المترجمة : زوزيتا ✨️
“مِن عائلةِ لِيوبولْد…”
سألت الأمُّ بنبرةٍ غارقةٍ في الحيرةِ وهي جالسةٌ على كرسيٍّ قديمٍ تُطرزُ ثوبًا.
“أقصدُ أنَّهم استولوا على المقهى الذي في وسطِ المدينةِ؟”
كانَ ردُّ فعلِها يشي بأنَّها تسمعُ الخبرَ للمرّةِ الأولى، لكنَّ الأمرَ لم يكنْ مفاجئًا تمامًا.
فالأمُّ لم تكنْ تميلُ إلى الاختلاطِ الاجتماعيّ، بل إنَّها انقطعتْ عن الخروجِ منذُ أنْ غادرَ والدي العاصمةَ.
“أجل يا أمي. مقهى أنتريس. لقدِ استولوا عليهِ في الشهرِ الماضي.”
كنتُ أنا والسيدةُ كيرني نجلسُ عندَ قدميْها، نقومُ بطيّ الغسيلِ الذي جفَّ تمامًا.
“همم، تُرى لِمَ فعلوا ذلك؟ لديهم بالفعلِ عدّةُ مشاريعَ يدوّرونها. مِنَ المثيرِ للدهشةِ أنَّ لديهم وقتًا فائضًا.”
تمتمتِ السيدةُ كيرني بصوتٍ منخفضٍ وهي تنفضُ مفرشَ مائدةٍ أبيضَ كبيرًا؛ لقد كانتْ آخِرَ قطعةِ غسيل.
كانتِ الأمُّ في العادةِ ستنهالُ بالانتقاداتِ التي تقربُ منَ التوبيخِ على ثروةِ عائلةِ لِيوبولْد وجاهِهم، لكنَّها تحدّثتْ الآنَ بنبرةٍ لينةٍ غيرِ معهودة.
“ربما هي مجردُ رغبةٍ في تغييرِ الجوّ.”
“……”
أحيانًا أنسى الأمرَ لشدّةِ شعوري بعدمِ الواقعيّة، لكنْ كلّما رأيتُ تغيّرَ موقفِ أمي، يتجدّدُ داخلي إحساسٌ بمدى عظمةِ الحقيقةِ وهي أنَّ آلان قدْ أنقذَ حياتي.
وعندئذٍ، لا ينفكُّ قلبي يخفقُ بهذا الشكلِ العنيف.
كنتُ أطوي الغسيلَ بهدوءٍ قبلَ لحظات، والآنَ أشعرُ بالخوفِ وكأنَّ قلبي سينفجر.
“مِيل، هلْ عادتْ حُمّاكِ من جديدٍ؟”
عندما رأيتُ ملامحَ القلقِ على وجهِ أمي، أدركتُ أنَّ وجهي قدِ احمرَّ تمامًا كحبةِ طماطمٍ ناضجة.
وبسببِ موجةِ البردِ المستمرةِ منذُ أيام، زادَ قلقُ الأمِّ مِن أنْ أُصابَ بالوعكةِ مجددًا.
تحدّثت إليّ السيدةُ كيرني هي الأخرى بعينينِ قلقتين.
“ميليسَا، لقدِ انتهينا مِنَ الطي، اذهبي للأعلى وارتاحي. شكرًا لكِ.”
“آه، حسنًا.”
نهضتُ بجسدي المترنّح.
على أيِّ حال، عليَّ أنْ أكتبَ الروايةَ حتى المنتصفِ وأرسلها إلى الأكاديميّةِ قبلَ شهرِ مارس، لذا فالأمرُ يشبهُ وقوفَ المرءِ وسطَ حريقٍ مشتعل.
لذا، لا داعي لرفضِ هذا اللطف؛ فالحرارةُ في وجهي الآنَ—بسببِ آلان لِيوبولْد—حقيقيّةٌ جدًا.
“آه، ميليسَا. هلْ أنتِ…”
في تلكَ اللحظة، استوقفتني أمي وأنا أهِمُّ بالصعودِ إلى الدرج.
