بعد حزم الأمتعة، غادر ديفيد وإميليا وكريستينا أميلا على الفور. لقد غادروا في اليوم التالي مباشرة لوصول كريستينا.
لم تكن إميليا تعلم لماذا تعين عليهم العودة إلى “بن” بهذه العجالة، ولكن بما أنها شعرت أن العودة إلى هناك قد تساعدها على استعادة ذاكرتها، لم تشعر بالاستياء من القرار.
بمجرد وصولهم إلى قصر كاروين، عهد ديفيد بإميليا إلى بيتي، ثم غادر القصر فوراً مصطحباً كريستينا معه.
انطلقت السيارة التي تقل ديفيد وكريستينا عبر طرق جبلية، متجاوزة الحدود بين “بن” وأيلون. وتوقفت السيارة أمام سجن مهجور.
‘لا يعقل أن يكون ماثيو هنا…؟’
قطبت كريستينا جبينها. كان المبنى المبني من الطوب الأحمر يبدو كئيباً وموحشاً، وكأنه مهجور منذ زمن طويل. مشى ديفيد دون تردد نحو بوابة حديدية خضراء غطاها الصدأ.
لحقت به كريستينا المرتبكة وسألته بسرعة:
“هل ستدخل؟ ألن يكون الباب مغلقاً؟”
أخرج ديفيد مفتاحاً من جيبه وفتح الباب. وبمجرد دخولهما، وجه شخص ما سلاحه نحو ديفيد، مما أصاب كريستينا بذعر شديد جعل صرختها تدوي في أرجاء السجن.
“كياااااااا!”
“هذا أنا.”
قال ديفيد ذلك، فأنزل الرجل سلاحه بعد أن تأكد من هويته.
“لقد وصلت.”
“لقد تعبتَ معي.”
تبادل الاثنان تحية قصيرة، ثم دخل ديفيد إلى السجن بمنتهى الهدوء.
شعرت كريستينا برعشة في ساقيها، فالتصقت بظهر ديفيد بسرعة. أمسكت بطرف ثيابه والتفتت بحذر لتلمح وجه الرجل الذي وجه السلاح نحو ديفيد؛ كان ذا ملامح توحي بأنه صاحب سوابق إجرامية، مما جعلها تنكمش على نفسها. ومع توغلهم في الداخل، رأت أشخاصاً يتجولون؛ كلهم بملامح شرسة ويحملون بنادق على أكتافهم. في تلك اللحظة، كانت كريستينا على وشك البكاء.
‘هل يعقل أن ماثيو في مكان كهذا حقاً…؟’
“ديفيد، هل ماثيو موجود هنا؟”
سألت كريستينا، لكن ديفيد لم يجب واكتفى باقتيادها في صمت.
وعندما أوشك صبرها على النفاد بسبب صمته، مرت بجانب زنازين مفتوحة حتى وصلت إلى زنزانة مغلقة، وهناك وجدت الوجه الذي طالما بحثت عنه.
“ديفيد، لماذا ماثيو في مكان كهذا؟ لماذا هو محبوس هنا!!”
استدارت كريستينا نحو ديفيد وهي تصرخ والدموع تنهمر من عينيها:
“أطلق سراحه فوراً!!”
كان وجهها محمراً من شدة الانفعال وكأنه سينفجر.
لكن ديفيد اكتفى بهز رأسه بحزم، معبراً لكريستينا عن رفضه بوضوح.
“ديفيد!!”
عندما صرخت مجدداً، أضاف موضحاً السبب:
“بقاءه هنا أكثر أماناً.”
“أكثر أماناً وهو محبوس في مكان قذر كهذا؟! أي هراء هذا!!”
“كريستينا، والدكِ يبحث عن هذا الرجل منذ أن علم بحقيقته. لماذا تعتقدين أنه لم يجده حتى الآن؟”
“…….”
“لو لم يقم ثيودور بتأمينه فور معرفة هويته، لكنتِ قد التقيتِ به جثة هامدة.”
“…….”
“اشكري الله لأنكِ قابلتِ ماثيو برايان حياً في هذا المكان.”
“هل تقصد أيها الدوق أنك لن تطلق سراحه لأن هذا المكان أكثر أماناً؟”
“بما أنكِ فهمتِ، فلنذهب. لقد تأكدتِ أنه حي وبخير.”
