على الرغم من تشابه ملامحهما بشكل مذهل، إلا أنه حين استعاد رشده أدرك أن شعرها لم يكن مموجًا.
والأهم من ذلك، أنها كانت امرأة في منتصف العمر، تختلف تمامًا عن فئة إميليا العمرية.
شعر ديفيد بالقوة تتسرب من يديه اللتين كانتا تمسكان بها ليرفعاها.
“… شكراً لك.”
شكرته المرأة، لكن ديفيد لم يستطع حتى الرد. بدا عقله فارغاً تماماً وكأنه فقد القدرة على التفكير.
‘… إميليا.’
كنت أنوي أن أركع تحت قدميكِ حين ألقاكِ مجدداً.
كنت سأضع جبهتي على الأرض وأقول إنني أخطأت.
لكنها لم تكن هي.
كنت أريد فقط… أن أراكِ لمرة واحدة.
اجتاح جسده وهنٌ شديد، وكأنه استعادها للحظة ثم فقدها من جديد.
لاحظ موظفو المستشفى أن هيبة ديفيد الطاغية قد خمدت. وبعد أن تبادلوا نظرات مترددة فيما بينهم، انقضوا عليه جميعاً في لحظة واحدة.
صرخت المرأة ذات الشعر الأشقر بغضب:
“أيها الهمجيون!!”
طرحوه أرضاً وضغطوا بجسده على التراب.
في تلك اللحظة، دوي صوت توبيخ مليء بالحنق في أرجاء الحديقة:
“ماذا تفعلون بابني الآن!!”
“… الدوقة كاروين؟”
‘أمي…’
سارت كاساندرا بخطوات واسعة ووجهٍ يشتعل غضباً، وأبعدت الرجال الذين انقضوا على ديفيد دفعة واحدة.
بعد عودته إلى غرفته، ظل ديفيد يحدق بصمت خارج النافذة.
راقبت كاساندرا ظهر ابنها بقلبٍ يتفطر ألما.
لقد هزل جسده كثيراً خلال شهر واحد، فمن أين أتته تلك القوة المفاجئة ليقتلع مقبض الباب؟
‘… لابد أنه بسبب تلك الفتاة، أليس كذلك؟’
تذكرت كاساندرا أن المرأة التي اقتادها موظفو المستشفى كانت تشبه إميليا، فازداد ألم قلبها.
لقد قررت إبقاءه في المستشفى لأنها لم تتحمل فكرة فقده، لكنها أدركت الآن أن علاج ابنها ربما لا يكون موجوداً داخل جدران المستشفى.
“ديفيد… هل تود مغادرة المستشفى؟”
سألته كاساندرا، لكنه لم يجب.
لم يبدُ وكأنه سمعها حتى؛ كان غارقاً في عالمه الخاص.
لم تجد كاساندرا بداً من وضع الكتاب الذي طلبه منها قبل أيام على السرير، ثم غادرت الغرفة بهدوء.
لم يصرف ديفيد نظره عن النافذة إلا عندما صبغت ألوان الغروب السماء البيضاء وبدأ ظلام الليل يحل. كانت والدته قد غادرت منذ فترة.
لم يلاحظ حتى لحظة خروجها. تنهد ديفيد وهو يشعر أنه لم يعد طبيعياً حقاً.
حينها فقط، لاحظ وجود كتاب على السرير.
<‘هل أنا أحبك؟’>
‘…’
كان هذا هو الكتاب الذي طلبه من والدته قبل أيام، ليقرأه ويتأكد أن مشاعره تجاهها ليست حباً.
لقد نسي أمره تماماً بعد أن طلبه. أشعل ديفيد المصباح الجانبي الصغير وبدأ في القراءة على الفور.
[‘لم أستطع أبداً تعريف مشاعري تجاهك. ولكن، حين خيم ظل الموت عليكِ، وشعرتُ أنني مستعد للتضحية بكل ما أملك في سبيل نجاتكِ وحدكِ دون ذرة ندم، حينها فقط أدركت… أنني كنت أحبكِ.’]
“…”
عجز ديفيد عن الكلام.
شعر بألم يعتصر صدره.
هو أيضاً كان مستعداً للتضحية بكل شيء لو كان ذلك سينقذها.
لم يكن أي شيء عزيزاً أمام حياتها.
لقد كان… يحبها.