“المالُ الذي تركتهُ في الخزانةِ…”
أيُّ مالٍ فجأة؟
“…المالُ؟”
كنتُ أعلمُ أنَّ أمي تضعُ المالَ في زاويةٍ داخليةٍ مِنَ الخزانةِ حينَ تحتاجُ لشراءِ الموادِ الغذائيّةِ أوِ المستلزمات، لتأخذهُ السيدةُ كيرني أو جوليا للذهابِ إلى السوق.
“هلْ هناكَ غرضٌ تريدينَ مني شراءهُ؟”
“لا… لا شيء.”
تنهدتْ أمي تنهيدةً صغيرةً ثمَّ خفضتْ بصرَها إلى إطارِ التطريز، فساورني شكٌّ غريب.
في تلكَ اللحظة، لاحظتِ السيدةُ كيرني نظراتِ أمي ثمَّ فتحتْ فمَها بهدوء.
“لقدْ كانتْ هناكَ أشياءٌ كثيرةٌ لنشتريها هذهِ المرة، والمبلغُ كانَ كبيرًا نوعًا ما.”
“وماذا في ذلك؟”
“لذا، حينَ فتحتُ الخزانةَ لأخرجَ غدًا، وجدتها فارغةً…”
شعرتُ بفكّي يسقطُ تلقائيًا.
“…هلْ تقصدينَ أنَّ ذلكَ المالَ قدِ اختفى؟”
“السيدةُ كيرني.”
رنَّ صوتُ أمي الهادئُ في أذني حينئذٍ.
“أنتِ تعلمينَ أنَّ ميليسَا فتاةٌ لا تتذمّرُ حتى مِن مَصروفِها القليل.”
“آه! طبعًا، طبعًا. لم أكنْ أعني أنَّ ميليسَا هي مَن أخذتِ المال، يا سيدة كولينز.”
“……”
غرقتُ في التفكيرِ لبرهة.
مِنَ الصعبِ جدًا تصورُ أنَّ شخصًا ما قدْ زارَ منزلنا—مثلُ السيدِ غريغ الذي يجلبُ اللحم، أو لصٍّ مفاجئ، أو مطاردٍ… أيًّا يكن—قدْ فتحَ البابَ ودخلَ المطبخَ وفتحَ الخزانةَ وسرقَ المال.
مَن قدْ يكونُ غيرَها؟ بالتأكيدِ هي جوليا.
في الواقع، مِنَ الصعبِ التصديقُ أنَّ جوليا قدْ تفعلُ ذلك، فهي ليستْ فتاةً سيئةَ الخُلقِ أبدًا، ونحنُ جميعًا نعرفُ ذلك.
لا أدري ما هو السبب، لكنني شعرتُ بضرورةِ التحدثِ معها.
“……”
أمي والسيدةُ كيرني تفكرانِ في الأمرِ ذاتهِ، وربما تصمتانِ للسببِ ذاته.
في الجوِّ المليءِ بالثقل، تحركتُ بسرعةٍ نحو الطابقِ الثاني.
“لكنْ لماذا جوليا…”
“سأحاولُ التحدثَ معها يا سيدة كولينز.”
سمعتُ حوارَ السيديّتينِ خلفَ ظهري، لكنني تظاهرتُ بعدمِ السماع.
ارتجفَ كتفا المرأةِ كزهرةٍ بريةٍ تتمايلُ في الريح.
“تروي، أنا مدينةٌ لكَ بحياتي.”
“وهلْ يتغيرُ شيءٌ بهذا؟”
كانَ صوتُ الرجلِ مبللًا بالرقة. كانتْ ليلةً ثقيلةَ الهواء، وكأنَّ المطرَ سينهمرُ في أيّةِ لحظة.
“يبدو كلامكَ وكأنكَ ستلبي طلبي.”
“أنا…”
“إنْ كنتِ تنوينَ التعبيرَ عن امتنانكِ لإنقاذي لكِ، فلا بأس. بدلًا مِن ذلك…”
دوى رعدٌ منخفضٌ مِن أفقِ السماءِ البعيدة، وسينزلُ مطرٌ غزيرٌ عما قريب.
همسَ تروي بصوتٍ مغرٍ:
“توقفي عَنِ الهروبِ مني. وإلّا.”
وضعتُ القلمَ فجأةً، وسندتُ ذقني بكفَّيَّ.
