مدّت الخادمة يدها كما لو كانت ستمسك بكمّ إميليا، لكنّها لم تفعل وأظهرت تعبيرًا حائرًا.
نظرت كاساندرا إليها، ثم زفرت وأشارت لها بالمغادرة.
بدت الخادمة سعيدة بشكل واضح، فانحنت وغادرت.
شعرت إميليا بالدهشة قليلاً.
بدت الخادمة أقلّ كفاءة مما ينبغي لامرأة نبيلة مثل كاساندرا، لكن كاساندرا أظهرت تسامحًا غير متوقّع.
هل هذا هو وجهها الحقيقي، وهل حدّتها موجّهة فقط إلى إميليا؟
بينما كانت إميليا تغرق في التفكير، سألتها كاساندرا بنبرة حادّة تختلف عن تلك التي استخدمتها مع الخادمة:
“ما الذي جاء بالآنسة برايت إلى هنا؟”
لكن نطقها كان غريبًا، كأنّها تحاول النطق بوضوح لكنّ كلماتها تنفلت.
أدركت إميليا حينها أنّ كاساندرا كانت تشرب الخمر.
“هل جئتِ… لتسخري من مظهري البائس؟”
ضحكت كاساندرا بسخرية، وهي تبدو مخمورة.
بدت بالفعل مختلفة عن المعتاد.
كانت كاساندرا التي رأتها إميليا دائمًا أنيقة، شعرها وملابسها مرتبة بعناية.
لكن كاساندرا الآن كانت بشعر أشعث، ترتدي رداءً خفيفًا فوق ثوب نوم، بل وكان أحد أكتافها مكشوفًا دون أن تلاحظ. على الطاولة، كانت هناك أربع زجاجات خمر فارغة، يبدو أنّها أفرغتها.
شعرت إميليا بالغرابة تجاه هذا المظهر، وتحدّثت بصعوبة:
“جئتُ لأنّ هناك شيء أريد سماعه منكِ.”
“شيء… تريدين سماعه منّي؟”
ردّت كاساندرا وهي تنظر إلى إميليا بعينين ثاقبتين.
“بالأمس، قلتِ إنّكِ حافظتِ على ديفيد.”
“…”
“جئتُ لأعرف ماذا كنتِ تقصدين.”
ضحكت كاساندرا، التي كانت ذاهلة للحظة.
رأت إميليا أنّ ضحكتها تشبه ضحكة ديفيد، مما جعلها أكثر تمسّكًا بالموضوع.
شعرت بانجذاب أكبر نحوها لأنّها تشبه الرجل الذي تحبّه.
بعد صمت وهي تدير كأسها، تحدّثت كاساندرا:
“يبدو أنّني كنتُ مخمورة بالأمس أيضًا، لأتحدّث عن ‘ذلك’ أمامكِ، يا آنسة برايت.”
“…”
إن كانت تقصد ‘ذلك’، فهذا يعني أنّ كلماتها الهامسة بالأمس لم تكن فارغة.
“لا تهتمّي. لم يكن… شيئًا مهمًا.”
قالت ذلك، ثم أفرغت الكأس المتبقّي دفعة واحدة.
عندما وضعت الكأس، ملأت رائحة العنب الخفيفة الغرفة. في تلك اللحظة، ازداد رغبة إميليا في سماع ‘ذلك’. كانت تظنّ أنّ كاساندرا شخص سيّئ، لكنّها تتصرّف كضحيّة، وأرادت إميليا فهم هذا التناقض.
رؤية كاساندرا تشرب وحيدة جعلت إميليا تشتاق لوالدتها التي لا تعرفها.
إن كانت والدتها حقًا عاهرة، فربّما كانت مألوفة بالخمر.
هل عاشت أيامها الأخيرة هكذا؟ فكّرت إميليا، وجلست أمام كاساندرا دون تفكير.
تفاجأت كاساندرا عندما لم تغادر إميليا وجلست، لكنّها استعادت هدوءها ولم تتفوّه بكلمة، مكتفية بملء كأسها وإفراغه مرارًا.
انتظرت إميليا 40 دقيقة على أمل أن تتحدّث، لكنّها أخيرًا زفرت وبدأت الحديث:
“سيّدتي… أعلم أنّ هذه الغرفة محجوزة طوال هذا الأسبوع. ستكونين في بين طوال الأسبوع، أليس كذلك؟”
“…”
“سأستمرّ بالقدوم خلال وجودكِ هنا. أتمنّى أن تُخبريني قبل مغادرتكِ. إن كان هناك سوء تفاهم بينكِ وبين ديفيد… أريد مساعدتكما على حله. سأعود غدًا أيضًا.”
أنهت إميليا كلامها، وقامت متوجّهة إلى الباب.
