منذ تلك الليلة التي تبادلا فيها القبل، كانت اميليا تقضي معظم يومها مستلقية على السرير.
وفي اغلب ذلك الوقت، كانت نائمة.
لم يستطع ديفيد ان يعرف من اين او ما الذي سار بشكل خاطئ.
هو لم يرد سوى سلامتها.
راح يسترجع ذكرياته، لعل فيها ما يفسر الامر.
كان ذلك قبل يومين من مداهمة جيش التحرير لمصنع الاسلحة السري اسفل متجر ثيودور حين علم بالامر.
“يبدو ان جيش التحرير قد حصلوا على مقطورة.”
ابلغه ثيودور بذلك.
“ربما يخططون لنقل الدبابة.”
كانت هي تعلم بشان الدبابة.
اغمض ديفيد عينيه وهو يتذكر اختفاءها بينما كان نائما في الليلة التي اقيم فيها الحفل في متجر ثيودور.
كان الامر مضحكا. فقد كان لها هدف اخر تماما.
بينما كان هو يخشى فقط ان تكون قد قابلت رجلا اخر….
استمر صوت ثيودور:
“المشكلة هي ان جانب الملك ايان دنفر قد لاحظ ايضا حصولهم على المقطورة. يبدو انهم لا يعرفون فيما ستستخدم بعد، لكن بما ان الامساك بهم سيؤكد الامر، فاعتقد ان الملك سينصب كمينا من الجيش. اذا كانوا يخططون للعبور الى ايلون، فنحن ايضا في خطر.”
لم يكن هناك سوى طريق واحد هادئ يؤدي من بن الى ايلون.
واذا سلكه رجال جيش التحرير، فمن المؤكد انه سيتم القبض عليهم، وحينها ستنكشف هوية ‘لايدوغ’ ايضا.
كان اهتمام ثيودور منصبا على عدم اكتشاف الملك لحقيقتهم كـ ‘لايدوغ’، بما في ذلك ديفيد نفسه.
فلو اكتشف الامر، فمن الواضح انه سيصادر الاسلحة وسيجبره على تطوير المزيد منها. لكن اهتمام ديفيد كان في مكان اخر تماما.
“…….”
“سيدي النقيب؟”
ماذا لو لم تكن قد غادرت بن بعد؟
ماذا لو كانت لا تزال تعاشر اولئك الرعاع من جيش التحرير وتقوم باعمالهم؟
ماذا لو كانت الشقراء التي راها تحت المطر قبل ايام هي حقا هي؟
لم يكن ليسمح بان يتم القبض عليها معهم من قبل الملك. فالقبض عليها يعني تسليمها للجيش.
فتح ديفيد عينيه، وامر بوريس الذي كان يراقب الموقف بصمت بجانبه هو وثيودور:
“بو، رتب جدول رحلة عملي. واحرص على اعلان هذا الجدول بشكل علني قدر الامكان.”
تلقى رجال ديفيد اوامر مشددة بعدم اطلاق النار على المراة الشقراء، لذا لم يطلقوا النار على اميليا. ولم تكن اميليا تعلم ذلك، فحاولت التقاط بندقية كولين للرد على الهجوم الوشيك.
لكن ديفيد اطلق النار ليمنعها من التقاط البندقية.
…لقد كانت هي.
تلك التي حاولت التقاط البندقية كانت هي بالتأكيد.
ذلك الشعر الاشقر المجعد كان لها دون شك.
استطاع ديفيد تمييز اميليا على الفور رغم انه كان بعيدا جدا.
“ديـ… ديفيد؟”
هي ايضا عرفته.
“لقد اخبرتك ان ترحلي عن بيلتايت.”
كان على وشك الجنون.
لم تستمع لامر الرحيل.
“والا تظهري امام عيني مرة اخرى.”
لو لم يتدخل هو، لكانت هذه المراة قد وقعت في يد الملك قبل نهاية الليل.
او بدقة اكبر، في يد الجيش.
صر ديفيد على اسنانه من بشاعة الفكرة.
لكنه من ناحية اخرى، شعر بالسعادة.
لانها امام عينيه.
