المترجمة: زوزيتا ✨️
25
ارتديتُ قميصين أبيضين ناصعين فوق بعضهما، ثم أتبعتُهما بفستانٍ من البوبلين وسترة سبنسر أحكمتُ إغلاقهما.
ومع أنني لففتُ كتفيَّ وظهري بشالٍ صوفيٍّ سميك، فإن جسدي ما إن خرجتُ من المنزل حتى أخذ يرتجف من البرد.
كان هذا اليوم، الذي لَمْ يبقَ من العام سواه القليل، الأشدَّ قسوةً في هذا الشتاء.
ولأنني لَن أرغب في معاودة تلك الحمى اللعينة، شددتُ الشال أكثر وأسرعتُ الخطى.
وقبل أنْ أتجه إلى المقهى في وسط المدينة، مررتُ بمنزل فيولا.
فقد أردتُ أنْ أدعو صديقتي المقرَّبة، الغارقة منذُ عهدٍ قريب في حزنٍ لَمْ تعرفه مِن قبل بسبب فراقٍ عاطفيّ، إلى الذهاب معي إلى “أنتريس”.
في الحقيقة، الانغلاق داخل الغرفة حين الحزن أمرٌ خطر.
ولفيولا، بطبعها المشرق المرح، هو أخطرُ مِن غيره.
وبما أنني أسبقها خبرةً في هَذهِ الناحية، ولأننا صديقتان لا يفصل بيننا شيء، شعرتُ بنوعٍ مِن المسؤولية لأدلَّها على الحل.
إنَّ ما يحتاجه المرء لتجاوز الحزن أبسطُ مما يُظن: صديق، ونزهة، وفنجان قهوةٍ دافئ.
وقد أثبتت تجاربي الكثيرة فاعلية هَذهِ الثلاثة، فلا بدَّ أنْ تُجدي نفعًا.
هكذا قصدتُها وأنا مفعمةٌ باليقين، لكن—
“أنا بخير يا ميل.”
رفضتني فيولا بصوتٍ خشنٍ كأنها ابتلعت رملًا.
“فيولا….”
أيُّ خيرٍ هذا وعيناكِ متورمتان هكذا؟
لكنني، رغم ما جال بخاطري، لَمْ أجد ما أفعله سوى أنْ أقبض على يدها بإحكام.
“فقط… أحتاج بعض الوقت لأفكر وحدي، فلا تقلقي كثيرًا.”
ابتسم نصفُ وجهها الشاحب ابتسامةً واهنة.
كان صوتها لطيفًا، غير أنه لَمْ يُسمعني إلا رجاءً صامتًا بأنْ أنصرف، فاعتصر قلبي ألمًا؛ فقد جئتُ مستعدةً بكتفٍ أُعار، وأذنٍ تُصغي…
بالطبع، قد تمر لحظاتٌ يرغب فيها المرء أنْ يغرق في أفكاره وحده، بلا أيِّ إزعاج.
ومع أنني أدرك ذلك، فإن قلقي عليها لَمْ يكن ليهدأ.
فالأمر يتعلق بفيولا غراهام، صديقتي الوحيدة.
“إن احتجتِ مساعدتي، فأخبريني حتمًا، متى كان ذَلك ومهما يكن.”
“نعم… لكن رؤية وجهك جعلتني أفضل بكثير، شكرًا لك.”
همست فيولا بصوتٍ مبحوح.
ولم يعد لديَّ ما أقوله، فاكتفيتُ بأنْ أضمَّ جسدها الأصغر مني بقليل.
كلُّ ما تمنيتُه أنْ تعود سريعًا إلى بهجتها القديمة.
—
وأنا أشقُّ الهواء المتجمِّد في طريقي إلى المقهى وحدي، ظللتُ غارقةً في أفكارٍ لا تنتهي عن الحب.
ما الحبُّ في حقيقته؟
في الحياة أشياءُ كثيرةٌ ثمينة، لا تقلُّ قدرًا عن الحب.
وربما بدا كلام فتاةٍ في مثل سني مضحكًا، لكنني، وقد ذقتُ الموت مرةً، أستطيع الجزم:
إنَّ مجرَّد كونك حيًّا أمرٌ رائع.
ولهذا، حتى إنْ بدا الواقع تعيسًا موحشًا، فالحياة جديرةٌ بأنْ تُعاش.
ها أنا الآن، لأنني حيَّة، أستطيع أنْ أُعجب بمشهد الشمس المختبئة خلف السحب وهي تنسج خيوطًا فضيةً متلألئة، وأشعر ببرودة الريح وهي تتسلل إلى صدري.
