لكن ديفيد ألقى نظرة خاطفة نحو رانيا ثم صمت، وكأنه لا يستطيع التحدث عن التفاصيل أمام شخص آخر.
شعرت إميليا بالاختناق من شدة الفضول.
فبعد أن ظنت طوال هذا الوقت أن تشارلز قد مات، لم يعد بوسعها التفكير في أي شيء آخر سوى حقيقة بقائه حياً. حاولت إميليا مرة أخرى مطالبة ديفيد بتفسير لائق.
في تلك اللحظة، صرخت رانيا في وجه إميليا بنبرة مرتفعة:
“ليا… يقول إن تشارلز على قيد الحياة……!”
لقد سمعت هي الأخرى الكلام.
ألم تكن تطالب ديفيد بتفسير لأنها لم تصدق ما سمعت؟ في تلك اللحظة كررت رانيا نفس الكلمات:
“ليا، يقول إن تشارلز حي…!”
ورغم أنها لم تتبعها بسؤال ‘ألا يجب أن نذهب لنتحقق بأنفسنا؟’، إلا أن السؤال كان يكمن بين طيات كلماتها.
بدا أن رانيا، التي سمعت خبر بقاء الأمير آرثر بيري على قيد الحياة، قد عقدت عزمها بالفعل على اتباعه.
أما إميليا، فقد شعرت بقلبها يتذبذب عند سماع خبر بقاء تشارلز حياً.
“هل تشارلز حي حقاً……؟”
سألت إميليا ديفيد بنظرة ملؤها الشك. أومأ ديفيد برأسه دون تردد.
“تشارلز شعره أحمر. ولون عينيه هو….”
“أعرف. إنه أزرق.”
قاطع ديفيد كلام إميليا.
بدا وكأنه يعرف تماماً من هو تشارلز.
وفي النهاية، قررت إميليا اتباع ديفيد من أجل لقاء تشارلز.
*********،
“لم أعد شيئاً مميزاً، ولكن تفضل بالأكل.”
قالت رانيا وهي تضع طبقاً من الحساء أمام ديفيد.
كان قولها بأنها لم تعد شيئاً مميزاً هو الحقيقة بعينها.
فالحساء الذي كان المرء يتمنى لو يجد فيه قطعة واحدة من اللحم المقدد لم يظهر فيه سوى قطع الطماطم، ولم يكن هناك طعام آخر سوى قطعة كبيرة من خبز التوست كانت قد اشترتها من الخارج للتو.
كان الثلاثة، الذين قرروا الرحيل إلى آيلون صباح الغد، يتناولون طعامهم معاً الآن.
“ما رأيكن أن نخرج لنأكل بدلاً من هذا؟”
سأل ديفيد إميليا وهو يقلب الحساء الخفيف بنظرات حادة.
تهلل وجه رانيا التي لم تأكل جيداً منذ فترة طويلة.
لكن إميليا قالت بحزم وبتعبير ينم عن عدم الرضا:
“لا أريد أن أكون مدينة لك بفضل.”
“إذاً يمكنكِ أنتِ أن تدفعي الثمن.”
عندما قال ديفيد ذلك بمزاح، رفعت إميليا حاجبيها.
ألم يلحظ حالتهما المادية حتى بعد رؤية هذا الحساء؟
هل كان يلقي بهذا الكلام كمزحة الآن؟
نظر ديفيد إلى إميليا، حتى وهي غاضبة، بنظرة حانية، ثم قطع قطعة كبيرة من الخبز ووضعها في طبق حساء إميليا.
لقد اشتاق إليها حتى وهي تغضب هكذا.
راقبت رانيا ديفيد وإميليا بعينين خضراوين تلمعان بالفضول.
وجهت إميليا كلامها بحدة لديفيد:
“سآكل بنفسي.”
“افعلي ذلك من الآن فصاعداً. قبل قليل، شعرت أن الخبز سيختفي قريباً.”
قال ديفيد ذلك مشيراً برأسه نحو رانيا.
رانيا، التي كانت قد اشترت الخبز بنفسها لأجل ديفيد الذي أنقذ الأمير، كانت قد بدأت تأكل بنهم وكأنها فقدت صوابها لأنها لم ترَ خبزاً طازجاً منذ مدة، فابتسمت بإحراج بعد أن كشف أمرها.
