سألت إميليا هكذا، لكنّها استطاعت أن تتعرّف فورًا على ما كان محمّلاً على الشاحنة. كان سرير طفل فاخر، يبدو بمجرد النظر إليه أنّه باهظ الثمن.
سرير طفل…؟
لكن لا يوجد طفل!
نظرت إميليا إلى بطنها المسطّح، ثمّ عادت لتنظر إلى سرير الطفل في حيرة واضطراب.
قال ديفيد لإميليا:
“أريدكِ… أن تنجبي طفلاً.”
“دي… ديفيد!”
“كلّ ما عليكِ هو أن تنجبيه. لا أطلب شيئًا آخر. سأتحمّل مسؤوليّة كلّ شيء يتعلّق بالطفل.”
“ديفيد!”
“وفي مقابل إنجابكِ للطفل، سأعطيكِ أيضًا حصّة من أسهم شركتي…”
“الدوق… لا يوجد طفل!”
“…”
“…”
“…ماذا؟”
“حتّى لو أردتُ إنجاب طفل، لا يوجد طفل لأنجبه.”
“لكن أمس، أنتِ قلتِ بوضوح…”
“أمس كنتُ مخطئة. لم يسبق لي أن كانت دورتي غير منتظمة، لكنّني لم أحِض، فظننتُ أنّني حامل. لكنّه ليس حملًا. أنا آسفة لأنّني جعلتكَ أنتَ أيضًا تسيء الفهم.”
“…”
فتح ديفيد فمه للحظة ليناقضها، ظنًّا منه أنّها تكذب لأنّها لا تريد إنجاب طفل. لكنّ تعبيرها المليء بالأسف بدا صادقًا. استرخى كتفاه المتشنّجان، وشعر بإحباط عميق.
************
بعد أيّام، في الصباح، كانت إميليا تنظر من النافذة إلى ساحة منزل كاروين الأماميّة، حيث كان الخدم يزيلون سرير الطفل الذي ظلّ يزيّن المكان لفترة.
لم يكن سرير الطفل وحده هو الذي يُزال، بل أيضًا عدّة صناديق من ملابس الأطفال التي طلبها ديفيد مع السرير.
لم يكن متأكّدًا حتّى إن كان هناك طفل، بل وحتّى لو كان هناك طفل، لم يكن يعرف إن كان ذكرًا أم أنثى، فلماذا اشترى كلّ هذه الملابس…؟
زفرت إميليا محاولةً التخلّص من شعور الإحباط.
كان من الجيّد ألّا يكون هناك طفل.
بالتأكيد كان الأمر كذلك.
لو اكتشف ديفيد أنّها جاسوسة، ربّما لن يغفر لها.
ولو لم يغفر لها، لما كانت الأمّ بجانب طفلها.
لكن على الأقلّ، كان سيكون هناك أبّ.
وحقيقة أنّ ديفيد، بدلاً من أن يطلب التخلّص من الطفل، اشترى سرير طفل وملابس، بل وعرض أسهم شركته كشرط لإنجاب الطفل، تُظهر مدى رغبته فيه.
هذا جعل إميليا تشعر بمزيد من الإحباط تجاه حقيقة أنّها ليست حاملاً.
لو كانت حاملاً، لكان قد وُلد كائن يحمل نصف ملامحها ونصف ملامحه، كائن يربط بينهما.
وهي تفكّر هكذا، داعبت إميليا بطنها الفارغ دون وعي، كما لو كان هناك طفل.
طق- طق- طق-
رنّ صوت طرق عاجل على الباب في تلك اللحظة.
“…نعم؟”
“سيّدتي، أنا ليونارد. هل يمكنني الدخول؟”
“تفضّل.”
أجابت إميليا، فدخل الخادم ليونارد إلى الغرفة. لكنّه كان يحمل تعبيرًا مرتبكًا للغاية.
“بخصوص الطيور الميّتة التي تُرسل إليكِ بين الحين والآخر، لديّ ما أقوله.”
كان يتحدّث عن الطيور الميّتة التي ترسلها كاساندرا كاروين.