عند سماع ذلك، التفتت كريستينا لتفحص حالة الزنزانة.
على الرغم من أن المبنى بدا مهجوراً ومتهالكاً من الخارج، إلا أن الداخل كان نظيفاً ومنظماً نسبياً.
ومع ذلك، لم تستطع الاقتناع بفكرة أن زنزانة كهذه هي المكان الأكثر أماناً لماثيو.
“بأي حق تقرر أنت أيها الدوق أين يكون الأمان؟”
“ألم تري الرجال المسلحين في الخارج؟”
“…….”
“بالإضافة إلى أن هناك بالقرب من هنا… لا يهم. لا يمكنني إخباركِ بالتفاصيل، لكن صدقيني يا كريستينا. هذا المكان أكثر أماناً من أي مكان قد تأخذين إليه ماثيو برايان.”
“هذا الكلام ينطبق فقط إذا لم يعكر ماثيو مزاجك، أيها الدوق.”
“هل تعتقدين أنني حثالة لدرجة إيذاء شخص أقوم بحمايته لمجرد أنه عكر مزاجي؟”
“…….”
بالطبع لم تكن تعتقد ذلك.
كريستينا تعرف ديفيد جيداً؛ فرغم بروده وعدم مبالاته مع الغرباء، إلا أنه كان حنوناً ومازحاً مع المقربين منه.
وهي نفسها كانت يوماً من مقربيه، حين كان يناديها ‘كريس’ في صغرهما.
لذا، لا يمكن أن يؤذي الرجل الذي تحبه…
لكنها في الوقت نفسه، لم تستطع الوثوق بديفيد تماماً.
فرؤيته وهو مهووس بزوجته جعلها تشعر بأنه قد تغير؛ ديفيد كاروين الذي يحاول إبقاء زوجته بجانبه بأي ثمن بدا لها غير مستقر، وأحياناً غير سوي.
“أنت أيها الدوق تستغل فقدان الزوجة لذاكرتها لتبقيها بجانبك. هل تعتقد أنك سوي؟ كيف لي أن أثق بشخص مثلك وأترك ماثيو في مكان كهذا!!”
صرخت كريستينا دون أن تهدأ.
سألها ماثيو بذهول:
“الزوجة فقدت ذاكرتها؟ هل تقصدين زوجة كاروين… إميليا، يا كريستينا؟”
أومأت كريستينا برأسها مؤكدة، بينما ساء مزاج ديفيد بشدة.
“لماذا يذكر اسم تلك المرأة هنا؟”
“استفق أيها الدوق. أنت تخدع زوجتك الآن.”
“هي من خدعتني أولاً.”
“وهل تريد الانتقام منها بالطريقة نفسها؟”
“…….”
لا، لم يكن الأمر كذلك.
كل ما أراده هو البقاء معها لفترة أطول قليلاً.
استمرت كريستينا في صراخها:
“لا تقل لي أنك تعتقد أن بقاء الزوجة بجانبك هو الأكثر أماناً لها أيضاً؟”
“أليس من الطبيعي إذاً أن يكون بقاؤها بجانبي هو الأكثر أماناً؟”
“أيها الدوق، تقييد حرية شخص ما وإخفاء الحقيقة عنه ليس أماناً أبداً.”
“…….”
“أنت لست إلهاً. لا يمكنك التحكم في كل شيء بقدراتك. هل أنت متأكد حقاً من أن الزوجة بأمان بجانبك؟”
في اللحظة التي سألت فيها كريستينا ذلك، تذكر ديفيد صورة إميليا وهي تقود السيارة نحوه.
شعر بضيق في تنفسه.
رأت كريستينا الشحوب الذي اعتلى وجه ديفيد، فشعرت بالأمل وضغطت عليه أكثر:
“فكر جيداً؛ هل الزوجة فعلاً بأمان بجانبك؟ أم أنك تريد تصديق ذلك لمجرد أنك ترغب في إبقائها معك؟”
“خذي رجلكِ و…”
“…….”
“اختفيا، يا كريستينا.”
خرج صوت زمجرة من بين شفتي ديفيد.
حينها فقط أشرق وجه كريستينا قليلاً.