‘وإلّا ماذا؟’
إنهُ المشهدُ الذي يطلبُ فيهِ تروي مِنَ البطلةِ—التي لم تدركْ حبَّها بعد—أنْ تتوقفَ عَنِ الفرار، لكن لم تخطرْ ببالي أيّةُ جملةٍ قوية.
كيفَ يمكنُ التعبيرُ عَنْ حبِّ تروي المشتعلِ وشغفهِ للبطلةِ بالكلمات؟
“همم…”
لم أكنْ أتخيلُ أنَّ الأمرَ سيكونُ بهذهِ الصعوبة. حاولتُ تخيلَ الموقفِ بوضعي أنا وتوبياس مكانَهما، لكنني فشلتُ فشلًا ذريعًا.
فحتى لو أصبحتُ حبيبةَ توبي غدًا، فلنْ يكونَ حبنا بهذا العمق، وهذا أمرٌ طبيعيّ.
“لا، بلْ مِنَ الصعبِ العثورُ على حبٍّ بهذا الشجنِ في أيِّ مكانٍ في العالم.”
بعدَ تفكيرٍ طويلٍ دونَ الوصولِ إلى جملةٍ شافية، انغمستُ في أفكارٍ أخرى.
في الحقيقة، منذُ مساء أمسِ وطوالَ اليوم، كانَ هناكَ صوتٌ يترددُ في رأسي دونَ توقف.
جملةٌ واحدةٌ مِن خادمِ مقهى أنتريس، تجعلني عاجزةً عنِ التركيزِ في كتابةِ الرواية.
‘لقدِ استولى السيدُ لِيوبولْد على هذا المكان.’
“ماذا يعني هذا حقًا…”
السيدُ لِيوبولْد مطلقٌ ثلاثَ مراتٍ وهو أعزبُ حاليًا، وهذهِ حقيقةٌ يعرفها الجميعُ في المملكة.
ولكنْ حتى مع ذلك، هلْ يقومُ رجلٌ مِثلهُ بفعلٍ كهذا؟
سواءً كانَ المطاردُ هو إيان لِيوبولْد أو أيَّ شخصٍ آخر، فإنَّ فعلَ الملاحقةِ غيرُ مفهوم، لكنْ أنْ يكونَ هو السيدُ لِيوبولْد؟
“هذا غيرُ منطقيّ.”
بالطبع، حتى لو كانَ شخصًا ثريًا ومرموقًا، لا يجبُ استبعادُ الشكِّ في أنَّه قدْ يرتكبُ مخالفاتٍ أو جرائم. هذهِ قناعتي القديمة.
لكنَّ السيدَ لِيوبولْد، أكبرُ رجلِ أعمالٍ وثريٍّ في المملكة، يلاحقُ ميليسَا كولينز سرًا، ويتركُ أعمالهُ المنشغلة…
“هذهِ قصةٌ قدْ تضحكُ عليها حتى فيولا الغارقةُ في الحزن.”
بشكلٍ موضوعيّ، أنا لستُ بالشخصيّةِ التي تستحقُّ أنْ يلاحقها ذلكَ الرجلُ العظيمُ تاركًا وراءهُ إمبراطوريتهُ التجاريّة. وحتى بشكلٍ ذاتيٍّ الأمرُ كذلك.
التفكيرُ بهذا الشكلِ ليسَ ممتعًا بالنسبةِ لي، لكنَّها حقيقةٌ واضحةٌ لدرجةِ أنَّ التفكيرَ فيها يبدو مضحكًا.
لقدْ وصلتُ إلى استنتاجٍ مفادهُ أنَّها فرضيةٌ غيرُ معقولةٍ وأنَّ التفكيرَ فيها مجردُ مضيعةٍ للوقت.
أما ظهورُ السيدِ لِيوبولْد في المقهى مرتديًا شعرًا مستعارًا أحمرَ فهذا أمرٌ آخر تمامًا… لكنَّها مسألةٌ لنْ أجدَ لها جوابًا مهما فكرتُ وحدي.
لديَّ جبلٌ مِنَ الكتابة، لذا فلنتوقفْ عَنِ التيهِ في متاهةٍ بلا مخرج، يا ميليسَا.
