في أيّام مسرح لايت، كانت علاقة إميليا بمينا مجرّد معرفة سطحيّة، لكن مينا كانت تعاملها الآن كما لو كانت صديقة حميمة منذ زمن طويل.
ظنّت إميليا أنّ مينا ربّما تراها كرفيقة درب، فأصبحت تعتمد عليها.
كان حفل الزفاف يحمل جوًا يجعل مينا مضطرّة للاعتماد على إميليا. حتّى الضيوف الآخرون، باستثناء الكونتيسة فايل التي حضرت لأنّها لم تستطع ترك ابنها يتزوّج وحيدًا، لم يكونوا يبدون أيّ ودّ تجاه الزوجين.
وكان موقفهم هذا ينطبق على إميليا أيضًا.
كانوا يتهامسون وهم ينظرون إليها، كما لو كانت إميليا هي من أثّر على مارفن ليقدم على هذا الزواج.
كانوا ينظرون تارة إلى إميليا وتارة إلى كريستينا، إحدى الضيوف الأخريات، مما جعل إميليا تشعر بالضعف في تلك اللحظة.
حتّى الأميرة كريستينا، التي بدت شاردة الذهن كمن لا يلاحظ نظرات الآخرين، لم تكن استثناءً.
لكن نظرات كاساندرا كاروين الحادّة تجاه إميليا كانت مماثلة أيضًا.
لاحظ ديفيد ذلك، فأبقى إميليا قريبة منه، ووقف بينها وبين كاساندرا ليحجب نظراتها عنها. وكان يقول لها من حين لآخر:
“بمجرّد انتهاء المراسم، سنعود إلى المنزل مباشرة. لا تهتمّي بأمّي.”
لكن إميليا، في الواقع، كانت تبحث عن فرصة لتكون بمفردها مع كاساندرا.
***************
بعد انتهاء المراسم، أصّرت إميليا على البقاء في حفل الاستقبال.
كان سببها الظاهريّ هو دعم العروس.
لم يكن هذا السبب كاذبًا تمامًا؛ فقد بدا أنّ مينا تنظر إليها كلّما شعرت بإهانة من النبلاء، وكأنّها تستمدّ الشجاعة من رؤية إميليا محميّة بديفيد وزوجها إلى جانبها.
لكن لهذا السبب بالذات، لم تجد إميليا فرصة للتحدّث مع كاساندرا.
كانت تريد توجيه اللوم لها على إرسال الطيور الميّتة، بل والطيور بلا رؤوس، وأن تعاتبها بشدّة على جرحها لديفيد، لكن ديفيد لم يغادر جانبها.
نظرت إميليا خلسة إلى كاساندرا، التي كانت تتحدّث مع نبلاء آخرين في الحديقة المتصلة بقاعة الاستقبال.
كانت تتحدّث معهم، لكنّ انتباهها كان موجّهًا بوضوح نحو إميليا وديفيد.
شعرت إميليا بقوّة أنّه إذا غاب ديفيد للحظة، ستأتي كاساندرا لتوجّه لها كلامًا لاذعًا.
بعد تفكير قصير، قالت إميليا بتردّد:
“أعتقد… أنّني بحاجة للجلوس قليلاً.”
ظنّت أنّ ديفيد، المنشغل بمناقشات عمل مع آخرين، لن يتبعها. لكنّه أشار بيده معتذرًا للآخرين وقال ببساطة:
“حقًا؟ حسنًا، سأذهب معكِ.”
ارتبكت إميليا ولوّحت بيدها:
“لا، لا، عليكَ مواصلة حديثكَ.”
“لا بأس، لقد انتهيت من الحديث المهمّ على أيّ حال.”
سأل ديفيد الرجال الذين كان يتحدّث معهم، فأومأوا بحماس لإرضائه. ارتبكت إميليا وقالت:
“حسنًا، اذهبوا واجلسوا أوّلاً. سأحضر كأس شامبانيا جديدة.”
