَّةِ.
“… بريكهاوس؟”
سارعتُ بفتحِ الرسالةِ.
‘عزيزتي الآنسة كولينز،
أعلمُ أنَّ مراسلتي المفاجئةَ ستُصيبُكِ بالدهشةِ، لقد سألتُ السيدةَ غراهام عن عنوانِ منزلِكِ، وأعتذرُ بصدقٍ إن كنتُ قد تسبَّبتُ لكِ بأيِّ إزعاجٍ.
لعلَّكِ سمعتِ بأنَّ صديقتَكِ العزيزةَ فيولا ترفضُ رؤيتي، ممَّا يضعُني في مأزقٍ حقيقيٍّ، لا تزالُ لديَّ كلماتٌ كثيرةٌ لم أقُلها بعدُ، وأنا في أمسِّ الحاجةِ إليها، أقضي أيَّامي كلَّها والدموعُ لا تُفارقُ عينيَّ.
إذا تفضَّلتِ الآنسةُ كولينز بمساعدتي، فلن أنسى هذا الجميلَ أبداً.
جايكوب بريكهاوس’
عجزتُ عن الكلامِ لفترةٍ، تُرى ما مدى استعجالِهِ ليُرسلَ لي مِثلَ هذهِ الرسالةِ؟ بل إنَّ هذهِ…
“آثارُ دموعٍ؟”
لم يكن رفضُ فيولا لرؤيتِهِ أمراً مفاجئاً، لكنَّ صديقتي الوحيدةَ كانتْ تبتعدُ عنِّي وعن عائلتِها أيضاً وليسَ عن جايكوب فقط.
لا أعرفُ مدى القلقِ الذي يساورُني بسببِ هذهِ الحقيقةِ؛ لأنَّني أعرفُ تماماً كم كانتْ فيولا شخصيّةً مشرقةً ومليئةً بالحيويةِ…
رُغمَ أنَّني لا أعرفُ إن كانَ جايكوب بريئاً حقاً أم لا، إلا أنَّني شعرتُ بأنَّ هناكَ حديثاً لا بدَّ أن تسمعَهُ فيولا منهُ، وربُّما يكونُ ذلكَ الحديثُ هو المفتاحَ لإنهاءِ هذا الوضعِ المتأزِّمِ.
مهما كانَ الأمرُ، على فيولا أن تتخطَّى ما حدثَ وتتقدَّمَ للأمامِ ثانيةً، وهذا كلُّ ما أتمنَّاهُ.
بناءً على هذا الشعورِ، أرسلتُ لهُ ردّاً مقتضباً حدَّدتُ فيهِ التاريخَ والمكانَ للقائِهِ.
“مرحباً سيد بريكهاوس، حبيبُ صديقتي العزيزةِ فيولا غراهام! هذهِ أوَّلُ مرَّةٍ نلتقي فيها هكذا بمفردنا في حياتي! هل قُلتَ إنَّ لديكَ ما تودُّ سؤالَهُ عن فيولا؟”
تُرى كم كانتِ الأوقاتُ التي مرَّ بها قاسيةً؟ لم أستطعْ حتى التخيُّلَ. أحياناً أشعرُ بأنَّ الحياةَ تبدو أقربَ للخيالِ من الرواياتِ المؤلَّفةِ، ويبدو أنَّ حياةَ هذا الرجلِ لم تكن استثناءً.
ومع ذلكَ، ظلَّتْ هناكَ نقاطٌ تثيرُ الريبةَ.
“بما أنَّكَ كنتَ حبيبَها، كيفَ لم تَعرفْ أنَّها حاملٌ؟”
“أنا وهي… لم نفعلْ شيئاً يُؤدِّي لإنجابِ طفلٍ… “
أكملَ جايكوب حديثَهُ بنبرةٍ متحمِّسةٍ ولكن تودُّديةٍ:
“أنا أيضاً ظننتُ أنَّ الأمرَ عبثيٌّ في البدايةِ، فالطفلُ يُشبهُ آن تماماً ولا يوجدُ فيهِ أيُّ شَبَهٍ منِّي، ولكن… “
تردَّدَ جايكوب لبرهةٍ ثمَّ تلاقتْ عيناهُ بعينيَّ:
“كانتْ عينا الطفلِ خضراوينِ تماماً مِثلَ عينيَّ، في اللحظةِ التي رأيتُ فيها تينكَ العينينِ، شعرتُ أنَّهُ ابني… وقرَّرتُ أنَّ عليَّ حمايةَ هذا الصغيرِ.”
