المترجمة: زوزيتا ✨️
بمجرَّدِ عودتي من منزلِ عائلةِ لونغهورن، كتبتُ رسالةً إلى توبِي.
أخبرتُهُ فيها بحقيقةِ أنَّ السيدَ لونغهورن لم يكن المترصِّدَ، وأنهيتُها بإعلامِهِ أنَّني سأنتظرُهُ في مقهى ‘ليبر’ بعدَ ظهرِ يومِ السبتِ.
كانَ وجهُهُ حينَ قالَ إنَّ هناكَ ما يودُّ قولَهُ لا يزالُ حاضرًا في ذهني بوضوحٍ، وتلكَ النظرةُ التي كانتْ تحملُ تودُّدًا ولهفةً لا تُخطئُها العينُ.
بالطبعِ، كنتُ أشعرُ بأنَّني أعرفُ بالفعلِ ما الذي سيقولُهُ.
ولكن، حينَ أُفكِّرُ في أنَّ علاقتي بهِ قد تشهدُ تحوُّلًا جذريًّا…
‘لستُ أدري حقًّا… ‘
شعرتُ بدوارٍ طفيفٍ لا أعرفُ مصدرَهُ.
وصلتُ اليومَ أيضًا إلى مقهى ‘ليبر’ قبلَ الموعدِ المحدَّدِ.
فأنا أشعرُ بعبءٍ مرضيٍّ من فكرةِ جعلِ الآخرينَ ينتظرونَني، لذا كنتُ أُفضِّلُ المجيءَ أوَّلاً والاستغراقَ في التفكيرِ بهدوءٍ.
على عكسِ مقهى ‘أنتريس’ الذي تطلُّ نوافذُهُ الواسعةُ على السماءِ ومناظرِ الشوارعِ، كانَ ‘ليبر’ يقعُ في الطابقِ السفليِّ، ممَّا جعلَهُ مُظلمًا رُغمَ أنَّنا في وضَحِ النهارِ.
كانَ المكانُ يفوحُ برائحةِ الجِعّةِ اللاذعةِ والخشبِ القديمِ أكثرَ من رائحةِ القهوةِ.
“القهوةُ جاهزةٌ.”
ظهرَ النادلُ فجأةً، وهو يرتدي قميصًا غيرَ مُرتبٍ ومِئزرًا رثًّا، ووضعَ فنجانَ القهوةِ أمامي.
تناثرتْ قطرتانِ من القهوةِ على الطاولةِ الخشبيّةِ القديمةِ وامتصَّهما الخشبُ ليُخلفا بُقعتينِ سوداوينِ.
“آه، لقد أخفتني… ! شُكرًا لكَ… “
أومأَ النادلُ برأسِهِ ثمَّ استدارَ مُغادرًا على الفورِ.
حينَ نظرتُ إلى شعرِهِ غيرِ المُسرَّحِ وقميصِهِ الخارجِ من مِئزرِهِ، شعرتُ بحنينٍ مفاجئٍ لنادلِ ‘أنتريس’.
ويبدو أنَّني كنتُ الوحيدةَ التي لم تستطعْ التأقلمَ مع أجواءِ هذا المكانِ؛ فملابسُ الزبائنِ وطبيعةُ أحاديثهم كانتْ أكثرَ تحرُّرًا بكثيرٍ ممَّا هي عليهِ في ‘أنتريس’.
بالتأكيدِ يملكُ هذا المكانُ سِحرًا خاصًّا وعراقةً، لكنَّني لا أزالُ أُفضِّلُ ‘أنتريس’.
إنَّ تصميمَ المكانِ هنا، بكثرةِ أعمدتِهِ غيرِ الضروريّةِ، جعلني أشعرُ—بشيءٍ من المبالغةِ—وكأنَّني في وسطِ مَتاهةٍ…
“كياااك!”
فجأةً، ومن خلفِ أحدِ الأعمدةِ، ظهرَ شعرٌ أحمرُ، ممَّا جعلني أُسقطُ الفنجانَ من يدي.
دَوَى صوتُ تحطُّمٍ حادٍّ، وتناثرَ الفنجانُ الأبيضُ الناصعُ شظايا على الأرضِ.
“أنا آسفٌ! هل أنتِ بخيرٍ؟”
كانَ الرجلُ الذي اقتربَ منِّي شابًّا، بل إنَّ شعرَهُ لم يكن أحمرَ بل أشقرَ.
