انساب اسم ديفيد من بين شفتي إميليا مرة أخرى. كان صوتاً خافتاً بدا وكأنه زفرة ألم.
وفي اللحظة التالية:
“ديفيد……!”
صرخت باسمه عالياً وبدأت بالركض.
“إميليا……!”
نادتها رانيا بذهول، لكن إميليا لم تسمع شيئاً.
لم تكن ترى عيناها سوى تلك الحمالة التي تتحرك نحو غرفة العمليات.
“آنسة، احذري!”
“إميليا… هذا خطر……!”
صاح بها الناس الذين كادت تصطدم بهم وهم يتفادونها بصعوبة.
لكنها لم تتوقف، بل استمرت في الركض فقط.
‘ديفيد. ديفيد. ديفيد.’
لم يملأ عقلها سوى اسمه.
وصلت أخيراً إلى الحمالة وهي تلهث بشدة وقد انقطع نفسها تقريباً.
“ديفيد……!!”
صرخت باسمه بأعلى صوتها وتشبثت بالحمالة.
كان الرجل المستلقي عليها في حالة يرثى لها من شدة الإصابة.
بسبب الركض، ملأت الدموع عينيها فلم تعد ترى وجه الرجل بوضوح. وما إن أسقطت تلك الدموع المنهمرة من عينيها الزرقاوين، حتى بان لها وجه الرجل المصاب.
لم يكن الرجل ديفيد كاروين.
شعرت إميليا بقوتها تخور وسقطت جالسة على الأرض.
توقف الأشخاص الذين كانوا ينقلون الحمالة بذهول أمام اندفاعها، لكنهم سرعان ما أدركوا أنها أخطأت الظن وتابعوا حركتهم نحو غرفة العمليات.
أما رانيا التي ركضت خلفها، فقد ساندت إميليا الجالسة على الأرض لتنهض.
“هل أنتِ بخير؟!”
“راني…….”
“هل هو الدوق؟”
“لا… لم يكن هو.”
“حقاً؟ يا للرحمة! لقد نزل شخص شعره شديد السواد فظننت أنا أيضاً أنه الدوق وفزعت حقاً. هيا، فلننهض أولاً.”
ساعدت رانيا إميليا التي كانت تجد صعوبة في الوقوف، وأخذتها بحذر إلى داخل مبنى المستشفى الميداني.
“هناك جنود من بيلتيت استسلموا لنا، ولكن عندما فعلوا ذلك، قام جيش بيلتيت بمهاجمتهم بدلاً من حمايتهم. المصاب الذي رأيتِه كان واحداً من أولئك الجنود الذين استسلموا.”
شرحت رانيا الأمر لإميليا بعد أن خرجت لاستطلاع الوضع.
ثم قدمت لها كوباً من الشاي الدافئ الذي أعدته للتو.
“تفضلي. هل أنتِ بخير؟”
سألت رانيا إميليا باهتمام.
“أجل.”
أجابت إميليا وكأن شيئاً لم يكن.
لكن ملامح رانيا ازدادت جدية.
“هل أنتِ متأكدة من أنكِ بخير؟ يداكِ لا تزالان ترتجفان.”
عند سماع ذلك، خفضت إميليا بصرها لتنظر إلى يديها.
حينها فقط أدركت أنها لم تتوقف عن الارتجاف منذ اللحظة التي رأت فيها ذلك الرجل المحمول.
حاولت الإمساك بكوب الشاي الذي قدمته رانيا، لكن الارتجاف لم يتوقف.
بعد محاولات فاشلة، تخلت عن الأمر في النهاية وأطلقت تنهيدة خفيفة.
“لا فائدة. من الأفضل أن أعود فحسب.”
“يمكنكِ الاستراحة أكثر، لا بأس.
الجميع سيتفهم وضعكِ. سأقوم بعملكِ بدلاً منكِ، فاستريحي قليلاً ثم اخرجي.”
“لا.”
