“… لهذا السببِ أتيتُ لأُقدِّمَ شكري، أشكرُكَ مرَّةً أخرى.”
“آه… “
لكنَّهُ كانَ غريبَ الأطوارِ قليلًا.
آه، لا أعني أنَّني شعرتُ بأنَّهُ مترصِّدٌ، بل على العكسِ، كنتُ قد صرفتُ تمامًا شُكوكِي في كونِهِ المترصِّدَ.
رُغمَ أنَّني لستُ خبيرةً بعدُ، إلا أنَّني بصفتي كاتبةً للرواياتِ منذُ مدَّةٍ ليستْ بالقصيرةِ، أمتلكُ قدرةً دقيقةً على مُراقبةِ الناسِ.
لم تكنْ نظراتُهُ إليَّ تحملُ أيَّ نيّةٍ أخرى، وكانَ سلوكُهُ طبيعيًّا؛ مَزيجًا من الأدبِ والارتباكِ، وليسَ تجاهُلًا مُصطنعًا ليُوهِمني بأنَّهُ ليسَ المترصِّدَ.
والأهمُّ من ذلكَ، لم تكنْ هذهِ نظراتِ شخصٍ يراقبُني باستمرارٍ.
بما أنَّ شُرفةَ المسرحِ في تلكَ الليلةِ كانتْ مُظلمةً ولأنَّ وقتًا طويلًا قد مرَّ، بدا وكأنَّهُ هو الآخَرُ يُحاولُ جاهدًا مُقارنةَ ميليسا كولينز التي في ذاكرتِهِ بالفتاةِ التي تقفُ أمامَهُ الآنَ، تمامًا كما كنتُ أفعلُ أنا؛ لذا لم يكنْ من الصعبِ مَعرفةُ ذلكَ.
“لَـ لم يكنْ هناكَ داعٍ للقيامِ بذلكَ، آنِسة كولينز… “
ما قَصَدتُهُ بقولي إنَّ السيدَ لونغهورن غريبٌ، هو أنَّهُ كانَ يتصبَّبُ عرقًا باردًا أمامي بشكلٍ مُريبٍ.
“كلا، شعرتُ أنَّ قلبي لن يرتاحَ إلا إذا قدَّمتُ شُكري بهذهِ الطريقةِ.”
“لَـ لكن، مِمـ… “
بالعودةِ للوراءِ، في اليومِ الأوَّلِ الذي التقيتُ فيهِ توبِي، كانَ صوتُهُ يرتجفُ أيضًا، لكنَّ رجفةَ السيدِ لونغهورن كانتْ تختلفُ عن ذلكَ تمامًا.
هذا الشعورُ هو… وكأنَّهُ يخشى شيئًا ما.
لمَ؟
“آنِسة كولينز.”
“نعم، سيد لونغهورن.”
“أتمنَّى ألّا يكونَ هناكَ أيُّ سُوءِ فَهمٍ، لم أكنْ لأرفضَ طلبَ سيدةٍ مُلحًّا، وخاصَّةً إذا كانَ… للتعبيرِ عن شُكرِها على مَعروفي… “
“…”
تجاوزَ شعوري بالاستغرابِ من حديثِهِ المتلعثِمِ ليصلَ إلى حدِّ الذهولِ.
‘هل هذا الرجلُ الآنَ في حالةٍ تمنعُهُ من التفكيرِ السليمِ؟’
كأن يكونَ لم ينمْ طوالَ الليلِ مثلًا، أو رُبَّما هو في حالةِ سُكرٍ شديدٍ رُغمَ أنَّني لا أشمُّ رائحةَ كحولٍ.
إنَّ من يواجهُهُ الآنَ ليسَ فردًا من العائلةِ المالكةِ المُتعجرفةِ، ولا ذلكَ السيد ليوبولد العظيم، بل هي مجرَّدُ فتاةٍ عاديّةٍ لا تملكُ شيئًا.
أليسَ من الطبيعيِّ أن تتواردَ مِثلُ هذهِ الأفكارِ إلى ذِهني؟
“ولكن، بما أنَّ مَوقفي بكونِ الشكرِ قد وصلَ وزيادةً… لا، أنا أؤمنُ بذلكَ، وسأقولُها بصراحةٍ، آنِسة كولينز.”
“نعم، سيد لونغهورن.”
“الفُستانُ الذي أرسلتُهُ هو شيءٌ بسيطٌ جدًّا بالنسبةِ لي، لذا أرجوكِ، انسي تمامًا حقيقةَ أنَّكِ استلمتِهِ منِّي.”
“… نعم؟”
سألتُهُ بوجهٍ مُندهشٍ كأنَّني آلةٌ أصابَها عُطلٌ، لم أفهمْ كلامَهُ ولا تصرُّفاتِهِ الآنَ.
“بل، قَدْرَ الإمكانِ… أرجو ألّا تأتي على ذكرِ اسمِ لونغهورن… أوه، ليسَ قَدْرَ الإمكانِ، بل إيَّاكِ فعلُ ذلكَ أبدًا… “
رُغمَ شُعوري بالارتباكِ، إلّا أنَّني شعرتُ بالإهانةِ أيضًا فقطَّبتُ حاجِبَيَّ.
