فقد كان من المحرج أن تكذب قائلة إنه أخبرها، ثمّ ينقل الخادم الشخصي، كما فعل سابقًا، كلامًا خاطئًا إلى ديفيد.
اتّسعت عينا لينارد ذو الشعر الأبيض الزرقاوان قليلًا.
“أثناء تصفّحي للكتب التي اشتراها، أصبحتُ فضوليّة بشأن أنواع الكتب التي يمتلكها. فأردتُ أن أتفقّدها، ووجدتُ كتابًا أردتُ قراءته، فأخرجتُه… لكنّ الرفّ انفتح فحسب.”
“……”
“……”
ساد الصمت المكتبة للحظات.
‘هل اكتشف أنّني من جيش التحرير؟’ توتّرت إميليا وابتلعت ريقها.
ثمّ فتح لينارد فمه وقال:
“فهمتُ. الدوق لا يصنع أسرارًا مع الأشخاص الذين يعتبرهم من أهله، لكنّه نادرًا ما يختار أشخاصًا ليكونوا كذلك. لذا ظننتُ أنّه أخبركِ عن هذه الغرفة.”
لقد صدّق أنّها فتحت الرفّ بالخطأ.
شعرت إميليا بالارتياح أخيرًا.
لكن كان هناك جزء من كلام الخادم أثار انتباهها.
“ديفيد… لا يحبّ صنع الأسرار؟”
من ذا الذي يحبّ صنع الأسرار؟ لكن بما أنّها كانت تخفي سرًّا كبيرًا عنه، جعلها كلامه عن أنّ ديفيد لا يصنع أسرارًا مع من يعتبرهم أهله حساسة تجاه هذا الأمر.
أومأ لينارد برأسه وأجاب:
“من خلال مراقبتي للدوق طوال هذه المدّة، يبدو أنّه كذلك. الدوق يحدّ من الأشخاص الذين يسمح لهم بدخول أماكنه الخاصّة. لكن عندما يُسمح لشخص بدخول تلك الأماكن، لا يوجد شيء لا يمكن رؤيته هناك. أعتقد أنّ هذه الطباع لدى الدوق نشأت بسبب دوقة كالبنسون. آه، هل تعرفين سبب العلاقة السيئة بين الدوق ودوقة كاساندرا كاروين؟”
أومأت إميليا برأسها.
شعر لينارد بالارتياح، ظنًّا منه أنّه أخطأ، وتابع:
“لا أعلم ما يفكّر به الآن، لكن في طفولته على الأقل، كان الدوق يعتقد أنّ والدته خدعته. كان يظنّ أنّها تتظاهر بالحزن دون أن تكون حزينة، وتركته معي وذهبت إلى الملك إيان دينفر. شعر بخيانة كبيرة حينها، من أمّ تكذب حتّى على ابنها. لذلك، مع الأشخاص المقرّبين جدًّا… لا يخفي الدوق شيئًا. ألا يبدو الأمر كأنّه يقول: ‘أنا مختلف عن أمّي’؟”
“……”
لم تستطع إميليا تجاهل كلام لينارد.
حتّى لو كان الخادم قليل اللباقة، فبصفته خادمًا مخلصًا لعائلة كاروين منذ زمن، وبفضل خبرته، بدا أنّه يعرف ديفيد أكثر منها.
كما شعرت أنّ كلامه منطقيّ.
عندما زارت شركة ديفيد، لم يكن هناك أيّ جزء مغلق في مكتبه.
وكان ذلك المكتب مسموحًا بدخوله لديفيد وبوريس فقط.
كان واضحًا أنّ بوريس من أهل ديفيد، فهو يناديه بلقب ‘بو’ الحميم.
لكن عند التفكير، لم ينادِها هو بلقب حميم.
على الرغم من علاقتهما الجسديّة، لم تكن هي من أهله.
على الرغم من أنّها كانت تعرف هذه الحقيقة، إلا أنّ إدراكها مجدّدًا جعل إميليا تشعر بثقب كبير في قلبها.