توجّه ديفيد مع الرجال إلى مكان للجلوس.
تعمّدت إميليا الذهاب إلى أبعد نقطة ممكنة منه لأخذ كأس شامبانيا.
عندما وصلت إلى طاولة مليئة بكؤوس الشامبانيا، نظرت خلسة إلى الحديقة.
رأت كاساندرا تنظر إلى ديفيد، ثم انتقلت عيناها إلى إميليا. تفاجأت إميليا وتظاهرت باختيار كأس شامبانيا بسرعة.
ثمّ نظرت إلى ممرّ يقع خلف قوس في جانب القاعة.
‘إذا دخلتُ ذلك الممرّ… هل ستتبعني؟’
شعرت أنّ ذلك محتمل، فوضعت كأس الشامبانيا الفارغة على الطاولة وتوجّهت نحو القوس.
في تلك اللحظة، اصطدم بها شخص اقترب بسرعة ودفعها من كتفها.
“آه… آسفة جدًا!”
اعتذرت المرأة التي اصطدمت بها.
كانت الأميرة كريستينا.
بدت وكأنّها شربت كثيرًا، وجهها محمرّ، وكانت رائحة الكحول تختلط برائحة عطرها. لكن عينيها الزرقاوان الكبيرتان كانتا مملوءتين بالدموع. تفاجأت إميليا وفتحت فمها، لكن صوتًا من الخلف نادى الأميرة:
“كريستينا…!”
استدارت الأميرة بسرعة، ودموعها تتساقط، ثم ركضت نحو الممرّ خلف القوس. نظرت إميليا إلى من ناداها، فاتّسعت عيناها الزرقاوان دهشة.
“ما…ثيو؟”
“آه… إميليا.”
“لماذا أنتَ هنا؟”
ضحك ماثيو بإحراج وقال باختصار:
“مهمّة. سأشرح لكِ لاحقًا.”
ثم تبع الأميرة واختفى.
ذهلت إميليا للحظة، لكنّها استعادت رباطة جأشها ونظرت إلى كاساندرا.
كانت الآن تركّز انتباهها بالكامل عليها، دون أن تنظر إلى من أمامها.
شعرت إميليا بثقة أنّها ستتبعها إذا دخلت الممرّ. تنفّست بعمق، هدّأت أعصابها، ودخلت الممرّ.
دق-… دق-…
صدى خطوات إميليا البطيئة المتعمّدة رنّ في الممرّ الرخاميّ. بعد قليل، انضمّ صوت خطوات أخرى.
طق- طق-
من إيقاع الخطوات الحادّ والمنتظم، عرفت إميليا من يتبعها. كانت كاساندرا كاروين، الشخص الذي تنتظره.
مشيت إميليا قليلاً في الممرّ، ثم دخلت غرفة كان بابها مفتوحًا.
يبدو أنّ مارفن فايل يهوى الرسم، فقد كانت الغرفة مليئة بأدوات فنيّة.
تمثال جصّي يعكس ضوء القمر، ولوحة غير مكتملة مغطّاة بقماش أبيض على حامل. ضوء القمر الذي يمرّ عبر نافذة طويلة في وسط الغرفة غطّى إميليا وألقى ظلّها الطويل.
دخلت كاساندرا الغرفة، وهي تدوس على طرف ظلّ إميليا.
“أين الأميرة…؟”
بمجرّد دخولها، سألت عن كريستينا. كانت قلقة أن تكون زوجة ابنها من العامّة قد أساءت الأدب مع الأميرة، فتبعتها.
لاحظت إميليا ذلك، وشعرت ببعض الإحباط لأنّ كاساندرا تهتمّ بكريستينا أكثر منها، لكنّها، بدافع عدائها تجاه من جرحت ديفيد، قالت بجرأة:
التعليقات لهذا الفصل " 34"