صوت كعبي البالي وهو يطرق حجارة الشارع بدا حرًّا كأنَّه لحنُ رقص، وتموُّج شعري خلفي كان باعثًا على سرورٍ غريب.
إذًا، فالحياة بلا حبٍّ ليست فشلًا.
لا حاجة للبحث عن معنى عظيم، ولا للتعلُّق باعتراف أحد؛ فمجرد وجودي يمنحني قيمةً كافية.
كنتُ في حياتي السابقة كما الآن عاديةً وجبانة، لكن هَذا هو السبب الذي يجعلني أتحمَّل نفسي وأحبها.
“لَن يكون الجهلُ بما يُسمَّى الحب الحقيقي سببًا لحرماني مِن حقِّ الحديث عن الحياة… أليس كذلك؟”
تمتمتُ في الزقاق الخالي بنبرةٍ متذمرة.
فحتى أنا، التي لَمْ تختبر الحب، لا يسعني إنكار عظمته.
الجميع يقول إنَّ الوقوع في الحب يجعل كلَّ لحظةٍ أشبه بالسير فوق الماء، مدهشةً آسرة.
وسمعتُ مرارًا أنَّ الحب هو ما يكشف معنى الحياة.
وفي النهاية عدتُ إلى نقطة البداية.
لقد عرفتُ، ولو عبر حبٍّ من طرفٍ واحد، كيف يمكن للإنسان أنْ يتأرجح بين الدموع والسعادة مراتٍ عدة في اليوم.
إنه أشبه بالسحر، حتى لو لَمْ يكن تجربةً مبهجة تمامًا.
لكن ما الإحساس الذي يجعلك تدرك سبب ولادتك؟
ذاك أمرٌ أعجز حتى عن تخيله.
“الحب…”
مِن كلِّ ما رأيتُ وسمعت، خطر لي فجأة أنَّ الحب ربما يشبه بحرًا عميقًا؛ شيءٌ مطلق يفيض هيبةً وجمالًا، ويجبرك على التواضع أمامه.
وفي الوقت نفسه، إنْ غصتَ فيه أكثر مما ينبغي، قد يبتلعك، فتفقد نفسك إلى الأبد.
لكن إنْ كان ذَلك هو الحب حقًّا، أفلا يكون مقبولًا أيضًا؟
فإنْ ضللتُ الطريق داخله، فقد يكون ذَلك أتمَّ أشكال السكينة.
أم لعلَّ العكس هو الصحيح؟
قد يدفعك ذاك الفيض من السعادة، أو ذاك القلق الجحيمي، إلى الجنون…
“…هاه؟”
حين انتبهتُ، وجدتُ نفسي أمام “أنتريس”.
كنتُ قد قطعتُ مسافة ساعةٍ كاملة دون أنْ أشعر بالبرد.
أنشغل بالتفكير في الحب وأنا في طريقي لكشف هوية ذلك المطارد البغيض…
“….”
يا له مِن ترفٍ لا يُغتفر.
—
كان النادل، بقميصه الأبيض الذي لا تشوبه تجعيدة، وستره السوداء، وشعره المصقول بعناية، يبدو مرتبكًا.
وهذه المرة الثانية التي أفاجئه فيها.
“تقولين إنَّ لديكِ… ما تودين سؤالي عنه؟”
كان في أثناء عمله، لكنني قررتُ أنْ أستند إلى ما أبداه لي مِن لطفٍ سابق.
“نعم.”
وفوق ذَلك، لم أستطع استبعاد احتمال كونه المطارد، فساورني قلقٌ مِن لقائه خارجًا.
“لَن يستغرق الأمر طويلًا، لذا إنْ جلستَ أمامي لحظة…”
كانت شوارع فلورين، تحت وطأة الصقيع، شبه خالية، وكذلك المقهى.
ظننتُ أنه سيوافق بسهولة، لكن—
“أعتذر، لا أستطيع، آنستي.”
“آه….”
توقفت أفكاري كلها أمام حزمِه غير المتوقع.
لماذا يرفض؟ أيمكن أنه حقًّا…؟
حينها أضاف:
“أنا على رأس عملي الآن، ومرتدٍ الزيَّ الرسمي.”
“….”
“حتى لو كان الزبائن قلائل، فذلك لا يليق. لكن يمكنني الاستماع إليكِ وأنا واقف.”
لم أملك إلا أنْ أرمش حائرةً أمام كلماته الخارجة عن كلِّ توقع.
“إنْ كان الحديث حساسًا، فتكلمي بخفوت، وسأنحني لأسمعك.”
عندها أدركتُ حدسيًّا أنَّ هَذا الرجل ليس المطارد.
وسط عزف البيانو الرقيق، دار بيننا حديثٌ هادئ.