في تلك اللحظة، اكتشفت صورًا لكاساندرا كاروين تبتسم بين صور ديفيد وهنري كاروين.
“كاروين… دوقة، أليس كذلك؟”
أشارت إميليا إلى كاساندرا التي تبتسم في الصور مع أب وابنه كاروين.
شعرت إميليا بالحيرة.
كانت تعتقد أنّ هذا المكان مخصّص لتذكّر ديفيد لوالده، لكن وجود أمّه التي يكرهها هنا جعلها متعجّبة.
أومأ لينارد وقال:
“نعم، أعتقد أنّ الدوق يشتاق لوالدته أيضًا.”
“……”
لم تتمكّن إميليا من الموافقة على كلام لينارد.
فقد عرفت كيف عامل ديفيد كاساندرا ببرود في حفل الزفاف.
لكن لينارد أكمل:
“بعد جنازة الدوق السابق، أصبح للدوق الحاليّ هواية.
كان يبحث عن الحيوانات المجروحة في الغابة القريبة من القصر، ويحضرها ليعالجها ويطعمها ويعتني بها حتّى تُشفى. كنتُ أعتقد أنّ هذه الهواية… هي تعبير عن رغبة الدوق في أن يعتني أحدهم بجراحه. كأنّه يقدّم الشفاء الذي كان يريده لنفسه.”
“……”
“والشخص الذي أراد الدوق أن يعتني بجراحه لم يكن سوى والدته، التي تسبّبت بهذه الجراح. بينما ينمو الآخرون في هذا العمر بحبّ أمّهاتهم، كان عليه أن يبتعد عن أمّه من أجل والده، فكم كان شعوره بالنقص؟ لذا، على الرغم من كرهه الظاهريّ، فهو في قرارة نفسه يشتاق إليها، ويريد العودة إلى الأيّام التي لم تحدث فيها تلك الأمور. لذلك لم تُرمَ صور الدوقة، وبقيت هنا. دائمًا ما كنتُ أعتقد أنّ هذا المكان هو مكان يخفي فيه الدوق جزءًا من قلبه.”
“……”
عند سماع هذا، بدت هذه الغرفة الصغيرة وكأنّها تجسيد لرغبات ديفيد كاروين الطفوليّة.
مكان يجتمع فيه الأب المشتاق إليه، والأمّ التي ساءت علاقته بها في الواقع، لكنهما معًا سعداء.
ديفيد البالغ يتظاهر بأنّ هذا المكان لا يعنيه.
لكنّه لا يزال يشتاق إلى عائلته.
يسترجع الأوقات التي كانت فيها عائلته متماسكة.
كما لو كان سنجابًا يجمع الجوز في مكان واحد.
لو أنّه سنجاب غبيّ يخفي ما يجمعه وينساه، لكنّه لا يستطيع حتّى ذلك…
شعرت إميليا بأنّها عاجزة عن قول شيء.
نظر لينارد إلى إميليا وسأل بحذر:
“إذًا، اكتشافكِ لهذه الغرفة… هل يجب أن أخبر الدوق؟”
“لا تُخبره، من فضلك. أعتقد أنّ ديفيد سيفتح قلبه لي يومًا ما بنفسه. أريد أن أنتظر حتّى ذلك الحين.”
أجابت إميليا.
أومأ لينارد موافقًا على إجابتها المفهومة.
***************
في ذلك اليوم، استقبلت إميليا ديفيد عند عودته من العمل كالمعتاد.
تناولا العشاء معًا، وعمل ديفيد في المكتبة بعد ذلك.
جلست إميليا أمامه ورسمتْه.
كان المشهد كالمعتاد.
لكن قلب إميليا الذي يفكّر في ديفيد كان قد تغيّر قليلًا.
لم يعد يهمّها إن كان يحبّها أم لا.
حتّى تُضطر إلى مغادرته، قرّرت أن تحبّه هي.