لقد خُيِّلَ لي أنَّ تلكَ الشراشيبَ الحمراءَ المتدليّةَ بكثافةٍ فوقَ مِعطفِهِ البنيِّ هي خُصلاتُ شعرٍ، وكانَ ذلكَ نابعًا تماماً من قلقي الدائمِ.
“لقد فُزعتُ قليلاً… أنا بخيرٍ.”
“آنِسة ميليسا!”
بينما كنتُ لا أزالُ أرتجفُ تحتَ تأثيرِ تلكَ الصدمةِ، ركضَ توبِي نحوي وكأنَّهُ مُعجزةٌ.
كانَ من المدهشِ كيفَ استطاعَ العثورَ عليَّ في هذا المكانِ الذي يُشبهُ المتاهةَ من النظرةِ الأولى.
وجَّهَ حديثَهُ للرجلِ صاحبِ المِعطفِ البنيِّ قائلاً:
“ماذا حدثَ؟ يبدو أنَّ سـ سيدتي قد فُزعتْ، لذا تحدَّثْ إليَّ أنا بدلاً منها.”
‘سيدتي.’
توقَّفَ ارتجافُ كتفيَّ فورَ سماعِ هذا الوقعِ الغريبِ للكلمةِ.
اعتذرَ الرجلُ مرَّةً أخرى موضِّحًا أنَّهُ كانَ يبحثُ عن رفاقِهِ وأخافني دونَ قصدٍ، فأذنَ لهُ توبِي بالانصرافِ بعدَ أن تأكَّدَ أنَّ الأمرَ ليسَ خطيرًا.
ظلتْ نظراتُ توبِي المُلحّةُ تلاحقُ ظَهْرَ الرجلِ المبتعدِ وشراشيبَهُ الحمراءَ المتمايلةَ.
“…”
جلسنا مُتقابلينِ وصمتنا لفترةٍ.
كنتُ أُحاولُ بوعيٍّ تنظيمَ أنفاسي وأنا أشعرُ بتلاشي الارتجافِ تدريجيًّا.
وطوالَ ذلكَ الوقتِ، كانَ توبِياس ينظرُ إليَّ بعينينِ ثابتتينِ وصادقتينِ.
“آنِسة ميليسا.”
كانَ توبِي هو من كسرَ حواجزَ الصمتِ بيننا، رُغمَ أنَّ الضجيجَ كانَ يملأُ المكانَ من حولنا.
“لقد كنتُ أتوهَّمُ بأنَّ الآنسةَ ميليسا قد استعادتْ سلامَها النفسيَّ.”
“…”
كانَ يتحدَّثُ عن مَسألةِ الترصُّدِ.
“لكن… يبدو أنَّكِ لا تزالينَ قلقةً.”
بالتفكيرِ في الأمرِ، لم تكنْ لديَّ نيّةٌ لإخبارِ توبِي عن المترصِّدِ، لولا أنَّني أخبرتُهُ بذلكَ تحتَ ضغطِ اللحظةِ حينَ قالَ إنَّ المترصِّدَ كانَ يقفُ خَلفي.
كانَ من الصعبِ عليَّ البوحُ بالأمرِ رُغمَ أنَّني الضحيةُ؛ في البدايةِ لأنَّني لم أردْ أن يُساءَ فَهمي ويُظنَّ بأنَّ سلوكي هو السببُ، ولاحقاً لأنَّني لم أردْ إثارةَ قلقِ توبِي.
رُغمَ أنَّ مرافقةَ توبِي لي إلى المنزلِ صارتْ أمرًا بديهيًّا منذُ ذلكَ الحينِ، إلّا أنَّني لم أتحدَّثْ في ذلكَ الموضوعِ أبدًا منذُ ذلكَ اليومِ.
تجنُّبي للذهابِ إلى ‘نيوديتش’، وتلكَ العجوزُ المريبةُ التي هاجمتني، ورفضي القاطعِ لعرضِهِ بتوصيلي للمنزلِ؛ كلُّ ذلكَ كانَ بسببِ المترصِّدِ، لكنَّني أخفيتُ ذلكَ.
لأنَّني كنتُ أخشى تهديداتِ ذلكَ المترصِّدِ المجهولِ، وكنتُ خائفةً جدًّا من أن يمتدَّ هذا الظلُّ القاتمُ ليطالَ توبِياس أيضًا.
مهما كانتْ ظروفي، يبدو أنَّ توبِي كانَ يظنُّ أنَّني قد تغلَّبتُ بالفعلِ على خوفي من المترصِّدِ.