بدأت هذه الطيور تُرسل منذ اليوم التالي للزفاف، واستمرّت بشكل متقطّع. كانت إميليا قد كلّفت ليونارد بالتعامل معها دون تدخّل منها. لكنّه الآن يقول إنّ لديه ما يقوله بشأنها.
“ما بال الطيور؟ هل هناك شيء مختلف هذه المرّة؟”
“الأمر… الطائر الذي وصل اليوم…”
تردّد ليونارد في الكلام، وهو يعبّر عن اشمئزازه من مجرّد التفكير في الأمر. ثمّ هدأ قليلاً وتابع:
“كان بلا رأس. يبدو أنّه قُطع عمدًا. يبدو أنّ التحرّش يزداد سوءًا، لذا أعتقد أنّه من الأفضل إخبار الدوق بهذا الأمر و… البحث عن حلّ.”
“…”
طائر بلا رأس؟
تصوّرت إميليا الطائر دون وعي، فابيضّ وجهها الصغير رعبًا.
‘لماذا… كان لا بدّ من قطع رأسه؟’
غرقت إميليا في أفكارها وهي وحيدة.
كان إرسال طيور ميّتة بحدّ ذاته أمرًا مروّعًا، لكن طائر بلا رأس؟ لم تستطع إميليا فهم لماذا تفعل كاساندرا هذا بها. يبدو أنّها غاضبة جدًا، خاصّة إذا كانت ترسل طيورًا مقطوعة الرأس بدلاً من مجرّد طيور ميّتة. لكن ما الذي أغضبها لهذه الدرجة؟
سرعان ما استنتجت إميليا السبب.
يبدو أنّ كاساندرا ظنّت أنّها حامل.
لم يكن هناك أيّ خبر جديد آخر يمكن أن يثير غضبها.
كان سرير الطفل يقف في ساحة المنزل الأماميّة كزينة في الأيّام الأخيرة، ولم يُناقش موضوع “الطفل” علنًا أمام الخدم.
لذا، حتّى أمر ديفيد بإزالة السرير، ربّما ظنّ الخدم أنّ الدوقة حامل.
يبدو أنّ هناك جاسوسًا بين الخدم، وإذا كانت كاساندرا قد زرعت جاسوسًا، فلا يمكن تجاهلها بعد الآن.
بعد موقفها السلبيّ في مشاكل الخدم السابقة، قرّرت إميليا أن تكون أكثر نشاطًا في حلّ هذه المشكلة هذه المرّة. كانت كاساندرا كاروين الشخص الذي تسبّب في أكبر جرح لديفيد، فاشتعلت في إميليا روح القتال.
لكن كيف يمكن حلّ الأمر؟ لم تتوصّل إلى طريقة واضحة. ازداد تجعّد جبين إميليا من التفكير.
*****************
في هذه الأثناء، كان ديفيد في الشركة، وجبينه متجعّد أيضًا.
لم يستطع التركيز على عمله.
منذ أن علم أنّ حمل إميليا كان مجرّد سوء تفاهم، وجد صعوبة في التخلّص من شعور الإحباط.
كان مجرّد سوء تفاهم تمّ تصحيحه، فلماذا يشعر بهذا الإحباط تجاه طفل لم يكن موجودًا أصلاً؟
في اللحظة التي تخلّى فيها ديفيد عن محاولة التركيز وألقى بقلمه، تلقّى مكالمة من صديقه في الأكاديميّة العسكريّة، مارفن فايل، الذي استعار منه ديفيد وردة في مسرح لايت.
“…زواج؟ أنت…؟”
عبّر وجه ديفيد عن الحيرة تجاه طلب مارفن الذي تلا ذلك.
*************
“…أنا في حفل الزفاف؟”
كانت إميليا تمشّط شعرها أمام طاولة الزينة، فاستدارت متفاجئة. أومأ ديفيد برأسه بدلاً من الإجابة، محتفظًا بالتعبير المحرج الذي كان عليه أثناء المكالمة.
نظرت إليه إميليا بنظرة تطالب بتفسير أكثر وضوحًا.