لا بدَّ أنَّهُ يُسيءُ الفَهمَ بشدّةٍ، فكلامُهُ يبدو وكأنَّني أتجوَّلُ في كلِّ مكانٍ في فلورين متباهيةً بأنَّ مالكوم لونغهورن قد أهداني فُستانًا…
لقد تأكَّدتُ من أنَّ السيدَ لونغهورن ليسَ مترصِّدي، لذا فإنَّ أيَّ حديثٍ إضافيٍّ معَهُ لا معنى لهُ بالنسبةِ لي.
ومع ذلكَ، لم أستطعْ المغادرةَ هكذا تاركةً هذا الموقفَ العبثيَّ دونَ توضيحٍ.
“لماذا تطلبُ ذلكَ؟”
“ذلكَ لأنَّ، آلان… “
توقَّفَ السيدُ لونغهورن فجأةً عن الكلامِ وأغمضَ عينيهِ بتعبيرٍ مُعقَّدٍ.
“… لا، من الأفضلِ ألّا أقولَ حتى هذا، أنا أقفُ الآنَ عندَ مُفترقِ طُرقٍ حاسمٍ… ولا يجبُ أن أتسبَّبَ في أيِّ إزعاجٍ، ولو قليلًا… “
“…”
بدا لي غريبًا وهو يُكرِّرُ كلماتٍ غيرَ مفهومةٍ بنبرةٍ قلقةٍ، ولا تزالُ هناكَ كلماتٌ تثيرُ ريبتي.
“إذًا، ما الذي يُزعجُكَ فيَّ بالضبطِ؟”
الكلماتُ التي تَبِعتْ ذلكَ من السيدِ لونغهورن جعلتني أُطلقُ ضِحكةً ساخرةً من شدَّةِ الخَيبةِ.
فأنا أساسًا لا أعتبرُ نفسي مَعرفةً لهُ، كما أنَّني لا أملكُ أصدقاءً لأتحدَّثَ إليهم أصلًا…
تخلَّيتُ عن فكرةِ تصحيحِ سُوءِ فَهمِهِ، وانحنيتُ بِهدوءٍ مودِّعةً إيَّاهُ ثمَّ خرجتُ من غُرفةِ الاستقبالِ.
“من هذا الطريقِ.”
تبعتُ الخادمَ مرَّةً أخرى مارَّةً بالأعمدةِ الرخاميّةِ البيضاءِ، وأنا غارقةٌ في التفكيرِ.
‘السيد لونغهورن ليسَ المترصِّدَ، هذا مؤكَّد، لكنَّ المشكلةَ هي أنَّهُ لم يَعُد هناكَ أيُّ مُرشَّحٍ مُحتملٍ.’
“… ‘آلان’ إذًا.”
ظللتُ أُردِّدُ في نَفسي ذلكَ الحرفَ الذي أفلتَ من لسانِ السيدِ لونغهورن.
لا مَفرَّ لي من ربطِ ذلكَ بآلان ليوبولد، فهذا خارجٌ عن إرادتي.
في الواقعِ، أردتُ أن أسألهُ قبلَ قليلٍ، لكن أمامَ السيدِ لونغهورن الذي كانَ يتصرَّفُ بغرابةٍ، لم أستطعْ أن أتصرَّفَ مِثلَهُ؛ لذا تمالكتُ نفسي بصعوبةٍ.
لو، ولو افتراضًا، كانَ آلان هو مترصِّدي—رُغمَ أنَّني لا أعرفُ أيَّ مفتاحٍ يملكُهُ لأعمالِ عائلةِ لونغهورن—، وكانَ قد غضبَ بسببِ إرسالِ السيدِ لونغهورن فُستانًا لي، وحذَّرهُ من التدخُّلِ في أعمالِهِ إذا ارتبطَ بي…
وضعَ ذقنَهُ على كتفي وأسندَ خدَّهُ إلى خدِّي هامسًا:
‘لا بأسَ الآنَ، ميليسا.’
همسٌ من الجنّةِ يكادُ يُذيبُ أذنيَّ.
في حِضنِ آلان ليوبولد الدافئِ، لم يكنْ من الصعبِ عليَّ أن أُدركَ أنَّ هذا حُلمٌ.
لقد مرَّتْ سنواتٌ منذُ أن ظهرَ آلان في أحلامي، رُغمَ أنَّني واجهتُهُ أمامَ المكتبةِ، ورقصتُ معهُ في تلكَ الليلةِ في الحفلةِ الراقصةِ، إلّا أنَّهُ لم يَزرني في منامي.
هل وعيي المُرهقُ من المترصِّدِ هو الذي جعلَ آلان في الحُلمِ يطاردُني؟
“…”
حينَ استقرَّتْ شفتاهُ الرقيقتانِ كالسحابِ على خدِّي، أغمضتُ عينيَّ بسلامٍ.
حينَ فتحتُ عينيَّ مرَّةً أخرى، كانَ الوقتُ فَجرًا باكرًا.
لم أكنْ أملكُ الطاقةَ للحراكِ، أو في الواقعِ، كنتُ أشعرُ بحزنٍ وأسًى لعودتي المفاجئةِ إلى الواقعِ، فظَللتُ أرمشُ بعينيَّ بذهولٍ.
كانتْ حرارةُ صدرِهِ وذِراعيهِ، وملمسُ خدِّهِ الباردِ وشفتاهُ على وجهي، لا تزالُ عالقةً في حواسِّي رُغمَ ضآلتِها.
التعليقات لهذا الفصل " 28"