كان سعيدا برؤيتها.
لم تكن هناك كلمة تصف شعوره افضل من هذه.
كان ديفيد كاروين يشعر بالارتياح لرؤية الجاسوسة التي خدعته مرة اخرى.
وبينما كان يتأملها، ادرك فجأة ان وجهها في حالة مزرية.
…هل تعرضت للضرب؟
من فعل هذا بها؟
لقد امر الا يمسها احد بسوء؟
هل يعقل… انهم رجال جيش التحرير؟
اختفى الدفء من عيني ديفيد الرماديتين وحل محله بريق القتل.
“أنا، أنا اسفة يا ديفيد. أنا… كنت…….”
تلعثمت اميليا.
شعر ديفيد ان نطقها كان غير واضح بشكل ما. هي التي كانت تفتن بكلماتها الدقيقة التي تصل الى حد العناد.
ما الذي حدث لها بحق الخالق؟
“اميليا…!”
في تلك اللحظة صرخ احدهم. فاستجابت هي.
اميليا.
يبدو ان هذا هو اسمها الحقيقي.
طاخ- طاخ- طاخ- طاخ-
توالى صوت الرصاص.
ثم ساد صمت مطبق.
فتحت هي فمها بذهول.
كانت عيناها الزرقاوان يملؤهما الرعب.
وبدأت دموع غزيرة تنهمر من تلك العينين.
“ديـ… ديفيد. تـ… تشارلز.”
شعر ديفيد بغريزته ان ‘تشارلز’ هو ذلك الرجل الذي عانقها في المقهى.
بدا انها تطلب المساعدة.
ليحمي حبيبها.
كان وجهها يوحي بانها على وشك فقدان صوابها.
شعر ديفيد بالغضب.
ما الذي يعجبها في رجل لم يستطع حمايتها حتى وصلت الى هذه الحالة.
في تلك اللحظة، اتخذ ديفيد قراره.
سيبقيها بجانبه من الان فصاعدا.
لقد ابعدها لكي لا تتأذى ولا تموت، لكنها انتهت بهذه الحالة.
كان قراره بالسماح لها بالرحيل ظنا منه انها تريد الحرية قرارا غبيا منذ البداية.
بينما كانت اميليا فاقدة للوعي، فحص ديفيد فمها وارتجف من الغضب.
فجرح لسانها الذي كان على وشك الانقطاع كان واضحا جدا.
كان عدم وضوح نطقها بسبب ذلك الجرح.
ظن ان موت رجال جيش التحرير سيحل كل شيء.
فالطائر الذي يفقد سبب طيرانه لا يطير.
اعتقد انه ان لم يستطع حبس الطائر في قفص بشكل مثالي، فما عليه الا ان يلغي سبب طيرانه.
لكن الطائر الذي فقد سبب طيرانه حاول الموت.
“ماذا تفعلين الان!”
عندما انغرزت قطعة الخزف الحادة في معصم اميليا وتدفقت الدماء، ذهل ديفيد حقا.
شحب وجهه تماما.
ارتجفت يداه وهو يضمها الى صدره بعد ان فقدت وعيها من المقاومة.
طوال الفترة التي كانت فيها اميليا تتصرف كفرس مجنونة، كان دم ديفيد يحترق.
لكنه لم يستطع تركها.
فلم يتغير ايمانه بان جانبه هو المكان الاكثر امانا لها.
ولكن في احدى الليالي، استيقظت وسألت:
“قل لي يا ديفيد. لماذا تفعل بي كل هذا؟ هل تحبني؟”
ابتلع ديفيد ريقه بصعوبة.
كان سؤالا قديما.
ذلك السؤال عما اذا كان يحبها.
الان، لم تكن هي وحدها من تسأل، بل حتى ثيودور والمستشار….
…ربما كان الامر صحيحا.
انه يحبها.
فان كان لا يريد ان تتأذى او تموت تلك التي خدعته، ويحاول حمايتها بهذا الشكل، فهذا بحد ذاته ليس امرا طبيعيا…….