بلا شروط.
هو، الذي ينقصه الحبّ بشكل مطلق.
***************
بعد أن أنهى ديفيد عمله، ذهبا إلى الفراش معًا.
استيقظت إميليا في منتصف الليل على صوت الرعد.
لم يكن الصوت عاليًا كما سمعته في المستشفى، لكنّه كان قويًّا بما يكفي ليجعلها تنتفض وترفع رأسها لتنظر إلى ديفيد.
وكما توقّعت، كان مستيقظًا بالفعل، يتصبّب عرقًا باردًا.
“…روزاليا.”
ناداها وهو يرجّع خصلات شعرها المبعثرة إلى الخلف.
‘الذي يحتاج إلى العناية لستُ أنا.بل أنت.’
شعرت إميليا بالغصّة، فقامت وجلست فوق ديفيد.
اتّسعت عينا ديفيد، الذي وجد نفسه فجأة معها فوقه.
“روزال… ماذا تفعلين الآن؟”
“ديفيد، هل تحبّني؟”
سألته.
ضيّق عينيه، وكأنّه يجد صعوبة في الإجابة.
لكنّها لم تتوتّر كما حدث عندما لم تسمع إجابته سابقًا.
لأنّها قرّرت أن تحبّه حتّى لو لم يحبّها.
الرجل أمامها كان بحاجة إلى الحبّ أكثر من أيّ شخص آخر.
كانت تنوي أن تحبّه دون ندم حتّى تعترف بأنّها جاسوسة.
“ابقَ ساكنًا، سأتولّى الأمر بنفسي.”
استمرّ الرعد، لكن ديفيد لم يعد يسمعه.
****************
“القهوة قوية جدًّا، تناوليها مع الكعك، وإلّا ستؤذين معدتك.”
منذ فترة، أصبحت رانيا مسؤولة عن قهوة دوقة الصباح. على الرغم من شعرها البنيّ، سُمح لها بدخول القصر الرئيسيّ، لأنّ ديفيد قدّر مساهمتها في الإبلاغ عن الخادمات اللواتي تحدّثن عن الدوقة بسوء. لذا أصبحت قادرة على قضاء وقت أكثر راحة مع إميليا.
“شكرًا، راني.”
ابتسمت إميليا وهي تتلقّى القهوة والكعك.
لكن سرعان ما لم تستطع مقاومة التثاؤب.
كانت تشعر بنعاس شديد.
منذ زواجها، استمرّت في عدم النوم جيّدًا ليلًا، لكن بسبب تراكم التعب، أصبح من الصعب تحمّل ذلك مؤخرًا.
نظرت رانيا إلى إميليا، التي كانت الهالات السوداء تحت عينيها واضحة، بنظرة شفقة.
كانت رانيا تكره ديفيد كاروين.
كيف يمكن له أن يُرهق هذه الفتاة الصغيرة كلّ ليلة بهذا الشكل؟
سمعت أنّ الأمر ليس ممتعًا إذا لم يكن هناك حبّ متبادل.
تذكّرت رانيا فجأة ما سمعته من صديقة ذات خبرة.
في تلك اللحظة، شعرت بألم حادّ في أسفل بطنها.
“آه…”
وضعت رانيا يدها على بطنها وانحنت.
نظرت إميليا، التي كانت تشرب القهوة، بدهشة.
“ما بكِ، راني؟ هل أنتِ مريضة؟”
“لا، لا شيء. مجرّد ألم الحيض. اقترب من نهايته لكنّه لا يزال مؤلمًا.”
عند سماع كلام رانيا، تجمّدت إميليا وهي تمسك بفنجان القهوة.
كانت دورتها الشهريّة تنتهي دائمًا قبل بدء دورة رانيا.
لكن بما أنّ رانيا قالت إنّ دورتها على وشك الانتهاء، وهي لم تبدأ بعد، شعرت بالقلق.
التعليقات لهذا الفصل " 30"