بينما كانت إميليا تجيب، دوي صوت مدفع ضخم للغاية في البعيد. صمتت إميليا لبرهة وقطبت حاجبيها قليلاً، ثم تابعت كلامها:
“أعتقد أن العودة للعمل ستجعلني أتحسن أسرع. لنخرج معاً.”
كان تخمين إميليا في محله؛ فبمجرد عودتها تحت الخيمة وانغماسها في العمل بجنون، اختفى ارتعاش يديها دون أن تلاحظ متى حدث ذلك.
المشكلة كانت في أن ديفيد كاروين بدأ يقتحم عقلها فجأة وبشكل متكرر.
ذلك الرجل الذي وعد بإحضار والدتها الحقيقية، أين هو الآن يا ترى؟
كان التساؤل عن مكانه يراودها بين الحين والآخر من قبل.
وفي تلك المرات، كان العمل الشاق كفيلاً بطرد التفكير فيه.
أما الآن، فمهما بلغت شدة انشغالها، لم تكن قادرة على إزاحة فكرته من رأسها تماماً. بل إن صورة المصابين والجرحى كانت تتركب فوقها باستمرار صورته هو وهو مصاب بجروح بالغة، مما اضطر إميليا في النهاية للتوقف عن العمل والخروج من الخيمة مرة أخرى.
كانت تنوي فقط تغيير جوها قليلاً، لكن بمجرد سماعها لأصوات الصياح المتبادل وأنين المتألمين من كل جانب، شعرت فجأة بصعوبة في تحمل كل هذا.
عادت إلى داخل مبنى المستشفى الميداني وبدأت تمشي بلا هدف بحثاً عن مكان خالٍ من الناس.
كان المبنى يعج بالناس أيضاً، فتوغلت أكثر نحو الداخل بحثاً عن الهدوء.
وبعد فترة من المشي، رأت باباً يؤدي إلى حديقة داخلية صغيرة محاطة بالجدران من كل جانب ومفتوحة فقط من الأعلى نحو السماء. وما إن خطت قدماها داخل الحديقة، حتى أطلقت زفرة طويلة مفعمة بالألم.
“آه……”
كانت أشعة الشمس التي تلامس وجهها حارقة. رفعت يدها لتغطي وجهها، وفجأة أدركت أن الدموع كانت تنساب على وجنتيها.
“ماذا دهاكِ؟ أنا… لماذا أبكي……؟”
تمتمت بذهول حقيقي.
لكن الدموع لم تتوقف مهما حاولت كبحها. وفي النهاية، انفجرت إميليا بالبكاء بصوت عالٍ دون أن تدرك حتى سبب بكائها.
‘يبدو أن مكروهاً قد أصابه.’
أخيراً، هجمت عليها هذه الفكرة كالموج العارم.
طوال تلك الفترة، كانت تؤمن بلا أساس بأنه سيكون بخير.
‘كيف استطعتُ تصديق ذلك……؟’
يبدو أنها كانت تعيش وهماً صنعته لنفسها لأنها لن تحتمل ألا يكون بخير.
لكن ذلك الوهم كان يتصدع الآن بشدة.
‘أجل، لا بد أن مكروهاً قد أصاب ديفيد.’
فكرت في ذلك وهي تبكي وتجد صعوبة في التنفس.
لكن لماذا كان هذا الأمر يصعب تحملُه إلى هذا الحد؟
تساءلت إميليا لبرهة ما إذا كان السبب هو تلك المرأة التي وعد ديفيد بإحضارها؛ احتمال كونها والدتها الحقيقية.
وبما أنها كانت تحمل أملاً في لقاء والدتها، فربما كانت تبكي خوفاً من أن يكون قد أصابها سوء، ولهذا لا تتوقف دموعها.
ولكن بعد فترة وجيزة من هذا التفكير، أدركت إميليا أن تلك الفكرة لم تكن سوى خداع للنفس.
أن لا تتوقف دموعها خوفاً على أم لم تكن تظن يوماً أنها على قيد الحياة… يا له من هراء.
لقد كانت تبكي بسبب ديفيد كاروين.
خوفاً من أن يكون قد أصابه سوء.