اعتذرت بابتسامة تطلب العذر:
“ليا، لقد مر وقت طويل. منذ آخر مرة اشترينا فيها خبزاً جيداً كهذا……”
كان ذلك صحيحاً. لم يكن شراء خبز جيد فقط هو ما مر عليه وقت طويل، بل حتى قيام رانيا بالطهي كان أمراً نادراً.
التغيير الذي أحدثه الخبر الذي جلبه ديفيد كاروين لرانيا كان أمراً ساراً بالنسبة لإميليا أيضاً. راقبت إميليا رانيا وهي تأكل نصيبها من الخبز بسرعة لبرهة، ثم أكلت الخبز الذي وضعه ديفيد لها.
لم يغفل ديفيد مراقبة إميليا وهي تأكل.
لم يغادر ديفيد منزل إميليا حتى بعد انتهاء الطعام. في النهاية، لم تستطع إميليا الاحتمال أكثر وانفجرت غضباً:
“لقد سمحنا لك بالأكل هنا. إذاً عليك الذهاب للنوم في مكان آخر!!”
لكن ديفيد كان عنيداً:
“ماذا لو حدث شيء ما؟ هل نسيتِ ما حدث في وقت سابق اليوم؟”
“ذلك الرجل قبضت عليه الشرطة!”
“كيف نعرف إن كان هناك واحد آخر أو اثنان مثله في هذا المبنى! إذا كنتِ تكرهين وجودي هنا، فتعالي معي إلى الفندق إذاً!”
“ولماذا أقبل بفضلك عليّ؟!”
“إذا كنتِ ستستمرين في هذا العناد، فلا تطرديني من هنا!!”
جلست رانيا على الأريكة محتضنة وسادة قديمة تشاهد شجارهما. فكرت في أن الأمر كان سيكون مثالياً لو وجد بعض الفشار.
بما أنها بدأت تفكر في كسب المال لشراء الفشار، فمن الواضح أن خبر بقاء الأمير حياً الذي جلبه الدوق قد أعاد لها إرادة الحياة. كما أن قدرة إميليا على الشجار بقوة كانت دليلاً على أن خبر بقاء تشارلز حياً قد منحها القوة.
“أنت حقاً تفعل ما يحلو لك، لم يتغير فيك شيء. افعل ما تشاء!!”
أغلقت الباب بقوة ودخلت غرفتها.
نهضت رانيا بسرعة من الأريكة وركضت نحو باب الغرفة وحاولت تدوير المقبض. يا للأسف، كان الباب مغلقاً.
طرقت الباب بلطف وسألت إميليا بصوت يثير الشفقة:
“ليا، لا تقولي لي أنكِ ستتركينني… وحدي مع سفاح بيلتايت……؟”
“…….”
“افتحي، أنا خائفة……”
بعد قليل….
‘طقطقة’، سُمع صوت فتح القفل.
دخلت رانيا التي كانت تتصنع الشفقة بسرعة إلى الغرفة قبل أن تغير إميليا رأيها.
راقب ديفيد اختفاء رانيا بنظرة تعبر عن الذهول.
فمنذ قليل كانت تنظر إليه كمنقذ لأنه يحمي الأمير.
لم يتوقع أن تتظاهر بعدم معرفته هكذا بمجرد أن غضبت الأخرى……
بينما كان ديفيد يفكر فيما إذا كان عليه العودة للفندق حقاً، فُتح باب الغرفة وخرجت يد لتلقي بطانية على الأرض.
التقط ديفيد البطانية التي تركتها رانيا قبل اختفائها وهو يطلق ضحكة خافتة من أنفه.
“إذاً، إميليا بلير… ليس كل من حولها ضدي تماماً؟”
ارتسمت على شفتي ديفيد ابتسامة حقيقية لأول مرة منذ وقت طويل.
فرشت رانيا البطانية على الأرض واستلقت. حثتها إميليا من فوق السرير:
“لا تفعلي ذلك، اصعدي إلى هنا. الأرض باردة جداً للنوم هناك.”
لقد تركت الأريكة التي تستخدمها عادة لديفيد. كانت إميليا قلقة على رانيا.
لكن رانيا هزت رأسها بحزم:
“لا يمكن. سيكون الأمر مشكلة إذا ركلتُ بطنكِ وأنا نائمة.”
“سأنتبه أنا.”
“وهل هذا أمر يمكن حله بانتباهكِ أنتِ؟ لا تقلقي عليّ. وأنا اليوم أشعر بطاقة أكبر من أي وقت مضى.”