وهذا طبيعيٌّ بلا شكٍّ؛ فقد كنتُ أتصرَّفُ وكأنَّ المترصِّدَ لم يظهرْ منذُ ذلكَ اليومِ، وكأنَّ ذكراهُ قد تلاشتْ من مخيّلتي منذُ زمنٍ بعيدٍ.
“أريدُ أن… أحميكِ.”
هل كانَ ذلكَ بسببِ إضاءةِ الغرفةِ الخافتةِ؟ بدتْ عينا توبِياس داكنتينِ بشكلٍ غيرِ معتادٍ.
ورُغمَ أنَّ نبرتَهُ كانتْ هادئةً، إلّا أنَّها كانتْ ترتجفُ بشكلٍ طفيفٍ، وإن لم يكنْ ذلكَ كما في يومِ لقائنا الأوَّلِ.
“أنا متأكِّدٌ من أنَّني سأكونُ عونًا لكِ.”
“ولكن… “
لم أستطعْ مواجهةَ صدقِهِ الخالصِ، فأنزلتُ نظراتي للأسفلِ.
“لا أريدُ أن أتسبَّبَ لكَ بأيِّ ضررٍ.”
“لقد قُلتِ ذلكَ في المرَّةِ الماضيةِ أيضًا، بأنَّكِ تشعرينَ بعدمِ الارتياحِ لأنَّكِ مَدينةٌ لي.”
تحدَّثَ توبِي وكأنَّهُ يتنهَّدُ:
“إنَّ تقديمَ المساعدةِ لكِ، أو لُجوءَكِ إليَّ للاستنادِ عليَّ، ليسَ دَينًا ولا ضَررًا أبدًا.”
“توبِي، أنا… “
“لكنَّ هذا هو تفكيري وحدي، فأنتِ لا تزالينَ غيرَ قادرةٍ على مُبادلتي المشاعرَ نفسَها، بسببِ طبيعةِ علاقتنا.”
أدركتُ بالفطرةِ أنَّني سأسمعُ تلكَ الكلماتِ أخيراً.
لذا، سارعتُ بالنظرِ حولي؛ خشيتُ أن يظهرَ النادلُ في اللحظةِ التي سيقولُ فيها شيئًا مهمًّا؛ فكانَ عليهِ تنظيفُ الكوبِ المحطَّمِ وتلقِّي طلبِ توبِي.
“لذا، الآنَ… “
في تلكَ اللحظةِ، غادرَ توبِياس كُرسيَّهُ وجثا على رُكبةٍ واحدةٍ أمامي.
سُرقتْ أنظاري إليهِ دونَ إرادةٍ منِّي.
“… توبِي.”
“ألا يُمكنكِ السماحُ لي بأن أكونَ رجلكِ… ؟”
آه. وضعتُ يديَّ على فمي، وانكمشتْ أصابعُ قدمي.
شعرتُ وكأنَّ أمواجًا ضحلةً تتدفَّقُ وتتراجعُ باستمرارٍ تحتَ قدميَّ.
بماذا يُمكنني وَصفُ هذا الشعورِ؟ أشعرُ وكأنَّ ريشةً ناعمةً تُداعبُ قلبي؟
أشعرُ بدغدغةٍ لا تُطاقُ لدرجةِ أنَّني أريدُ نَفْضَها بعيدًا، لكنَّني لا أملكُ حيلةً…
“منذُ اللحظةِ الأولى التي رأيتُكِ فيها وحتى هذهِ اللحظةِ، قلبي…
مِلكٌ لكِ وحدكِ، آنِسة ميليسا.”
“…”
أمامَ اعترافِهِ هذا، سَرَتِ الحرارةُ في وجهي دونَ قيدٍ.
كانتْ هذهِ المرَّةَ الأولى التي أشعرُ فيها بالامتنانِ لكثرةِ الأعمدةِ غيرِ الضروريّةِ في مقهى ‘ليبر’ وللضجيجِ السائدِ فيهِ.
كنتُ أعرفُ تَمامَ المَعرفةِ أنَّهُ سيعترفُ لي اليومَ؛ فمن الصعبِ ألّا تُدركَ ذلكَ وهو يملكُ مِثلَ هذهِ العينينِ وهذا الصوتِ.
وكنتُ قد قرَّرتُ بالفعلِ مَنحَهُ قَبولي.
