كانت إميليا جالسةً عند طاولة بجوار النافذة، تنظر إلى كرمة الورد الأبيض المتشابكة على جدران القصر من بعيد، غارقة في التفكير. كان هناك شيء غريب.
بما أنّ زواجهما كان واجهة، اتّفقا مسبقًا على تجنّب إنجاب الأطفال، ومنذ بدء علاقتهما، كانت تأخذ حبوب منع الحمل بانتظام.
لكن دورتها الشهريّة توقّفت.
حدّقت إميليا في كتاب *تاريخ عائلة كاروين* الموضوع على الطاولة. قبل أيام، أحضره الخادم لينارد.
صدّق كذبتها بأنّها فتحت الرفّ لأنّها أرادت قراءة الكتاب، فأحضر لها، بلطف، نسخة جديدة بدلًا من تلك المرتبطة بالرفّ.
شاكرةً لطفه، قرأت إميليا جزءًا من الكتاب.
ووجدت فيه المحتوى التالي:
[مؤسّسو عائلة كاروين، بالإضافة إلى تزيين جدران القصر بالورود البيضاء عبر الأجيال، يتميّزون بخاصيّة فريدة وهي أنّهم جاؤوا من القارّة الغربيّة.
القارّة الغربيّة هي مكان يُعتقد أنّ السحر وأجناسًا مختلفة كانت موجودة في الماضي، وهذا الاعتقاد يتجاوز مستوى الأساطير ليُعتبر حقيقة بين سكّان القارّة حتّى اليوم.
لذا، يقترح المؤلّف شكًا منطقيًا بأنّ مؤسّسي عائلة كاروين كانوا من هذه الأجناس. السبب في تسمية هذا الشكّ غير العلميّ بالمنطقيّ هو كما يلي:
هناك وثائق عديدة تُشير إلى أنّ بعض أسلاف عائلة كاروين كانوا يمتلكون حدسًا متطوّرًا يمكّنهم من إدراك الحقيقة والكذب، والصواب والخطأ، بشكل غريزيّ. وبالنظر إلى أنّ أفراد عائلة كاروين كانوا متميّزين بشكل لافت في القدرات البدنيّة والذكاء مقارنة بالآخرين…]
عندما قرأت هذا لأوّل مرّة، سخرت إميليا بشدّة. السحر؟ أجناس مختلفة؟
كانت كأحاديث كتب الأطفال الخياليّة.
لكن في هذه اللحظة، بدأت تفكّر بجديّة. هل من الممكن أن يكون أسلافه فعلًا من أجناس مختلفة، وأنّ دمهم المختلط جعله مختلفًا قليلًا عن الآخرين، ولهذا لم تُجدِ حبوب منع الحمل نفعًا؟
ثمّ ضحكت إميليا بإحباط.
كانت تضحك على نفسها لأنّها تبحث عن أسباب قد تؤدّي إلى الحمل.
هل كانت تأمل سرًّا أن تحمل بطفله؟
‘……’
لا، لم يكن الأمر كذلك. هزّت إميليا رأسها وهي تفكّر.
حتّى لو أحبّته، لم تكن ترغب في إنجاب طفله.
خاصّة أنّه قد لا يسامحها عندما تعترف بأنّها جاسوسة.
لكن توقّف دورتها الشهريّة، التي لم تكن غير منتظمة قطّ، ظلّ يقلقها.
‘يبدو… أنّني حامل.’
شعرت إميليا بتعقيد مشاعرها وهي تلامس بحذر بطنها المسطّحة التي لم تظهر عليها أيّ علامات بعد.
*************
في هذه الأثناء، كان ديفيد في الشركة غارقًا في التفكير.
قبل أيام، سألته مرّة أخرى:
«ديفيد، هل تحبّني؟»
كان هذا السؤال الثاني من نوعه.
بما أنّه سمع السؤال مرّتين، بدأ ديفيد يفكّر بجديّة أكبر في الإجابة.
‘الحبّ…’
لم يكن يحبّها.
لكن ما هو الحبّ بالضبط؟
في الواقع، حتّى هو لم يستطع تعريفه، فطلب من بوريس إحضار كتاب.
*هل أنا أحبّك؟*
كان الكتاب الذي قرأته إميليا له في المستشفى.
بما أنّها توقّفت فجأة عن القراءة، لم يعرف تتمّة القصّة.
قرأ ديفيد من حيث توقّفت إميليا.
[لا، لم أستطع القول إنّني أحبّك بسبب أشياء كهذه. فقد أردتُ مساعدة طفل يبكي بعد سقوطه، وتنظيف الغبار عنه، ومسح دموعه.
إذا كان هذا هو الحبّ، فإنّ حبّي لكِ لن يختلف عن الشفقة أو الرحمة، أو نوع من العاطفة الغريزيّة تجاه البشريّة.]
“…ما هذا؟”
تمتم ديفيد بنزعاج، ثمّ أطلق شتيمة قصيرة، أغلق الكتاب، وزفر.
ظنّ أنّه إذا قرأ قليلًا بعد الجزء الذي توقّفت عنده إميليا، سيجد تعريفًا للحبّ.
بدا أنّ المؤلّف كان على وشك تقديم تعريف واضح.
لكن المؤلّف، الذي بدا أنّه سيعرّف الحبّ، غيّر رأيه فجأة وقال إنّ ذلك ليس حبًّا.
