بمجرد دخولها إلى إحدى المقصورات وانفرادها بنفسها، أصغت إميليا السمع للأصوات في الخارج.
كانت تسمع أصوات وطئ أقدام الناس.
ركزت في الموقف الخارجي، وأخرجت ببطء وصمت مسدس “ريفلور” من حقيبتها.
بعد ضجيج عالٍ، غادرت مجموعة من الأشخاص الحمام.
فتحت إميليا الباب قليلًا ورأت أن بيتي هي الوحيدة المتبقية، وكانت تعطيها ظهرها.
كان توقيتًا مثاليًا.
بتقديرها أنه لن تسنح فرصة أفضل، فتحت الباب بسرعة وخرجت، وقبل أن تلتفت بيتي التي شعرت بحركتها، أفقدتها الوعي بضربة من مقبض المسدس.
بما أنها أصابت نقطة حساسة بدقة، فقدت بيتي وعيها على الفور دون أن تصدر حتى أنة واحدة.
شعرت إميليا بشيء من الأسف، لكنه كان أمرًا لا مفر منه لتجنب تعقيد الموقف؛ وعلاوة على ذلك، فقد تحكمت في قوة الضربة، لذا ستستيقظ بيتي بعد وقت ليس بالطويل.
لكنها سمعت أصوات أشخاص يقتربون من الحمام.
سحبت إميليا بيتي بسرعة إلى داخل المقصورة ودخلت معها وأغلقت الباب. وفي اللحظة التي أغلقت فيها الباب، دخل الناس إلى الحمام.
كاد الأمر أن يزداد تعقيدًا.
تنهدت إميليا بارتياح في صمت، وقبل أن تستيقظ بيتي المغشي عليها، سارعت بتبديل ملابسها بالتي اشترتها اليوم، ولفّت رأسها بوشاح، ثم ارتدت نظارات شمسية.
بعد أن غادر الأشخاص، خرجت من المقصورة وهي تحمل كيس التسوق الذي يحتوي على ملابس الأطفال، وأغلقت الباب خلفها.
بهذا، ستكون في أمان حتى تستيقظ بيتي أو يحاول أحدهم فتح الباب المغلق.
عند خروجها من الحمام، لاحظت إميليا ثلاثة رجال يراقبون منطقة الحمامات عن كثب من مسافة بعيدة.
تلاقت عيناها بعيني أحدهم.
وبما أنه لم يتحرك حتى بعد أن رآها، بدا أنه لم يتعرف عليها بملابسها الجديدة، ولحسن حظها.
حرصت إميليا ألا يسقط الوشاح عن رأسها، ورفعت نظارتها الشمسية للأعلى قليلًا، ثم سارت بخطى حذرة.
راقب الرجال ظهر إميليا وهي تبتعد.
ولكن عندما تأخر خروجها هي وبيتي من الحمام لفترة طويلة، اختاروا أحدهم ليدخل ويتفقد المكان.
وسرعان ما خرج الرجل الذي دخل وهو يصرخ:
“لقد اختفت الدوقة، يجب أن نجدها فورًا…!”
لكن إميليا كانت قد غادرت المركز التجاري بالفعل، مندمجة وسط الحشود.
كتبت إميليا عنوان قصر كاروين على كيس التسوق الذي يحتوي ملابس الأطفال، وسلمته لموظف البريد ليرسله عبر البريد السريع. تسلم الموظف الكيس دون أدنى ارتياب.
خرجت من مكتب البريد، فآلمت عينيها أشعة الشمس الحادة.
كان يومًا مشرقًا، وهو أمر نادر الحدوث في مدينة “فين” الرمادية.
فكرت إميليا وهي تنظر إلى الشمس المشرقة لبرهة أنه لا يوجد يوم أكمل من هذا ليكون يوم الوداع للعالم.
تذكرت أنها فكرت ذات مرة أن ديفيد يشبه ضوء الشمس؛ هل كان ذلك يوم توقيع عقد الزواج؟
لقد كان رجلًا يهتم بأدق تفاصيل جروحها الصغيرة.
وكان رجلًا يحترم ذوقها، ولم ينسَ قط نوبات ضيق تنفسها.
كانت الأوقات التي قضتها معه دافئة.
لقد كان حقًا يشبه ضوء الشمس.
لقد كان شعاعًا باهرًا، دخل حياتها المظلمة كعدو بينما كانت تعيش مثقلة بالذنب وتتمنى الموت، ثم تحول إلى حظ سعيد، وسرعان ما صار حبًا.