يبدو أن كلامها كان حقيقياً.
فقد كانت عينا رانيا الخضراوان لا تزالان تلمعان كما كانتا عندما سمعت خبر بقاء الأمير حياً لأول مرة.
تفرست إميليا في عيني رانيا الخضراوين اللامعتين لبرهة، ثم تنهدت بهدوء واستلقت مرة أخرى بشكل مستقيم.
تسلل ضوء القمر والنجوم إلى الغرفة المظلمة.
رغم حدوث الكثير من الأمور في يوم واحد، إلا أنها لم تكن تشعر بالتعب ولم يغلبها النوم.
يبدو أن رانيا كانت في نفس الحالة، فبعد أن تقلبت لفترة سألت بحذر:
“عذراً… ليا. ألا تعتقدين أنه يجب إخبار ذلك الرجل؟”
فهمت إميليا على الفور ما كانت تقصده رانيا بسؤالها لكنها لم تجب.
حاولت رانيا متابعة الحديث لكنها تراجعت مراعاةً لحساسية إميليا المفرطة تجاه هذا الموضوع.
**********
في اليوم التالي، غادر الثلاثة “الستيت” بمجرد بزوغ الفجر.
إميليا ورانيا، اللتان لم تحضرا معهما سوى القليل عندما جاءتا إلى “الستيت”، لم يكن لديهما الكثير ليأخذاه معهما عند الرحيل.
حقيبة سفر مربعة واحدة لكل منهما كانت كل ما تملكان.
أخذ ديفيد حقيبة إميليا ليحملها هو بمنتهى الطبيعية.
حاولت رانيا استغلال الموقف لتعطيه حقيبتها هي الأخرى. لكن ذلك الرجل لم يكن يرى سوى حقيبة إميليا، ولم يبدُ أنه يرى حقيبتها هي.
راقبت رانيا بعينيها الخضراوين ديفيد الذي بدا وكأن مجال إدراكه محصور فقط في إميليا بلير. استمر ديفيد كاروين في الاهتمام بإميليا بلير. واستمر اهتمامه بها حتى بعد ركوب القطار.
كانت عيناه الرماديتان تلاحقان حركاتها ببراعة، وكان دائماً خلفها، يحميها دون أن تشعر.
كان يحذر من كل شخص يمر بجانبها، ويهتم دون توقف بما تأكله وكم تأكل، وكيف هي حالتها الجسدية ومزاجها.
عند تلك النقطة، تأكدت رانيا أن ديفيد يحب إميليا.
وبهذا القدر، لم يكن مجرد حب عادي، بل بدا وكأنه يحبها كثيراً.
ربما كان يعشقها.
تذكرت كيف كانت خادمات قصر كاروين يغرن من إميليا لأن الدوق لم يكن يخرج من غرفة النوم أبداً.
هل يعقل أن الدوق كان يحبها منذ ذلك الحين……؟
نقلت رانيا نظراتها التي كانت مثبتة على ديفيد في الجهة المقابلة من الطاولة إلى إميليا بجانبها.
كانت تعرف جيداً أنها كانت تحبه. وبالطبع، منذ موت تشارلز – الذي لم يكن حقيقياً في الواقع – كانت تكرر دائماً أنها لم تعد تحبه.
لم تصدق رانيا ذلك الكلام. فلو كان صحيحاً، تساءلت رانيا لماذا أخذتها إلى “الستيت” التي تشبه أجواؤها أجواء “بين”.
قالت إميليا إن “الستيت” ستكون أفضل مكان لاستعادة قوتها. لكن رانيا كانت تعرف جيداً إميليا التي غالباً ما كانت تظهر عليها نظرات الحزن وهي تحدق بذهول في المدينة التي تشبه “بين”.
لو لم تكن تشتاق للدوق، لما كانت تنظر بحزن هكذا لمدينة تذكرها بعينيه الرماديتين.
هو يحبها.
وهي أيضاً تحبه.
وبما أن تشارلز على قيد الحياة أيضاً، لم تكن رانيا تفهم ما هي المشكلة المتبقية بينهما.
وأخيراً، عندما التقت إميليا وتشارلز مرة أخرى، زاد عدم فهم رانيا لديفيد وإميليا.
لأن ديفيد راقب إميليا وهي تركض لتحتضن تشارلز بنظرة تملؤها المعاناة الشديدة.
التعليقات لهذا الفصل " 83"