كل ما في الأمر أن وسيلته كانت غير ناضجة، فجرحها.
بعد أن جاهد لاستعادة أنفاسه المتقطعة، واصل القراءة بمجرد أن هدأ قليلاً.
[‘لقد كان إدراكاً متأخراً جداً…’]
“لقد كان إدراكاً متأخراً جداً…”
[‘ولكن، إن أُتيحت لي الفرصة مجدداً.’]
“ولكن، إن أُتيحت لي الفرصة مجدداً.”
[‘سأكرس كل ما أملك.’]
“سأكرس كل ما أملك.”
[‘لأجل سعادتكِ أنتِ فقط.’]
“لأجل سعادتكِ أنتِ فقط.”
كان هذا اعترافاً متأخراً بالحب من المؤلف لمحبوبته، وكان أيضاً ندماً حارقاً يرسله ديفيد كاروين إلى إميليا بلير.
لم يكن عليه أن يزعم أنه قتل رفاقها.
لم يكن عليه أن يحبسها رغماً عنها، وحين فقدت ذاكرتها، كان عليه أن يخبرها الحقيقة بدلاً من استغلال الفرصة.
ولكن ما نفع كل هذا الندم المتأخر؟ إنها لم تعد بجانبه.
تفحص الغرفة بعادةٍ متأصلة، باحثاً عن وسيلة ليلحق بها.
لكن فكرةً خطرت بباله فجأة: لن تكون سعيدة إن لحقتُ بها.
كيف يمكنها أن تفرح بقدوم ذلك الغبي الذي جرحها ولم يعرف حتى معنى الحب؟
بهذا الحال… لن ينجح الأمر.
لا يمكنه مقابلتها وهو هكذا.
كان عليه أن يفعل شيئاً لأجل سعادتها.
لكن ماذا يمكنه أن يفعل؟
غرس ديفيد نواجذه ببعضها وهو يفكر بمرارة ويأس.
بعد أسبوع من ذلك، زارت كاساندرا المستشفى مجدداً، ونادت ابنها بدهشة:
“… ديفيد؟”
لقد بدا هندامه مرتباً، على عكس المظهر المشوش الذي كان عليه لفترة طويلة.
رغم أن غرته طالت حتى كادت تلامس عينيه، إلا أنها كانت مسرحة بعناية إلى جانب واحد، وعادت لعينيه نظرة الذكاء رغم أنها لم تكن بحدة الماضي.
والأهم من ذلك، كان الهدوء يفيض من ملامحه.
“… هل حدث شيء ما؟”
سألته كاساندرا بقلق، فابتسم ديفيد ابتسامة خفيفة.
خفق قلب كاساندرا لتلك الابتسامة؛ شعرت وكأنها استعادت ابنها المفقود.
قال ديفيد لوالدته التي بدت متأثرة قليلاً:
“سأخرج من المستشفى يا أمي.”
ترددت كاساندرا للحظة.
رغم أنها فكرت في إخراجه قبل أسبوع، إلا أن رؤيته وقد تحسن جعلتها تخشى التسرع.
لكن ديفيد تابع بحزم:
“لقد وجدُت شيئاً أريد القيام به.”
***************
“أيها السادة، ما كانت نتيجة مد يد العون لشعب ‘غيلان’؟ كانت الكراهية… والقتل!”
قال الضابط الواقف على المنصة بوجه جاد.
ساد التوتر بين الحشود.
قطب ديفيد جبينه قليلاً.
لقد سمع الكثير عن الجرائم التي سمح بها هذا الضابط للجنود وارتكبها هو نفسه خلال الحرب.
ولم يرق له أبداً أن يراه يقف على المنصة كمتحدث باسم العائلة المالكة بدلاً من أن ينال عقابه.
ابتسم الضابط للحظة وكأنه راضٍ عن وجوه الحشود المتصلبة، ثم واصل خطابه:
“ومن الذي ساعدنا حين تعرض شعبنا لتلك المعاملة الجائرة؟! لقد كان نحن أنفسنا. أيها الناس…!! يجب أن تدركوا أننا نحن ‘البيلتيتيين’ ليس لنا سوى بعضنا البعض. والعائلة المالكة في ‘بيلتيت’…!! على عكس البرلمان الذي أراد سلاماً هزيلاً مع شعب ‘غيلان’، تضع ازدهار وأمن شعبنا على رأس أولوياتها…!!”