شعاع شمس لم تتوقعه أبدًا.
‘كل هذه الأفكار لا طائل منها الآن…’
أنزلت إميليا بصرها عن الشمس.
فتحت حقيبتها قليلًا لتتأكد من وضع الأمان في المسدس.
رغم أنه كان أول رجل تحبه في حياتها، إلا أن عزمها على الانتقام لم يتغير.
تابعت مسيرها، ولكن بعد خطوات قليلة، وقعت عيناها على متجر للزهور مقابل مكتب البريد.
كانت هناك ملصقات كبيرة على نافذة المتجر مكتوب عليها “يوم الأم”. وتحتها، كانت أزهار القرنفل الحمراء تملأ الدلاء الرمادية.
‘هل اقترب موعد يوم الأم…؟’
أخذت إميليا تحسب التاريخ، ثم توجهت نحو متجر الزهور.
كانت خطوات امرأة سريعة ومجتهدة.
ومع خطواتها الدؤوبة، كان شعرها الأشقر الأشعث ينتفخ ويهبط متشرّبًا أشعة الشمس بين خصلاته.
“مرحبًا يا أمي.”
ألقيت التحية على القبر بصوت شجاع.
“لقد جئت.”
كان اسم سكارليت بلير محفورًا على شاهد القبر.
وبجانب قبر سكارليت بلير مباشرة كان قبر بيلي بلير، لكن نظرات إميليا كانت مثبتة فقط على قبر سكارليت.
“لقد أحضرتُ بعض الزهور.”
رفعت باقة القرنفل التي كانت تحملها تجاه قبر سكارليت بلير.
“ليوم الأم الذي اقترب موعده.”
ثم وضعتها أمام القبر بلمسة حانية.
بإضافة اللون الأحمر الحيوي، دبت الحياة فجأة في تلك المقبرة الموحشة.
لكن وجه إميليا المبتسم بدأ يزداد قتامة.
وفي عينيها الزرقاوين اللتين تشبهان الياقوت، استوطن شعور بالذنب.
“تشارلز… لن يتمكن من القدوم.”
‘لماذا لا يستطيع تشارلز القدوم؟’
شعرت وكأن السيدة بلير ستنهض من قبرها لتسأل هكذا.
لكن الموتى لا يتكلمون، وامتلأت المقبرة في بعد ظهر ذلك اليوم من أيام الأسبوع بصمت يبدو وكأنه سيمتد للأبد.
تشابكت يدا إميليا اللتان بدأتا ترتجفان رغم أنها لم تسمع أي لوم.
“سأخبركِ بالتفاصيل عندما نلتقي.”
أحنت رأسها مودعة، ثم استدارت مبتعدة عن القبر.
كان عليها أن تسرع.
حتى تُحمل لزوجها جثة هامدة باردة.
بعد قليل، كانت تسير بمحاذات نهر “تين” الذي يتدفق مخترقًا مدينة “فين”.
كان النهر يتلألأ ببريق أبيض يعكس ضوء الشمس.
وعلى ضفة النهر الخالية من المارة، لم يكن يُسمع سوى غناء العصافير بين الحين والآخر.
لكن بمجرد دويّ رصاصة، سيتجمع الناس.
وبعدها سيصل الخبر إلى ديفيد…
لم تستطع إميليا أن تتخيل التعبير الذي سيرتسم على وجهه عندما يسمع الخبر.
‘… هل سيبكي؟’
تمنت إميليا أن يبكي ديفيد.
أكثر مما بكت هي وهي تفكر في تشارلز ورفاقها.
لكن بدا لها أنه لن يبكي.
فهي لم تره يبكي قط.
ومع ذلك، شعرت أنه سيظهر تعبيرًا وكأنه فقد العالم كله.
مثل ذلك التعبير الذي ارتسم عليه في المرة السابقة عندما اعتقد أنها ماتت.
عندما تذكرت تلك الذكرى، ابتسمت إميليا.
لكن عينيها كانت تدمعان؛ كانت تشعر بالفرح والحزن معًا لأنها ستؤلمه.
لقد كرهته، لكنها أحبته أيضًا.
والآن، حان وقت الراحة.
فتحت إميليا حقيبتها التي كانت تعلقها على ذراعها وأخرجت المسدس.
مسدس محفور على ماسورته الحرفان “D.K”.