“…”
“عائلةُ آن لا تملكُ الإمكانياتِ لتربيةِ الطفلِ، لذا لو رفضتُهُ أنا أيضاً، لكانَ مصيرُهُ الضياعَ حتماً… “
“يبدو لي وكأنَّكَ قبلتَ مَسؤوليّتَهُ لأنَّكَ أحببتَها.”
ردي الباردُ جعلَ جايكوب يُطأطئُ رأسَهُ مكسوراً، لكنَّني لم أتوقَّفْ.
“رُغمَ أنَّها رحلتْ، إلا أنَّ ذكرى الحبِّ الصادقِ لن تتلاشى أبداً، وفي النهايةِ، تلكَ الآثارُ الباقيةُ في قلبِكَ هي… “
“كلا، آنِسة كولينز.”
في تلكَ اللحظةِ، اخترقَ بريقُ عينيهِ الخضراوينِ حدقتيَّ.
“بالتفكيرِ في الأمرِ الآنَ، لم يكن ذلكَ حُبًّا أبداً.”
“ماذا تقولُ؟ قولُكَ هذا الآنَ يجعلكَ تبدو جباناً فحسبُ.”
خرجَ صوتي حادّاً دونَ قصدٍ؛ فمهما كانَ الحبُّ هشاً وضعيفاً، لم تكن لديَّ أدنى رغبةٍ في رؤيةِ لحظةِ تبدُّلِهِ وتشوُّهِهِ.
لكنَّ جايكوب كانَ يملكُ وجهاً يبدو بارداً وهادئاً، والمشاعرُ التي كانتْ تملأُ عينيهِ كانتْ حارقةً للغايةِ.
“كانتْ آن مريضةً لفترةٍ طويلةٍ، وكانتْ تترجَّاني بشدّةٍ… ورأيتُ أنَّ عليَّ الاعتناءَ بها فحسبُ، آمنتُ وقتَها أنَّ هذا هو الطريقُ الصحيحُ، لقد كنتُ صغيراً جداً.”
“…”
“أستطيعُ أن أقولَها بصراحةٍ، الحبُّ الحقيقيُّ بالنسبةِ لي، والشخصُ الذي سأقضي حياتي معهُ هو… “
في اللحظةِ التي أردتُ فيها سؤالَ السيدةِ كيرني التي كانتْ تركضُ نحوي بوجهٍ مُرتبكٍ عن جليّةِ الأمرِ، اقتربَ منِّي مسؤولٌ ملكيٌّ كانَ يقفُ بجانبِ العربةِ.
“الآنسة ميليسا كولينز؟”
“نعم، أنا ميليـ… “
“اصعدي إلى العربةِ، من فضلكِ.”
“… نعم؟”
لماذا عليَّ أن أصعدَ إلى عربةٍ ملكيّةٍ؟ ضاقَ ما بينَ حاجبَيَّ من هذا الموقفِ المريبِ الذي حدثَ دونَ سابقِ إنذارٍ.
كانتِ السيدةُ كيرني تقفُ وهي تفركُ يديها بقلقٍ، ومن خلفِ النافذةِ، رأيتُ وجوهَ أمِّي وجوليا المتوتِّرةَ.
ومع الكلماتِ التاليةِ للمسؤولِ، نسيتُ حتى أن أُخرجَ زفيرَ أنفاسي الذي كنتُ أحبسُهُ:
“هذا أمرٌ من صاحبِ السُّموِّ الأميرِ بإحضارِكِ إلى القصرِ الملكيِّ، الآنَ فوراً.”
التعليقات لهذا الفصل " 30"