زفر ديفيد وتحدّث أخيرًا:
“نعم، يريد منّي إحضاركِ بالضرورة. يقول إنّ العروس ممثّلة في مسرح لايت، لكن يبدو أنّ السبب الحقيقيّ هو أنّ العروس من عامّة الشعب، والزواج يعارضه والد العريس. يبدو أنّه يريدكِ أن تحضري لتكوني رمزيًا إلى جانب العروس.”
“…”
ذهلت إميليا للحظة. هل أصبحت رمزًا للزواج بين النبلاء والعامّة إلى درجة أنّ حضورها وحده يمنح العروس القوّة؟
“أعلم أنّه طلب محرج. لذلك لم أكن لأطلب منكِ هذا عادةً. لكنّني… مدين لهذا الرجل.”
قال ديفيد وهو يعبّس. كان مندهشًا من تمسّك مارفن به بسبب باقة ورد واحدة.
حتّى عندما عرض إرسال هدايا ورد تفيض عن قاعة الزفاف، رفض مارفن.
كلّ ما أراده هو حضور الزوجين كاروين، لا شيء غير ذلك.
لم يكن ديفيد يجهل سبب إلحاحه، لذا أراد اصطحاب إميليا، لكنّه كان قلقًا بشأن شيء آخر.
كان حفل زفاف مارفن فايل، ابن الكونتيسة فايل، التي تتمتّع بعلاقات اجتماعيّة واسعة مع النبلاء وحتّى الملوك.
وبالتالي، كان من المؤكّد أنّ كاساندرا كاروين، الصديقة للكونتيسة، ستحضر الحفل. كان ديفيد قلقًا من أن تتحدّث كاساندرا إلى إميليا بكلام جارح كما فعلت في حفل زفافهما.
“إذا كنتِ تشعرين بعدم الراحة بسبب والدتي ولا ترغبين في الذهاب، سأتحدّث إلى مارفن و…”
عندما أخبرها بحضور كاساندرا ولم تجب إميليا، خاف ديفيد وأعلن أنّه سيرفض مارفن بنفسه.
لكن في تلك اللحظة، قالت إميليا:
“سأذهب.”
“…حقًا؟”
“نعم. إذا كانت العروس هي مينا، فأنا أعرفها. إذا كان حضوري سيمنحها القوّة، فيجب أن أحضر وأدعمها.”
لم تكن كلماتها كذبًا. أرادت حقًا مساعدة مينا، التي ربّما تعاني في هذه اللحظة لأنّها لم تُولد نبيلة.
لكن الأمر الأكثر أهميّة في ذهن إميليا في تلك اللحظة كان كاساندرا كاروين. كانت هذه فرصة لمواجهتها ومناقشة كلّ شيء. إذا كانت كاساندرا ستحضر الحفل، فهذا وحده سبب كافٍ للذهاب.
************
أُقيم حفل زفاف مارفن فايل في منزل خاصّ يملكه في الضواحي، وليس في قصر الكونت فايل، لأنّ والده، الكونت، عارض زواجه من عاميّة. كان مقعد والد العريس فارغًا، لكن مارفن، المتفائل دائمًا، لم يهتم كثيرًا. لكنّه رحّب بديفيد وإميليا بحرارة أكثر من أيّ شخص آخر.
“أهلاً، ديفيد.”
صافح ديفيد بقوّة وقال:
“لا تعلم كم يمنحني حضوركما أنتما الزوجين قوّة.”
على الرغم من نبرته المرحة، استطاع ديفيد من خلال وجهه الهزيل أن يشعر بمدى الألم الذي عاناه مارفن حتّى وصل إلى هذا الزفاف.
شعرت إميليا أيضًا بألم الزوجين عندما التقت بالعروس.
“أوه، روزاليا!”
عندما رأت مينا إميليا في غرفة الانتظار وهي تتبادل التحيّات مع الضيوف، أصدرت صوت دهشة، ثمّ عدّلت فستانها وقامت من مكانها.
التعليقات لهذا الفصل " 33"