أضاف ديفيد بصوت بارد:
“لكن منذ اللحظة التي تغادرين فيها هذا المكان معه، لن أكون مسؤولاً عن سلامتكما.”
بدت ملامح القلق على وجه ماثيو عند سماع ذلك.
لم يكن يهتم بما قد يحدث له، لكن سلامة كريستينا كانت تعني له الكثير…
ومع ذلك، بقيت كريستينا صامدة:
“لا تقلق، سنتحمل مسؤولية سلامتنا بأنفسنا.”
كانت تفضل العيش يوماً واحداً مع ماثيو برايان على أي شيء آخر.
وكانت تتوق للحرية؛ فحياة محاطة بالقضبان الحديدية من كل جانب لم تكن تختلف عن الموت بالنسبة لكريستينا دنفر.
أشار ديفيد برأسه، فتقدم رجل كان يقف بعيداً وفتح باب الزنزانة.
هرعت كريستينا لترتمي بين أحضان ماثيو.
“ماثيو…!”
بمجرد أن ضمه، انفجرت بالبكاء مرة أخرى.
بادلها العناق وعيناه تفيضان بالدموع: “كريستينا…”
راقب ديفيد لقاءهما المليء بالفرح في صمت، ثم سأل كريستينا للمرة الأخيرة:
“كريستينا، هذه فرصتك الأخيرة. فكري مجدداً؛ بقاؤه هنا أكثر أماناً له.”
“سنرحل الآن.”
أجابت كريستينا وهي تساعد ماثيو على النهوض.
تنهد ديفيد.
سندت كريستينا ماثيو، الذي كان يعرج قليلاً بسبب عدم قدرته على المشي لفترة طويلة، وخرجا من الزنزانة.
حينها، قال لها ديفيد:
“ثيودور سينتظركما في الخارج.”
“…….”
“اتبعيه. سيوصلكما إلى مكان لتعيشا فيه. قد لا يكون أمانه كأمان هذا السجن، لكنه سيكون أكثر أماناً من بيلتيت.”
لقد كان ينوي إرسالها مع ماثيو منذ البداية.
لكنه حاول للمرة الأخيرة إبقاءهما هنا لأنه كان يراه المكان الأكثر أماناً…
شعرت كريستينا بالندم لأنها جرحت ديفيد في سبيل إخراج ماثيو.
وبينما كانت تهم بالاعتذار، سُمع صوت صراخ شخص ما من طابق آخر.
مال ماثيو برأسه وقطب جبينه، شاعراً أن الصوت مألوف لديه.
سألت كريستينا ديفيد:
“هل هناك أشخاص آخرون محبوسون هنا غير ماثيو؟”
“لا.”
كان رد ديفيد بارداً وسريعاً.
وبما أن كريستينا شعرت أنه لن يجيب بصدق، قررت عدم السؤال أكثر والرحيل مع ماثيو.
لكنها قررت ترك نصيحة أخيرة للرجل الذي أحبته يوماً:
“ديفيد، السبب الحقيقي وراء مسامحتي لماثيو وحبي له هو أنه اعترف لي بحقيقته كجاسوس وطلب المغفرة قبل أن أكتشف أنا ذلك بنفسي.”
“…….”
“إذا كنت تخفي شيئاً عن الشخص الذي تحبه، فمن الأفضل أن تخبره. لا تخفِ شيئاً.”
“إذا كنتِ ستقولين ترهات، فاختفي بسرعة قبل أن أغير رأيي.”
رد ديفيد ببرود.
خافت كريستينا أن يغير رأيه فجأة، فأسرعت باقتياد ماثيو خارج السجن.
راقب ديفيد ظهرهما وهما يبتعدان مستندين إلى بعضهما البعض في صمت. وبشكل لا إرادي، قبض على يده بقوة.
‘هي لم تعترف لي.’
كان هذا هو السبب الأكبر لعدم قدرته وإميليا على أن يكونا مثل هذين الاثنين.
ماثيو برايان أحب كريستينا دنفر واعترف لها بكل شيء، أما هي فلم تفعل.
والسبب واضح بالطبع…
لأنها لم تكن تحبه.
دوى صوت الصراخ من الطابق العلوي مجدداً.
حول ديفيد نظره عنهما واتجه نحو الطابق العلوي.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 69"