أغمضتُ عينيَّ بقوةٍ وهززتُ رأسي بخفة، ثمَّ أمسكتُ القلمَ بملامحَ جادة.
وفي تلكَ اللحظةِ بالذات.
“…آه، لقدْ خطرتْ لي جملةٌ جيدة.”
بشكلٍ إعجازيّ، خطرتْ لي جملةُ تروي. جملةٌ ستجسّدُ علاقتهما بشكلٍ مأساويٍّ ودراميٍّ للغاية.
“توقفي عَنِ الهروبِ مني. وإلّا…”
كتبتُ الكلماتِ التاليةَ بقلبٍ مرتاح:
“سأقومُ بحبسكِ.”
التقينا في مقهى ليبر، وليسَ في مقهى أنتريس الذي اعتدنا عليه.
رغمَ أنهُ ليسَ بمستوى راحةِ أنتريس ولا تتوفرُ فيهِ الخدمةُ اللطيفة، ولكنْ…
“نعم؟ ما تقولينه هو أنَّ الرجلَ ذا الشعرِ الأحمر…”
ضاقتِ المسافةُ بينَ حاجبي توبي وهو يسمعُ قصتي.
“هو صاحبُ لِيوبولْد، السيدُ إيان لِيوبولْد؟”
“أليسَ كذلك؟ مَن غيرهُ قدْ يفعلُ—”
“لا، ليسَ هذا ما قصدته.”
“……”
“حسبَ علمي، السيدُ لِيوبولْد قدْ تجاوزَ الخمسينَ مِن عمره. لكنَّ الرجلَ الذي رأيتهُ…”
بعثرَ توبياس شعرهُ البنيَّ الفاتحَ الناعمَ بيده، وبدا وجههُ غارقًا في الحيرةِ والارتباك.
“…كانَ شابًا جدًا. لم أتمكنْ مِن رؤيةِ وجههِ بوضوح، لكنني متأكد.”
“لكنهم قالوا بوضوحٍ إنهُ السيدُ لِيوبولْد.”
“ربما… ربما كانوا يقصدونُ الابن.”
“……”
حبستُ أنفاسي تلقائيًا عندَ سماعِ ذلك.
كنتُ متأكدةً تقريبًا مِن أنَّ إيان لِيوبولْد لا يمكنُ أنْ يكونَ هو المطارد، وأنَّ هناكَ سوءَ فهمٍ أو صدفةً ما.
“…تقصدُ اللورد آلان؟”
لكنني لم أضعْ آلان لِيوبولْد في قائمةِ المشتبه بهم على الإطلاق.
آلان؟
أنا لا أفترضُ الآنَ أنَّه ليسَ هو المطارد، بلْ في الحقيقة، لا حاجةَ للافتراضِ أصلاً؛ إذْ لا توجدُ احتماليةٌ مِنَ الأساسِ لأنْ يكونَ آلان هو مَن يطاردني.
“أجل. يبدو أنَّ الأوصافَ تقتربُ منه، ذلكَ… البنيانُ أوِ الطولُ…”
“……”
حكَّ توبياس صدغَهُ بإصبعهِ المسبحةِ وأضافَ بخجل:
“…بالطبعِ لا يمكنُ أنْ يكونَ ذلكَ الرجلُ هو اللورد آلان.”
“أجل، أوافقكَ الرأي.”
أنا أيضًا أفكرُ هكذا بطبيعةِ الحال.
لو كانَ هو المطاردُ حقًا، فهذا يعني أنهُ حينَ رأى ترددي المتزايدَ على مقهى أنتريس، قامَ بشرائهِ فورًا.
ومهما كنتُ أميلُ إلى الخيالِ الواسع، فإنَّ هذا الأمرَ يبدو…
رتبتُ ملامحَ وجهي بسرعةٍ وأكملتُ حديثي:
“في الواقع، هناكَ شخصٌ آخرُ عليَّ التحققُ منه.”
“مَن هو؟”
“إنهُ السيدُ لونغهورن، الشخصُ الذي أرسلَ لي الفستان.”
اهتزتْ حدقتا توبياس السوداوتانِ قليلًا ثمَّ هدأتا ببطء.
التعليقات لهذا الفصل " 26"