كان لدى ديفيد الكثير من العمل، ولم يكن لديه وقت للتمسّك برواية.
نظر ديفيد بالتناوب إلى الكتاب السميك وأكوام الأوراق على مكتبه، ثمّ رمى الكتاب جانبًا بنزعاج.
فكّر أنّه قد يكون من الأسرع أن يسألها مباشرة. بما أنّها أحبّته، فهي تعرف بالتأكيد ما هو الحبّ. لكن…
هل هي فعلًا تحبّه؟
تجعّدت جبهة ديفيد عندما خطرت له هذه الفكرة فجأة.
عند التفكير، أدرك أنّها سألته فقط إن كان يحبّها، لكنّها لم تقل أبدًا إنّها أحبّته. تعمّقت تجاعيد جبهته.
رنّ الهاتف بصخب في تلك اللحظة.
“…ألو؟”
“ديفيد؟”
“…روزاليا؟”
“ليس هناك شيء، لكن… متى ستعود اليوم؟”
***********
بعد عودة ديفيد من العمل، شاهد الاثنان فيلمًا معًا.
بما أنّ الفيلم السابق الذي شاهداه أثار ذكريات ديفيد المؤلمة، أرادت إميليا مشاهدة فيلم جديد ليحلّ محلّ تلك الذكريات.
كان الفيلم الذي شاهداه قصّة حبّ عاديّة عن صديقين لم يدركا مشاعرهما تجاه بعضهما حتّى أدركا أخيرًا أنّهما يحبّان بعضهما.
بعد الفيلم، تجوّلا على ضفّة نهر تاين، ثمّ دخلا إلى حديقة فينيسيا.
في الأيّام المشمسة، كان سكّان بين يتوافدون إلى الحديقة للاستمتاع بالشمس.
كان الجوّ غير مشمس بعد المطر، لكن عدم هطول المطر كان يُعتبر جوًّا جيّدًا في بين.
كانت السماء الرماديّة الداكنة، والعشب الأخضر المجمّع في وسط الحديقة، والمباني الرماديّة ذات الأسقف الزرقاء في الخلفيّة، متناسقة بشكل جيّد.
جلست إميليا عند طاولة في مقهى مفتوح مزيّن بكروم الورد الزهريّ.
حان الوقت للتحدّث إلى ديفيد.
منذ البداية، قرّرت مشاهدة الفيلم اليوم لتتمكّن من قضاء وقت معه والتحدّث إليه بعد ذلك، لأنّها حجزت موعدًا في عيادة النساء غدًا.
يبدو أنّها حامل بالفعل.
لكن إذا تأكّد حملها وسمعته إجابة سلبيّة عن الطفل، شعرت أنّها لن تتحمّل.
لذا، كانت هذه الفرصة الأخيرة لتسأله بشكل طبيعيّ عن رأيه في إنجاب طفل.
لكن عندما حان وقت السؤال، لم تستطع فتح فمها بسهولة.
لذا، بدأت تتحدّث عن أمور تافهة مثل ارتفاع الأسعار، ثمّ طلبت عصير فراولة. أمّا ديفيد فطلب قهوة.
أثناء طلب القهوة، نظر إليها بتمعّن.
كان يعلم أنّها تحبّ الأطعمة التي تحتوي على الفراولة، لكنّها كانت دائمًا تشرب القهوة، فأراد أن يسألها عن ذلك.
كما أراد أن يسألها عن شيء آخر: هل تحبّه فعلًا؟
لكن على الرغم من أنّ الأمر بسيط، لم يستطع فتح فمه بسهولة. كانت الأجواء بينهما محرجة.
كان الحديث يدور على السطح. بعد صعوبة طويلة، أشرقت وجه إميليا وغيّرت الموضوع:
“انظر هناك، ديفيد. هناك أطفال.”
نظر ديفيد إلى الجهة التي أشارت إليها إميليا.
كان الأطفال يلعبون بالكرة في المساحة بين العشب والطاولات.
لم يكن هناك سوى ثلاثة أطفال، لكنّهم بدوا صاخبين جدًّا بالنسبة لديفيد.
“ديفيد، هل تحبّ الأطفال؟”
سألته إميليا بعيون متلألئة.
“…الأطفال؟”
كان سؤالًا مفاجئًا لديفيد.
لم يفكّر كثيرًا في الأطفال من قبل.
لم يكن يعرف إن كان يحبّهم أو يكرههم.
لكن إذا كان الأطفال صاخبين بهذا الشكل، فلا يبدو أنّه يحبّهم.
هزّ ديفيد رأسه. ظهرت خيبة أمل خفيفة على وجه إميليا.
في تلك اللحظة، صرخ أحد الأطفال نحوها:
“سيّدتي، ارمي الكرة من فضلك…!”
كانت الكرة التي أخطأوها قد تدحرجت إلى قدمي إميليا.
“آه… لحظة.”
استأذنت إميليا من ديفيد وحاولت التقاط الكرة. لكن ديفيد انحنى أولًا، التقط الكرة، وركلها نحو الأطفال.
على الرغم من أنّه ركلها برفق، طارت الكرة بقوّة هائلة، مرسومة قوسًا واضحًا.
التعليقات لهذا الفصل " 31"