إنَّ تلقِّي رسائلِ غرامٍ واهتمامٍ مليءٍ بالمودَّةِ من شخصٍ ما، وشُربَ القهوةِ وتناولَ الطعامِ والحديثَ عن الحياةِ والضحكَ معًا؛ كلُّ هذهِ الأشياءِ الرائعةِ واللامعةِ لم يسبقْ لي ممارستُها حتى في حياتي السابقةِ.
وكونُ ذلكَ الشخصِ هو توبِياس ميلر هو حظٌّ عظيمٌ؛ لأنَّهُ إنسانٌ دافئٌ ومُرهفُ الحسِّ.
رُغمَ أنَّنا لا نَعرفُ كلَّ خبايا بعضنا بعدُ، إلا أنَّ كوني الشخصَ الوحيدَ بالنسبةِ لهُ سيكونُ أمرًا مُريحًا بلا شكٍّ.
لذا، حتى أنا لم أتوقَّعْ أن يكونَ ردِّي هكذا:
“أعطني وقتًا لأُفكِّرَ.”
“آه… “
اتَّجهتْ نظراتُ توبِي إلى الأرضِ في تلكَ اللحظةِ، وتَبِعتْ عينايَ رأسَهُ المُنحني.
رُبَّما بسببِ الإضاءةِ الخافتةِ، بدا شعرُهُ البنيُّ الفاتحُ داكنًا بشكلٍ غيرِ معتادٍ، وكانَ لونُهُ يوحي بالحزنِ لسببٍ ما.
“أفترضُ أنَّ الأمرَ كانَ… مُفاجئًا، أعتذرُ لأنَّني أتصرَّفُ بتسرُّعٍ في كلِّ مرَّةٍ.”
“كلا، لا داعيَ للاعتذارِ! أنا أيضاً أُحـ… “
في تلكَ اللحظةِ، وللغاربةِ، تذكَّرتُ ملمسَ الشفتينِ الباردتينِ اللتينِ استقرَّتا على خدِّي في الحُلمِ، فأغمضتُ عينيَّ بشدّةٍ.
“… أعتقدُ أنَّكَ إنسانٌ رائعٌ.”
عندَ سَماعِ همسي، رفعَ توبِي رأسَهُ فجأةً.
“إذًا، لم أتسبَّبْ لكِ بأيِّ ضيقٍ، أليسَ كذلكَ؟”
أومأتُ برأسي مِرارًا.
“والآنسةُ ميليسا تملكُ هي الأخرى مَشاعرَ إيجابيّةً تِجاهي… أليسَ كذلكَ؟”
هذهِ المرَّةَ، أومأتُ برأسي ببطءٍ مرَّتينِ، فابتسمَ بوضوحٍ ونهضَ من مَكانِهِ.
“هذا يَكفي وزيادةً بالنسبةِ لليومِ.”
ثمَّ أضافَ بخجلٍ:
“سأعطيكِ وقتَكِ، ما رأيُكِ أن نلتقيَ هنا مرَّةً أخرى في الوقتِ نفسِهِ بعدَ أسبوعٍ؟ إذا جئتِ، سأعتبرُ ذلكَ قَبولاً لمشاعري… “
هل كانَ وجهي يبدو مذهولاً للغايةِ؟ كانَ توبِي يراقبُني بحذرٍ.
“هل… الوقتُ ضيقٌ جدًّا؟”
“كلا، توبِي، هذا جَيِّدٌ.”
“آه… “
عادتِ الابتسامةُ الصافيةُ لترتسمَ على وجهِهِ المتوتِّرِ.
“أتمنَّى حقًّا أن أراكِ بعدَ أسبوعٍ، آنِسة ميليسا.”
كانتْ غَمَّازتاهُ الصغيرتانِ توحيانِ بالبراءةِ.
في ذلكَ اليومِ، لم أستطعْ رفضَ عرضِ توبِي بتوصيلي للمنزلِ.
طوالَ طريقِ عودتنا، كانَ قلبي يخفقُ بشدّةٍ وكنتُ قلقةً لدرجةِ أنَّني لم أستطعِ التركيزَ في حديثِنا جيِّدًا.
كنتُ أتمنَّى فقط ألّا يكونَ المترصِّدُ يراقبُنا.
مرَّ الوقتُ بينَ السُرعةِ والبطءِ، واقتربَ موعدُ يومِ السبتِ المنتظرِ ولم يَبْقَ عليهِ سِوى يومينِ.
بعدَ يومينِ، سأصبحُ حبيبَتَهُ في مقهى ‘ليبر’.