إنه مسدس ديفيد.
إذا فكر في أنه فقد زوجته بسلاحه الشخصي، فسيزداد ألمه أكثر.
بدا الأمر قاسيًا بعض الشيء، لكنه بدا عادلًا أيضًا، فقد كان هو من بدأ بإلحاق الألم أولًا.
وضعت إميليا فوهة المسدس على صدغها.
أشعرها ملمس المعدن البارد بالقشعريرة.
ومع ذلك، سينتهي كل شيء قريبًا.
‘بمجرد أن أسحب هذا الزناد…’
في تلك اللحظة، هبطت فكرة كحمامة بيضاء في ذهن إميليا.
‘لحظة… ألم يقال إن من ينتحر لا يدخل الجنة…؟’
كانت تلك قصة سمعتها بالصدفة عندما دخلت الكنيسة في صغرها لتحصل على الشوكولاتة.
لماذا خطرت هذه القصة ببالها الآن تحديدًا؟
ترددت إميليا.
لأنه لا يمكنها ألا تدخل الجنة.
فسكارليت بلير، التي أنقذت حياتها وماتت بدلاً منها، ستكون بالتأكيد في الجنة.
كان لديها الكثير لتقوله للسيدة بلير عندما تلتقي بها.
‘يجب أن أخبرها أيضًا أنني آسفة لأنني لم أستطع حماية تشارلز…’
ترددت إميليا طويلاً وهي تعبث بالزناد، ثم أغمضت عينيها بشدة وكأنها اتخذت قرارها.
طاخ!
دوى صوت رصاصة قوية في السماء الزرقاء.
وتلا ذلك صوت ارتطام بالماء.
وفي ذهن إميليا التي كانت تغرق في قاع النهر، مرت ذكرى اليوم الذي التقت فيه بديفيد لأول مرة كشريط سينمائي.
بام! فُتح باب المكتب بقوة.
“سيـ… سيدي الرئيس…!”
اندفع بوريس إلى داخل المكتب بوجه مذعور تمامًا، متجاوزًا حتى فقرة الطرق على الباب.
ضاقت عينا ديفيد.
“ما الخطب؟”
“ذ، ذلك… يقال إن السيدة قد اختفت…!”
ساد صمت مطبق في المكتب.
تصلب وجه ديفيد.
يبدو أنها استعادت ذاكرتها بالفعل.
هذا الصباح، عندما قالت إنها ستدخل الحمام لتغتسل، شعر بانقباض في صدره.
لم يشعر بمثل هذا الانقباض منذ أن فقدت ذاكرتها. ظل ديفيد صامتًا لفترة.
ثم، على العكس، رسم ابتسامة مسترخية وسأل:
“هروب؟ هل هربت؟ ليا؟”
“ليس من المؤكد أنه هروب، ولكن بما أنها أفقدت الآنسة سوان وعيها وضللت المراقبين، فمن المرجح…”
كان يتوقع أنها ستهرب بمجرد استعادة ذاكرتها. لا، لن يكون مجرد هروب بسيط.
‘ليا، ربما أنتِ تختبئين في مكان ما وتستهدفينني.’
هذا ما كان يتمناه.
كان ينوي أن يموت بسلام على يديها.
فالقرار بأن يموت على يديها كان عهدًا قطعه على نفسه منذ اللحظة التي كانت تقود فيها السيارة نحوه في حفل الخطوبة.
ومع ذلك، شعر بالحزن لأنها بدأت في التنفيذ بهذه السرعة.
لقد كان شعوره السيئ بسبب كذبتها هذا الصباح فقط…
‘أنتِ التي استعدتِ ذاكرتكِ، ألم يكن بإمكانكِ منحي… مزيدًا من الوقت؟’
في تلك اللحظة رن هاتف مكتب بوريس.
بدا رنين الهاتف مشؤومًا أكثر من المعتاد.
خرج بوريس، الذي كان وجهه شاحبًا كالأموات، مسرعًا للرد على الهاتف.
“أهلاً؟ نهر تين؟ المسدس… ا، ا، السيدة؟!”
كان صوته وهو يعيد الكلام يرتجف بشكل مرعب.
عندما سمع ديفيد كلمة “مسدس”، تغيرت تعابير وجهه بشكل غريب.
تمامًا كما كان حاله عندما احتضن إميليا المغطاة بالدماء في المرة السابقة.
التعليقات لهذا الفصل " 73"