هل لهذا السبب كفت عن التصرف كفرس مجنونة، وتحولت إلى دمية ورقية لا تفعل شيئا؟
لكنه شعر أنه لو عاد به الزمن، لكرر نفس الأسلوب.
فقد كانت هي من اندفعت أولا بجسدها كسلاح.
ولكن، إن كان يحبها حقا، ألم يكن عليه أن يتصرف بتلك الطريقة؟
لا، بل لو لم يكن يحبها لربما استطاع الاحتمال.
لأنه يحبها، لم يستطع الصبر. هكذا خلص ديفيد في استنتاجه.
ومع ذلك، كان من الواضح أن هناك خطبا ما.
استمر ارتباكه حتى بعد أن أنهى مكالمته مع بيتي.
ولم يستعد وعيه إلا حين ناداه بوريس الذي لم يعد يطيق صبرا.
“سيدي الرئيس!”
“…هاه؟”
“هل تسمعني الآن؟ هل كنت تستمع لحديثنا أصلا؟”
“…آسف، ماذا قلت؟”
“قلت إننا سننقل الأسلحة من قبو المتجر غدا فجرا عبر طريق البحر إلى المبنى الذي اشتريناه في أيلون.”
أجاب ثيودور بدلا من بوريس. أومأ ديفيد برأسه مشيرا إلى علمه بالأمر.
ضيق بوريس عينيه وهو يراقب ديفيد الذي بدا فاقدا لصوابه، وسأله من باب الاحتياط:
“سيدي الرئيس، أنت تعلم أن عليك الذهاب لحفل خطوبة الأميرة غدا فجرا، أليس كذلك؟”
“…آه.”
لقد نسي تماما. خطوبة كريستينا.
حين ظهر ذلك على وجه ديفيد، تنهد ثيودور وبوريس في وقت واحد.
لم يكن الرجل الذي أمامهم هو ديفيد كاروين الذي عرفوه منذ أيام الحرب.
كما أن إخفاء جاسوسة في فيلا ساحلية والتظاهر بالبراءة لم يكن تصرفا يشبهه أبدا.
ما الذي حدث له بحق الخالق؟
“حفل خطوبة كريستينا، لا أنوي الذهاب.”
قال ديفيد ذلك.
اندهش بوريس وبدت عليه ملامح الارتباك.
“لقد قلت إن الملك إيان دنفر كان يرغب في حضورك.”
“ومع ذلك، لن أذهب.”
لم يرد ديفيد رؤية كريستينا.
فبما أنها كانت حمقاء مثله وانخدعت بجاسوس، فقد شعر أن رؤيتها ستجعله يدرك حماقته مرارا وتكرارا.
في تلك اللظة رن جرس الهاتف.
لم يتردد ديفيد في الرد هربا من بوريس الذي كان يهم بمتابعة توبيخه.
“مرحبا.”
“ديفيد…!”
لكن المتصلة لم تكن سوى كريستينا دنفر.
*************
غادرت بضع سفن من الساحل عبر البحر المظلم وقت الفجر.
كانت السفن محملة بالدبابات التي حاولت هي وجيش التحرير سرقتها.
راقبت إميليا، التي كانت مستيقظة ليلا بعد أن قضت نهارها نائمة، تلك السفن وهي تتحول إلى نقاط تتلاشى خلف الأفق من فوق سريرها.
في النهاية، لم يتمكنوا من سرقة أسلحة “لايدوغ”.
وفقدوا رجال جيش التحرير أيضا.
ديفيد، الذي قتل تشارلز، لم تعد قادرة على حبه بعد الآن.
لقد كانت نهاية مروعة، لا استقلال ولا حب ولا أي شيء.
ضحكت إميليا.
لم تدرِ كيف آل كل شيء إلى هذا الحد. هل كان ذلك بسببها؟
لأنها، وهي التي وقعت في الحب، قد فكرت في خيانة جيش التحرير؟
لا، بل لماذا كان عليها أن تصبح جاسوسة من الأساس؟
ولماذا كان على بيلتيت أن تغزو أيلون…. لقد مات تشارلز.
رغم أن وصية سكارليت بلير كانت أن تعتني به.
كان عليها الانتقام من ديفيد. من أجل سكارليت بلير على الأقل. ولكنها لم تكن تملك أي قوة.