تحرّكت كاساندرا قليلاً، لكنّها لم تستدر نحو إميليا، بل حدّقت في كأسها نصف الممتلئ. نظرت إميليا إليها بهدوء، ثم غادرت الغرفة 703 في فندق أديلا.
خرجت الخادمة، التي كانت مختبئة تراقب الوضع، لتودّع إميليا.
**************
في اليوم التالي، واليوم الذي يليه، خرجت إميليا من قصر كاروين بحجّة مرافقة ماثيو في برنامج للإقلاع عن الشرب، وتوجّهت إلى فندق أديلا. لم تحقّق نتائج ملموسة. لم تمنع كاساندرا زياراتها، لكنّها لم تتحدّث أبدًا.
في الزيارة الثانية، أحضرت إميليا فواكه لتجنّب الإحراج.
في الثالثة، اشترت حلويات، بما في ذلك المكارون.
عندما كانت إميليا تغادر دون نتيجة، وكانت كاساندرا على وشك مغادرة الفندق، تبعتها الخادمة إلى الردهة وقالت:
“سيّدتي… إن أتيتِ غدًا، أرجو أن تحضري طبق سلمون!”
“سلمون…؟”
“سيّدتي تتناول السلمون كثيرًا في كالبنسون. سمعت من الخدم القدامى أنّه بسبب حبّ السيد، أعني الدوق كاروين الحالي، للسلمون.”
“…”
اتّسعت عينا إميليا قليلاً. هل لا تزال كاساندرا تتناول السلمون بسبب حبّ ديفيد له؟
“أعلم أنّ سيّدتي تخفي شيئًا، وأنّها تعاني بسبب إخفائه. لكنّها لا تتحدّث عنه أبدًا.”
تابعت الخادمة وهي تنظر إلى إميليا:
“لكنّني أعتقد أنّها قد تفتح قلبها لكِ. هي لا تمنعكِ من القدوم طوال هذا الأسبوع. ربّما يساعد السلمون، فهو طعام تحبّه.”
شكرت إميليا الخادمة على نصيحتها، وفي اليوم التالي، أحضرت شريحة سلمون.
اهتزّت عينا كاساندرا الرماديّتان عند رؤية السلمون، مما جعل إميليا تأمل بتحقيق تقدّم.
لكن كاساندرا، رغم أنّها أكلت قليلاً، لم تتحدّث. بدت وكأنّها ستقول شيئًا للحظة، لكنّها صمتت.
في اليوم التالي، ذهبت إميليا بتشكّك، معتقدة أنّ كاساندرا لن تتحدّث أبدًا.
لكن كون ذلك اليوم هو آخر يوم لكاساندرا في بين، كانت لا تزال تأمل قليلاً.
لكن عندما وصلت إلى الفندق حوالي الثانية ظهرًا، علمت أنّ كاساندرا أنهت إقامتها مبكرًا.
كان باب الغرفة 703 مفتوحًا، والموظّفون ينظّفون الغرفة بعد مغادرة النزيل.
ضحكت إميليا بإحباط وسخرية من نفسها.
سمعت إميليا أخبار كاساندرا مجدّدًا في إحدى الليالي بينما كانت مع ديفيد في المكتبة.
طق! طق! طق! طق!
“سيّدي… الدوق!”
عند سماع طرق عاجل وصوت الخادم ليونارد، تفاجأ ديفيد، الذي كان يقبّل إميليا وهي مستلقية على المكتب ، وتفاجأت إميليا أيضًا.
لم يقضيا ليلة معًا منذ حادثة الحمل، لكنّ النار اشتعلت بينهما.
تنفّس ديفيد بقوّة ونهض، بينما أسرعت إميليا لترتدي ملابسها. جلس ديفيد وأخذ أنفاسًا عميقة، ثم قال بصوت هادئ قدر الإمكان:
“…ادخل.”
دخل ليونارد مسرعًا، وكان وجه ديفيد مليئًا بالاستياء. لكن ليونارد لم يكن في حالة تمكّنه من ملاحظة ذلك.
“سيّدي… الدوق! سيّدة كالبنسون…”
“أمّي؟ ماذا بها؟”
“لقد… حاولت الانتحار.”
“…”
يبدو أنّ ليونارد كان جاسوس كاساندرا في قصر كاروين في بين.
كان صوته المسنّ يرتجف، وعيناه مملوءتان بالدموع، كأنّ حبّه لها لا يقلّ عن حبّه لديفيد.
تفاجأت إميليا بقدر تفاجؤ ليونارد.
كاساندرا كاروين حاولت الانتحار؟
تذكّرت إميليا عينيها الرماديّتين المهتزّتين عند رؤية السلمون، وهما محفورة بوضوح في ذهنها.
التعليقات لهذا الفصل " 35"