ظلَّ مصغيًا بانتباهٍ وأنا أروي حادثة المطاردة، يومئ حينًا ويستفهم بدهشةٍ حينًا آخر.
بدا مذهولًا مِن شبهةٍ كهذه، لكنه ما إن سمع التفاصيل حتى تفهَّم موقفي.
“إنْ كنتُ قد أسأتُ إليك، فأنا حقًّا أعتذر…”
“…أتفهم، آنستي. لا بدَّ أنكِ كنتِ خائفة. بل أودُّ أنْ أنفي عن نفسي ذَلك بوضوحٍ أكبر إنْ كان فيه ما يخفف قلقك.”
نظر إليَّ بعينين رماديتين صافيتين؛ لم ألمح فيهما كذبًا، بل قلقًا صادقًا.
“كما تعلمين، أنا هنا معظم أيام الأسبوع. آه، ولديَّ حبيب أيضًا… وللعلم—”
“ليس امرأة.”[زوز: وجه ميليسا من قال لها 🤡🤡]
قالها بخفوت، فاتسعت عيناي دهشةً.
لم أتوقع أنْ يكشف جانبًا شخصيًّا قد يُعدُّ نقطة ضعف، فقط ليطمئنني.
“آه…!”
لكن ردة فعلي لم تكن لائقة، فسارعتُ إلى ضبط ملامحي.
“…أفهم.”
“إنْ كنتِ قلقةً إلى هَذا الحد، فهل تسمحين لي بالمساعدة؟”
“ماذا…؟ ولماذا؟ بل كيف؟”
ابتسم بهدوءٍ وأنا أُظهر دهشتي كاملة.
“أنتِ زبونةٌ دائمة، وليس ما يمنعني، بوصفي أحد العاملين هنا، مِن مساعدتك.”
“آه….”
“إنْ أخبرتِني بأوصاف المطارد الذي ظهر هنا، فسأبقيه في ذهني وأراقب. كما قلتُ، أقضي معظم وقتي في هَذا المكان.”
لم يكن لديَّ سببٌ للرفض، فبادرتُ قائلةً:
“له شعرٌ طويلٌ أحمر قانٍ.”
“آنستي.”
قطَّب النادل حاجبيه قليلًا.
“ذلك الشخص ليس مطاردًا. إنْ كنتِ تقصدين الآنسة التي سألتِني عنها سابقًا—”
“…لا، ليست تلك السيدة.”
يا له مِن إحياءٍ مفاجئ لذكرى حبي من طرفٍ واحد.
تملكني بعضُ الدوار، لكنني تابعت:
“المطارد رجل، طويل القامة، يرتدي غالبًا الأسود، وليس رثَّ الهيئة.”
“رجلٌ طويل بشعرٍ أحمر.”
تمتم، ثم رفع بصره إلى الثريا لحظةً قبل أنْ ينظر إليَّ.
“أظنني أعلم مَن تقصدين، لكن…”
“…تعلم؟”
اتسعت عيناي إلى أقصاهما.
غير أنَّ ملامحه بدت معقدة.
“حتى لو كان حقًّا المطارد… فسيصعب عليَّ موافقتك.”
“لماذا؟”
“لأنه مالكُ هَذا المكان.”
“المالِك…؟”
ذلك الرجل ذو الشعر الأحمر هو مالك مقهى “أنتريس”؟
لم أستطع سوى تحريك شفتيَّ بذهول، كأنَّ ضربةً أصابت رأسي.
“صحيح أنه يأتي أحيانًا بتلك الهيئة، لكننا نعامله كأيِّ زبونٍ عادي، بناءً على طلبه.”
“….”
“وبالطبع، لا يوجد ما يدعو لاعتباره مطاردًا.”
لم أفهم مِن أين يستمدُّ هَذا اليقين؛ أيُّ شخصيةٍ عظيمة يملكها مالك “أنتريس”؟
“ومَن هو؟”
“آه… ألا تعرفين؟”
قالها متعجبًا.
“مع أنه اشترى “أنتريس” الشهر الماضي فحسب، إلا أنَّ الأمر أثار ضجةً، فظننتُ أنكِ سمعتِ به.”
“لم أسمع.”
ولم أعد أعبأ بمدى انعزالي اجتماعيًّا—بل إنني، في الآونة الأخيرة، حبستُ نفسي في المنزل خوفًا مِن الخروج.
لا شيء أخجل منه الآن.
“لذا… هل تخبرني؟”
“…إنه مِن عائلة ليوبولد، آنستي.”
لكن إجابته لم تكن أيَّ احتمالٍ خطر لي.
“السيد ليوبولد هو مَن استحوذ على هَذا المكان.”
المترجمة: زوزيتا ✨️
التعليقات لهذا الفصل " 25"