أوّلًا، توبياس رأى المُطارد بنفسه، بل ذُكر اسمه في رسالة التهديد، لذا يستحيل أنْ يكون هو.
مُستبعَد.
أمّا السيّد غريغ، الجزّار، فهو مُبلِّغٌ عن المُطارد، وفوق ذلك لا يملك أصلًا وقتًا ليتعقَّبني؛ إذ يتولّى الذبح والتوصيل بنفسه، وهو من أكثر الناس انشغالًا في فلورين، لذا مُستبعَدٌ أيضًا……
التالي جايكوب.
إنّه من أهل بيكام.
صحيحٌ أنّه يقصد العاصمة أحيانًا عند إقامة الفعاليّات الاجتماعيّة، لكنّه في عطلة نهاية الأسبوع التي ظهر فيها المُطارد كان مع فيولا في بيكام بلا ريب.
عذرٌ محكم، إذًا مُستبعَد.
فمَن بقي إذًا؟
“……مالكوم لونغهورن، ونادل أَنْتريس.
اثنان فقط.”
السيّد لونغهورن أرسل فستانًا باهظ الثمن بسبب خطأ ارتكبه، رغم أنّي أوضحتُ أنّ الأمر لا يستدعي ذلك.
وربما لم تكن تلك مجرّد لفتةٍ لطيفة.
وحين أفكّر الآن في أنّه قبض فجأةً على معصمي واقتادني إلى الشرفة في الحفل، يبدو الموقف غريبًا على نحوٍ ما.
سمعتُ أنّ عائلته تُدير عملًا ذا حجمٍ لا يُستهان به.
وهذا يتوافق تقريبًا مع فرضيّتي؛ ثروةٌ تكفي لشراء الذمم بسهولة، ونفوذٌ يُمكِّنه من معرفة أرجاء العاصمة كلّها.
“قد أحتاج إلى لقائه مرّةً أخرى.”
عندما التقينا في المسرح الوطني كنتُ مُرتبكةً للغاية، وما إن تأكّدتُ أنّه ليس آلان حتى ارتحتُ، فلم أتمعّن فيه كما ينبغي؛ أعني نظراته إليّ، وتعابير وجهه الدقيقة.
وكانت هديّته مُثقِلةً عليّ إلى حدٍّ كبير، لذا إنْ اتّخذتُ من رغبتي في شكره مباشرةً ذريعةً، فسيكون لديّ سببٌ كافٍ للقاءٍ آخر.
طبعًا، إنْ كان هو المُطارد فعلًا فذلك غايةٌ في الخطورة، لكن إنْ أخذتُ هذا الاحتمال في الحسبان عند لقائنا، فأظنّ أنّي سأستطيع تمييز ما إنْ كان هو أم لا فورًا.
وسيكون اختيار زمانٍ ومكانٍ آمنَين هو بيت القصيد.
“التالي…….”
نادلُ مقهى أَنْتريس.
لدى أَنْتريس عدّة عمّال، لكن ثمّة واحدًا تعرّفتُ إليه على نحوٍ خاص؛ رجلٌ بشَعرٍ أشقر مصفوفٍ بعناية إلى الخلف، وعينين رماديّتَين باهتتَين.
ولعلّه بفضل مهنيّته الصارمة، لكنّه لطيفٌ معي على نحوٍ لافت.
بل إنّ وجوده أحد أسباب ذهابي المتكرّر إلى أَنْتريس.
ومهما يكن الأمر مجرّد عمل، فليس من السهل أنْ تجد شخصًا بذلك القدر من اللطف والرِّقّة.
لذا…… فهذا سببٌ كافٍ للارتياب.
وليس الشكّ في اللطف أمرًا لا يُمرّ، لكن ذكر أَنْتريس صراحةً في رسالة المُطارد ما يزال يُقلقني.
أليس في ذلك نيّةٌ لإبقائي ضمن مجال رؤيته ما أمكن؟
بل إنّ صلة المُطارد بذلك المكان وثيقةٌ إلى حدٍّ يجعلك تظنّه مُقيمًا فيه؛ فقد رآه توبي هناك، وهناك أيضًا تبادلنا الحديث عن نيو ديتش والروايات.
‘……أتقصدين أنّكِ تتعرّضين للمُطاردة؟’
وربما كان أخذه حديثي —الذي قد يبدو سخيفًا— على محمل الجدّ جزءًا من الأمر كلّه……
“…….”
لا مفرّ من المواجهة المباشرة، على ما يبدو.
فالنادل يمكن لقاؤه دون تحديد زمانٍ أو مكانٍ أصلًا؛ بل حتى غدًا.
رسمتُ دائرةً كبيرة حول عبارة “نادل أَنْتريس”.
في الحديقة الداخليّة لقصر ليوبولد الكبير، كانت شتّى الأزهار تتفتّح كأنّها أنست المكان تعاقب الفصول.
مونيكا إلوود، قريبةٌ بعيدة لآل ليوبولد، سبق أنْ قدّمها له آلان حين كانا صديقين حديثًا.
ورغم أنّ الأمر ليس حديثًا، فقد تناول الثلاثة الطعام معًا عدّة مرّات.
لكن آلان نفى قاطعًا:
“إنّها من العائلة.”
“قريبةٌ بعيدة، فما المشكلة؟
إنّها جميلة.
ويبدو أنّها أثارت ضجّةً في السوق مؤخرًا، فلا تُنكر.”
وأضاف بنبرةٍ لينة:
“ماكرةٌ بحق.”
وضع آلان فنجانه بقعقعة، وقد تجمّد وجهه البارد كخزفٍ أبيض.
“ألن تُخبرني سرًّا؟
الفضول يكاد يقتلني، يا سير آلان.”
“كفّ عن هذا الهراء، فقد أغضب.”
“لا بدّ أنّك تُخفي شيئًا شهيًّا.
حتى إنّي لا أنام ليلًا.”
ضحك الأمير مطوّلًا كأنّه يمزح، لكن بإلحاحٍ لا يوحي بالتراجع.
إنْ لم يُهدّئه على الأقل، فسيتأخّر عودته إلى العمل أكثر.
أطلق آلان تنهيدةً واهنة وعدّل ربطة عنقه البيضاء قائلًا بلا اكتراث:
“اكتسبتُ هوايةً جديدة فعلًا.”
كان ربّ الأسرة، شديد التدقيق والارتياب، قد عهد إلى ابنه بإدارة أعمال العائلة.
وفوق ذلك، كان آلان على وشك إطلاق مشروعه المستقلّ الأوّل لإثبات كفاءته.
لم تكن الرفاهيّة يومًا من نصيبه، لكن انشغاله هذه الأيّام بلغ حدًّا غير مسبوق؛ إذ يُدير بين الاستعداد للمشروع والمهام القائمة جدولًا قاتلًا بعزيمةٍ لا تلين.
لم يكن بنتلي ليعلم شيئًا من ذلك، فاستبشر فورًا:
“هذا خبرٌ سار!
الانغماس في العمل وحده ليس جيّدًا.
لا بدّ من بعض الترفيه.”
لم يكن ذلك ممّا يليق بقائلٍ يُلقي بأعبائه كلّها على كبير الخدم والمستشار، لكن آلان أجابه بقدرٍ من اللباقة:
التعليقات لهذا الفصل " 24"