اذا، متى بدأ هذا الحب؟
هل منذ عودته من كالفينسون؟
منذ ان اصبحت رغبته في امتلاكها وحدها اقوى؟
لكنه لم يستطع الاعتراف.
لانه شعر انه ان اعترف مرة واحدة، فلن يستطيع التراجع ابدا.
حتى الان، كانت لديه رغبة غير طبيعية في تقبيلها بشدة وهي تنظر اليه بنظرات تخبره بانها لا تفهمه…….
لذا، وبدلا من قول انه يحبها، اجاب هكذا:
“لو كنت احبك، لما كنت قتلت كل اولئك الناس الذين تهتمين لامرهم.”
بدا انها اقتنعت تماما.
هل شعرت بخيبة امل؟
لان اجابته كانت بانه لا يحبها؟
لكن لكي تشعر بخيبة امل، كان عليها هي ايضا ان تحبه.
تذكر ديفيد في تلك اللحظة ما حاولت قوله له قبل رحيلها.
«ديفيد. صحيح انني كنت جاسوسة، لكنني مع ذلك احبـ….»
في ذلك الوقت لم يستطع سماع نهاية الجملة. فقد كان ذلك بعد رؤيتها تعانق رجلا اخر، وخشي ان ينزعج ان اكملت كلامها.
ومع ذلك، سألها قبل ايام متعمدا:
«لم تكتفي بخداعي منذ البداية بل كان عليك سرقة ممتلكاتي ايضا؟ رغم كونك جاسوسة الا انك قلت انك احببتني.»
اراد التأكد مرة اخرى.
ان كان كلامها حينها صادقا.
لكنها لم تجب على جزء ‘الحب’.
«كانت هناك ظروف. ظروف لم اكن املك حيالها خيارا. كنت انوي الرحيل حقا بمجرد انتهاء هذا الامر….»
الان، اراد ديفيد ان يسأل اميليا مرة اخرى.
رغم انها تقربت منه كجاسوسة، هل احبته حقا؟
ولكنها مدت يدها.
“تعال الى هنا يا ديفيد.”
كان الامر مفاجئا.
“…ماذا تفعلين الان؟”
تملكه الشك اولا.
“اريد انا ايضا ان افعل ما اهواه.”
“…….”
“عانقني. اريد ان اعانقك الان.”
ولكن منذ اللحظة التي قالت فيها ذلك، لم يعد قادرا على الشك.
فقد كان يشتاق الى حضنها بشدة لا تسمح بالشك.
لم يدرك ديفيد ما كانت تصبو اليه الا عندما شعر بالسلسلة حول عنقه.
“…اميليا…….”
هي ايضا لم تكن تحبه حقا.
“ما الذي تفعلينه بحق الخالق.”
احكمت هي قبضتها على السلسلة.
بدت علامات الالم على وجه ديفيد وحاول فك السلسلة. لكنه لم يفلح.
يبدو انها صممت على قتله. فبما انه قتل حبيبها، يبدو انها لن ترتاح الا بالانتقام.
لكنه لم يستطع الموت الان. فالبحث جار عنها وعن رجال جيش التحرير الذين افلتوا من الملك.
ولو مات هو، سيختفي الشخص الذي يخفيها.
ستكون في خطر.
عندما عجز ديفيد عن فك السلسلة، باعد في النهاية بين ساقي اميليا بدلا منها.
اتسعت عيناها بذهول.
“مـ.. ماذا تفعل الان؟!”
“هل جننت؟!”
شحب وجه اميليا في لحظة.
“انت مجنون!! انت مجنون حقا!!”
“لذا، اتركي السلسلة فوراً….”
“اتركني وشأني. اتركني وشأني، ايها الوغد!!”
سحبت اميليا السلسلة بقوة اكبر.
شعر ديفيد ان الموت اصبح قاب قوسين او ادنى.
وعندما سحب ملابسها ، استسلمت اخيرا.
“تركتها، لقد تركتها. ابتعد عني!!”
افلتت السلسلة واستخدمت يديها وقدميها لدفعه بعيدا.
اخرج هو انفاسا ثقيلة وفك السلسلة الحديدية عن عنقه.
التعليقات لهذا الفصل " 56"