لم يَبْقَ سِوى يومينِ، ومع ذلكَ…
“آنِستي، إنَّهُ السيدُ ميلر!”
دخلتْ جوليا الغُرفةَ ركضًا بصوتٍ صاخبٍ، وهي تمدُّ لي مغلَّفَ رسالةٍ.
“توبِي؟”
أخذتُ الرسالةَ منها بوجهٍ مُستغربٍ، لقد حدَّدنا الموعدَ والمكانَ بالفعلِ، فما الداعي لرسالةٍ الآنَ؟
‘هل يُعقلُ أنَّهُ سيُغيّرُ رأيَهُ في الاعترافِ؟ هل حدثَ شيءٌ لعائلتِهِ في نيوديتش؟ أو رُبَّما… ‘
“سأنزلُ للأسفلِ، اقرئيها براحتكِ!”
بمجردِ خروجِ جوليا، فتحتُ الرسالةَ، و…
“يا إلهي.”
اتَّسعتْ عينايَ دونَ إرادةٍ منِّي عندَ قراءةِ خبرٍ لم يخطرْ ببالي قطُّ.
“… تمَّ اختيارُهُ…
كطالبٍ منحةٍ للمساعدةِ في أعمالِ عائلةِ ليوبولد؟”
من المفترضِ أنَّهُ خبرٌ سارٌّ، لكن لسببٍ ما لم أشعرْ بالفرحِ.
لقد قيلَ إنَّ بابَ التقديمِ لم يُفتحْ بعدُ، فكيفَ حدثَ هذا؟
ربُّما يكونُ شعوري بالفراغِ نابعًا من عدمِ استيعابي للأمرِ، أو رُبَّما بسببِ ذلكَ الشرطِ الذي ينصُّ على ضرورةِ المغادرةِ إلى هناكَ فورًا.
“في الوقتِ الذي تقرئينَ فيهِ هذهِ الرسالةِ…
رُبَّما أكونُ بالفعلِ على متنِ السفينةِ المتجهةِ إلى إمارةِ لونوآ… “
رُغمَ أنَّني قرأتُ الكلماتِ بصوتٍ عالٍ لعدمِ قدرتي على تصديقِها، إلّا أنَّ الواقعَ ظلَّ بعيدَ المنالِ.
ولكن، يظلُّ توبِي هو توبِي، فقد أضافَ بِرقّةٍ:
‘إنَّها أعظمُ فرحةٍ شعرتُ بها في حياتي، لكنَّني أشعرُ بالحزنِ لأنَّ عليَّ مغادرةَ المملكةِ في هذا الوقتِ تحديدًا.
ولكن يا ميليسا، لن أستسلمَ للحزنِ كثيرًا؛ لأنَّني أثقُ تمامًا بأنَّكِ ستُنهينَ كتاباتِكِ الجميلةَ وتأتينَ لتكوني بجانبي.
في ذلكَ اليومِ، سأشعرُ مرَّةً أخرى بأعظمِ فرحةٍ في حياتي… ‘
كانَ شعورًا لا يُمكنُ وَصفُهُ حقًّا.
هل سأستطيعُ تحمُّلَ فراغِ غيابِهِ المفاجئِ؟ وهل سأتمكَّنُ حقًّا من السفرِ للدراسةِ…
بينَ كلِّ تلكَ المشاعرِ المتضاربةِ، كانَ الأكثرُ وضوحًا هو القلقُ من أن تتغيَّرَ مشاعرُهُ تِجاهي.
يا لي من حمقاءَ، أُؤجِّلُ الردَّ على اعترافِهِ بوجهٍ باردٍ، ثمَّ آتي الآنَ لأندمَ.
لا، هل هذا ندمٌ حقًّا؟ كنتُ في حالةٍ من التخبُّطِ التامِّ.
ولكن، غدًا سأكونُ أكثرَ تبلُّدًا، وسأعتادُ الأمرَ، وسأتمكَّنُ من تهنئتِهِ أكثرَ ممَّا فعلتُ اليومَ، وكذلكَ في اليومِ التالي والذي يَليهِ.
“…”
وضعتُ الرسالةَ على جانبِ المكتبِ، وفتحتُ دفتري القديمَ مع زفيرٍ طويلٍ.
ولم يَمضِ سِوى بضعةِ أيامٍ حتى تلقَّيتُ رسالةً أخرى غيرَ متوقَّعةٍ.
التعليقات لهذا الفصل " 29"