“واااا!!”
عندما ضرب الضابط المنصة بقبضته وصرخ، انفجرت صيحات التأييد من مقاعد الجمهور.
نقرت لسان ديفيد استنكاراً. ألا يدركون حقاً أن هذا الخطاب ليس سوى إشعال لشرارة الحرب؟
إذا اندلعت الحرب، فستلحق أضرار جسيمة بـ ‘بيلتيت’ أيضاً. والأهم من ذلك، سيموت الكثير من الناس.
شعر ديفيد بالضيق من هؤلاء الناس الذين يمنحون العائلة المالكة رد الفعل الذي تنشده.
شعر برغبة شديدة في المغادرة، لكنه لم يستطع الرحيل بعد. كان عليه إنقاذ ذلك “المحرر” المسكين الذي سيحاول مقايضة حياته الثمينة بحياة هذا الضابط الشيطانية التافهة.
في الآونة الأخيرة، كان “جيش تحرير إيلون” المحاصر ينفذ مهامه وكأنها محاولات انتحار.
وبما أن معلومات المهمة وصلت إليه، فمن المؤكد أنها مهمة لم تُعد بشكل كامل، وبالتالي فمن المرجح ألا يكون هناك طريق للهروب.
كان لدى ديفيد خطة لإنقاذ المحرر الذي سيُكلف بمهمة اليوم.
حين كان في المستشفى، فكر فيما كانت إميليا ستتمناه:
لقد كان استقلال “إيلون”.
في البداية، ظن أنها انضمت لجيش التحرير فقط لأن الحب أعمى بصيرتها تجاه ذلك الرجل.
لكن بالنظر إلى طبيعتها التي كانت تفكر في شعب “أميليا” أولاً حتى وهي فاقدة لذاكرتها، أدرك أنها كانت ترغب في استقلال “إيلون” بصدق.
لذا، قرر ديفيد أن يحقق لها ما تمنته. لأجلها هي فقط.
“حين تختار العائلة المالكة لأجلكم، لن يكون هناك مزيد من الألم لشعب ‘بيلتيت’!!”
انهالت التصفيقات مع نهاية خطاب الضابط. نظر ديفيد إلى ساعة يده ليتأكد من الوقت.
إذا كانت المعلومات التي حصل عليها ثيودور صحيحة، فمن المفترض أن يظهر ثقب كبير في جبهة الضابط قبل انتهاء الخطاب. لكن الخطاب انتهى وظلت القاعة هادئة.
‘… هل كانت المعلومات خاطئة؟’
بدا وكأن رحلته كانت بلا فائدة. شعر بالإحباط.
لو كان بإمكانه التواصل مباشرة مع قيادة جيش تحرير إيلون لما اضطر لتضييع الوقت هكذا.
لكنهم كانوا يختبئون ببراعة شديدة، لذا لم يجد ديفيد بداً من مساعدتهم بناءً على المعلومات التي يحصل عليها بين الحين والآخر، والعمل بشكل منفرد.
في تلك اللحظة، بدأ الحضور في الصراخ.
رفع رأسه ليرى الضابط وهو ينهار على المنصة كبالون فرغ منه الهواء.
“من هناك! الرصاصة أتت من هناك…!!”
صرخ أحد الحاضرين وهو يشير نحو أضواء المسرح.
تحرك الجنود المحيطون بالمنصة بسرعة في الاتجاه الذي أشار إليه الرجل.
أومأ ديفيد برأسه لرجاله المختبئين بين الجمهور.
طاردوا الجنود، وتحولت القاعة إلى فوضى عارمة بسبب الجمهور المذعور.
“يريدون قتلنا جميعاً.”
“يجب أن نخرج، لنخرج من هذه القاعة بسرعة…!!”
تدافع الناس، وبعد أن انحسر الزحام كالجزر، صعد ديفيد الدرج الخشبي المؤدي إلى حيث توجد الأضواء بهدوء.
يبدو أن اشتباكاً قد حدث بالفعل، حيث كان الجنود مغمى عليهم ومنتشرين على طول الدرج الخشبي.
وحين رأى المرأة التي كانت تواجه رجاله، خرج من ديفيد الواقف مكانه صوت يشبه الأنين الممتلئ بعدم التصديق:
التعليقات لهذا الفصل " 76"