منذ تلك الليلة التي عاملها فيها بقسوة….
شعر وكأن شيئا ما بداخلها قد تعطل.
شعرت إميليا بالاشمئزاز من نفسها.
بالتأكيد، لم تشعر هكذا حتى حين كان عليها قضاء ليلتها الأولى كجاسوسة.
تذكرت حينها كيف كان يحاول ألا يلمسها قبل أن تسمح له.
وتذكرت رقته حين كان يتوقف مرارا في المنتصف.
وفوق تلك الذكرى، توالت صور ديفيد وهو يتقيأ عند رؤيتها، وهو يقبلها قسرا رغم رفضها، فبدأت إميليا بالبكاء.
اندهشت بيتي حين رأت إميليا تبكي فجأة بعد أن كانت تضحك.
كانت بيتي تتولى مراقبة إميليا طوال الليل منذ أن توقف ديفيد عن المجيء.
لم تكن بيتي تعلم ما الذي حدث في تلك الليلة الأخيرة التي زارها فيها ديفيد كاروين.
ولكن الشخصية التي تراقبها كانت فاقدة للتعبير عن أي مشاعر منذ تلك الليلة. وفجأة، تضحك ثم تبكي.
بدا الأمر وكأنها فقدت عقلها.
راقبت بيتي إميليا بحذر خوفا من أن تثير أي فوضى.
لكن إميليا، التي كانت تبكي، هدأت فجأة.
ظلت تنظر بهدوء إلى البحر الخالي بعينين مبللتين.
لفها شعور مرير بالعجز والاكتئاب جعلها غير قادرة حتى على البكاء أكثر.
نامت إميليا بمجرد طلوع النهار. تماما كما فعلت طوال الأسبوع الذي أعقب ليلتها مع ديفيد.
جلست ألبا، التي تبادلت الأدوار مع بيتي، على كرسي بعيد قليلا عن طرف السرير تراقب إميليا النائمة.
بام!
وعند حلول الظهيرة، دوي صوت اصطدام قوي.
استيقظت إميليا عند سماع الصوت.
وعندما تلاه صوت رصاص، وقفت ألبا بوجه مشدود وهي تخرج مسدسا من خصرها.
نظرت إميليا إلى ألبا بعينين نصف مغمضتين.
كانت ألبا تصوب فوهة المسدس نحو باب غرفة النوم المغلق.
كانت في حالة تأهب لإطلاق النار على أي شخص يدخل بمجرد فتح الباب.
أدارت إميليا رأسها ونظرت نحو الباب المغلق.
كانت هناك أصوات ضجيج صاخبة مستمرة خارج الغرفة. ما الذي يحدث في الخارج؟
“ليا، هل أنت هنا؟! إن كنت هنا فأجيبي…!!”
في تلك اللحظة، سمعت إميليا صوتا مألوفا.
“راني…؟!”
نهضت إميليا بسرعة وهي تنادي رانيا.
“رانيي…!!”
ثم صرخت بأعلى صوتها. وبعد صمت قصير، اقترب صوت الضجيج بسرعة. يبدو أن رانيا كانت في مكان أقرب مما تصورت
.
صرخت إميليا مذعورة:
“راني، هناك شخص يحمل سلاحا هنا…!!”
لكن يبدو أنها لم تسمع، فقد بدأ مقبض الباب يدور.
بينما كانت إميليا تشعر بالرعب، بدأت ألبا في إطلاق النار نحو الباب المغلق.
فزعت إميليا وكأن قلبها سيخرج من صدره، واندفعت نحو ألبا على الفور.
دفعتها ألبا بعيدا عنها.
إميليا، التي كانت ضعيفة بسبب عدم أكلها جيدا لمدة شهر، سقطت على الأرض فورا أمام قوة ألبا الغاشمة.
ولكنها كانت يائسة لإنقاذ رانيا.
قلبت صينية فضية كانت أمام عينيها، وأفرغت ما عليها من سوائل مغذية وإبر في لحظة، ثم ضربت ألبا بقوة على مؤخرة رأسها بظهر الصينية وهي تهم بإطلاق النار مرة أخرى.
طاخ!
شعرت ألبا بألم شديد والتفتت بوجه غاضب.