“هل لا تزالين تحبين ذلك الرجل؟”
سألت نفسها بنبرة لائمة وهي تمسح دموعها بخشونة.
ومع ذلك، لم تستطع التوقف عن البكاء.
ظلت صورته وهو مصاب بجروح بليغة ترتسم في مخيلتها، فلم تستطع كف بكائها.
شعرت بمدى تفاهتها.
أن تظل تحب ذلك الرجل بعد كل شيء……
“هو لا يحبكِ، أيتها الحمقاء.”
بالطبع، بدا وكأنه يحمل تجاهها بعض المشاعر الخاصة، وإلا لما ارتسمت على وجهه تلك الملامح وكأن العالم قد انتهى عندما تعرضت هي للحادث.
وهي نفسها، لم تكن لتختار طريق الموت بدلاً من قتله للانتقام منه لو لم يكن الأمر كذلك.
لكن تلك المشاعر الخاصة التي يملكها لا تختلف في النهاية عن حب التملك.
لقد كان رجلاً اعتاد الحصول على كل ما يريد.
ربما أراد فقط إخضاعها تماماً، هي التي اقتربت منه لخداعه.
من في هذا العالم قد يحبس من يحب حقاً، ويعامله بقسوة، ويكذب عليه بشأن موت عائلته؟
علاوة على ذلك، فقد وصل به الأمر حد الاشمئزاز منها.
عند التفكير في ذلك، توالت ذكريات اللحظات التي تصرف فيها بقوة، فشعرت إميليا مرة أخرى وكأنها بائعة هوى.
كان ذلك شعوراً يراودها بين الحين والآخر منذ أن أظهر اشمئزازه منها، ومنذ أن تصرف معها بقسوة.
تلك الجروح التي أصابت قلبها حينها لا تزال لم تلتئم بعد.
لم تكن تستطيع تعريف مشاعره تجاهها بوضوح.
لكن المؤكد أن حقيقة تلك المشاعر لم تكن حباً على الأقل. وقبل أي شيء آخر، لم يسبق له أن نطق بكلمة “أحبكِ” أمامها قط.
عند التفكير في ذلك، ازدادت لوعتها وانهمرت دموعها بغزارة أكبر.
‘انظري… أخبرتكِ أنه لا يحبكِ.’
كما أنه، منذ أن التقيا مجدداً، أصبح يناديها بـ “إميليا” بدلاً من “ليا”.
آلمها كبرياؤها بشدة لأنها كانت تهتم بمثل هذا التفصيل.
ويبدو أن اهتمامها بذلك كان دليلاً على أنها لا تزال تحبه.
‘فلأستفق.’
فكرت في نفسها.
إذا أحبته، فستكون هي من يتأذى في النهاية؛ لأنه رجل لا يعرف كيف يحب.
لكن دموعها العاصية لم تتوقف.
أدركت أنها لا تزال قلقة عليه حتى الآن.
‘هل هو بخير…؟’
ظلت صورته وهو مصاب ترتسم بوضوح في عقلها.
كراهيتها له شيء، ورغبتها في التأكد من سلامته شيء آخر.
لا، بل دعكِ من سلامته….
هل هو على قيد الحياة أصلاً؟
جلست إميليا على أحد الصناديق الخشبية المتراكمة وهي تشعر بأنها ستفقد صوابها، وانفجرت بالبكاء كمن ينوح على ميت.
كم مضى عليها وهي تبكي هكذا؟ فجأة، لامس شيء ناعم يديها اللتين كانت تغطي بهما وجهها تماماً.
توقفت إميليا عن البكاء بذهول، وحاولت التقاط أنفاسها لبرهة، ثم باعدت بين أصابعها بحذر لترى ما الذي لامس يدها.
كان ما لامس يدها منديلاً.
‘من هذا……؟’
لا بد أن وجهها في حالة مزرية.
شعرت بالخجل من رفع رأسها، فأخذت المنديل وهي لا تزال تخفض رأسها دون أن تعرف من الذي قدمه لها.
التعليقات لهذا الفصل " 88"