لكن إميليا لوحت بالصينية مرة أخرى وأطارت المسدس من يدها.
تتبعت ألبا المسدس بنظراتها وهو يطير بعيدا.
حاولت التحرك لاستعادة المسدس. لكن إميليا اندفعت وأمسكت بها.
قررت ألبا إخضاع إميليا أولا.
فبما أنها كانت المرأة التي تخضعها دائما لتطعمها أو تحقنها بالمغذيات، فقد ظنت أن إخضاعها سيكون سهلا.
ما لم تكن ألبا تعلمه هو أن إميليا، التي كان عليها إنقاذ رانيا، لم تكن كما كانت في السابق.
بسبب فكرة أنها إن لم تخضع ألبا فستكون رانيا في خطر، استجمعت إميليا قوتها التي كانت تملكها قبل حبسها.
لقد فقدت كل رجال جيش التحرير.
ولم تستطع تحمل فقدان رانيا أيضا.
تلقت ألبا ضربة فردت بضربتين، حتى فقدت صوابها تماما أمام إميليا.
وأخيرا، في اللحظة التي طرحت فيها إميليا ألبا أرضا وربطتها بالسلسلة الحديدية، انفتح باب غرفة النوم بصرير خفيف وبحذر.
كانت رانيا، التي نجت بالكاد من وابل الرصاص، قد فتحت الباب لتتفقد الوضع داخل الغرفة.
“ليا!!”
امتلأت عينا رانيا الخضراوان الكبيرتان بالدموع حين وجدت إميليا.
رانيا، التي كانت تشارك الغرفة مع خادمات قصر كاروين ولم يكن من السهل عليها الخروج ليلا، استبعدت من مهمة مداهمة مصنع الأسلحة تحت متجر ثيودور.
ولكن بعد تلك المهمة، اختفى جميع رجال جيش التحرير الذين شاركوا فيها. بما في ذلك مادز غريت الذي كان يقود ثوار بن.
وقع من تبقى من الثوار في حيرة من أمرهم، وكادت رانيا تجن قلقا على إميليا.
وبعد انتظار دام شهرا، قامت رانيا في النهاية بتفتيش مكتب ديفيد.
لو علم مادز لكان قد استشاط غضبا لأنها لم تلتزم بدورها كخادمة في القصر في انتظار حالات الطوارئ، لكن مادز الذي قد يغضب لم يعد موجودا الآن.
ربما كان تصرفها ينطوي على مخاطرة لا داعي لها في ظل عدم معرفة ما قد تجده.
ولكن رانيا كانت يائسة بنفس القدر. وقد عثرت في المكتب على عنوان الفيلا الساحلية التي يملكها ديفيد.
كما علمت أنه وظف خدمًا جددا للعمل هناك مؤخرا.
بما أن الخدم في قصر كاروين كثر، فقد كان من المريب أنه لم يأخذ أحدا منهم بل وظف جددا.
سرقت رانيا مفاتيح السيارة من المكتب.
كان تصرفا خطيرا أيضا، لكن رانيا كانت بحاجة إلى تفسير للوضع الحالي وإجابة واضحة عن الطريق الذي يجب سلوكه. وحين اقتربت من الفيلا، ورأت الحارس الواقف عند البوابة الرئيسية، شعرت بغريزتها.
أن الإجابة تكمن داخل تلك الفيلا.
وإلا لما كان هناك حارس يقف عند مدخل مجرد فيلا بينما لا يوجد حراس في قصر كاروين. لا بد أن هناك شيئا يريد الدوق كاروين إخفاءه داخل تلك الفيلا.
شغلت رانيا السيارة التي كانت قد أوقفتها لفترة. ثم اندفعت مباشرة نحو البوابة الحديدية للمدخل.
ومع صوت اصطدام قوي، تحطمت البوابة الحديدية السوداء المغلقة وانفتحت. استيقظت إميليا النائمة عند سماع صوت ذلك الاصطدام.
ذعر الحارس الذي كان واقفا بجانب البوابة وركض خلف السيارة التي تجاوزت المدخل. رفع الحارس سلاحه نحو السيارة.
أخرجت رانيا جسدها من النافذة وصوبت سلاحها نحو الحارس.
التعليقات لهذا الفصل " 57"