مع عودة الدوق المفاجئة، ساد التوتر بين خدم قصر كاروين. كانت إميليا تشعر بالحيرة نفسها جرّاء عودة ديفيد المبكرة.
لم تكن تعرف مواعيد عودته المعتادة إلى المنزل.
لكن بالنسبة إلى شخص كان مشغولًا جدًا بشؤون الشركة لدرجة أنّه لم يذهب في رحلة شهر عسل، وغادر إلى العمل في صباح اليوم التالي لزفافه مباشرة، بدا من الغريب أن يعود قبل غروب الشمس.
قرأ ديفيد أفكار إميليا على وجهها، فتحدّث بنبرة تحمل شيئًا من الإحراج:
“لم أستطع التّركيز في الشركة. يبدو أنّ الإرهاق تراكم لديّ قليلًا.”
“آه…”
فهمت إميليا الأمر على الفور.
عندما فكّرت فيما فعله طوال الليلة الماضية…
في الحقيقة، لم تقم إميليا بشيء يُذكر ليلة أمس.
لذا، كان من الطبيعيّ أن تشعر إميليا بأنّ إرهاقه أمر مفهوم.
لذلك، تحرّكت جانبًا على السرير الذي كانت تجلس في وسطه، ونقرت على المكان الفارغ بجانبها وقالت له:
“تعالَ وارتح قليلًا. سأوقظك عندما تكون وجبة العشاء جاهزة.”
توقّف ديفيد عن التنفّس للحظة. اقتراحها بالاقتراب منها بدا مغريًا بالتأكيد.
أخذ نفسًا بطيئًا بعد توقّفه غير الإراديّ، ثمّ قال:
“…حسنًا، سأستحمّ أولًا.”
ثمّ اتّجه ديفيد نحو الحمّام.
سرعان ما سُمع صوت الماء يتدفّق.
‘…سأستحمّ.’
ردّدت إميليا الكلمتين في ذهنها.
لم يكن فيهما شيء غريب.
من الطبيعيّ أن يستحمّ المرء بعد عودته من الخارج.
لكن، لسبب ما، شعرت بحرارة مفاجئة في وجهها.
دون وعي، جذبت ضفيرتها المربوطة وشمّتها.
لم تكن هناك رائحة سيّئة على وجه الخصوص.
لكنّها شعرت وكأنّ رائحة الكسل الذي لازمها طوال اليوم في غرفة النوم، بعد تلقّيها الطائر الميت، قد علقت بها.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثمّ نهضت بسرعة واتّجهت إلى حمّام آخر خارج غرفة النوم.
************
عندما عادت إميليا بعد انتهائها من الاستحمام، كان ديفيد في غرفة النوم.
كان وجهه، الذي بدا حادًا قليلًا وكأنّه يبحث عنها، قد تحوّل إلى تعبير ناعم بمجرد أن التقى بعينيها.
شعرت إميليا، التي شاهدت هذا التغيّر لحظيًا، بإحساس يشبه الوخز في قلبها.
سألها ديفيد:
“هل استحممتِ؟”
“آه… نعم.”
“…”.
تردّد ديفيد للحظة بعد إجابتها، ثمّ فتح فمه ليقول شيئًا.
في تلك اللحظة بالذات، رنّ صوت طرق على الباب من الخارج.
طق طق-
كان إعلانًا عن اكتمال تحضير وجبة العشاء.
“سيّدي الدوق، أنا لينارد. هل أرافقكما إلى غرفة الطعام؟”
تنهّد ديفيد بنبرة تحمل شيئًا من الضيق.
شعرت إميليا بالحيرة وهي تنظر تارة إلى ديفيد وتارة إلى الباب المغلق. أجاب ديفيد:
“لا، سنتناول العشاء في الغرفة اليوم. أحضروا الطعام إلى هنا.”
كان من الرائع أن تكون نبيلًا. إذا قرّرت تناول الطعام في غرفتك، يحضرون الطعام إليك ويعدّونه بشكل مثاليّ.
تذكّرت أنّ زوجيّ كونت بلير كانا يتناولان الطعام بهذه الطريقة أحيانًا، لكنّها لم تدخل غرفتهما من قبل، فلم تكن تعرف التفاصيل.
كانت الساعة الخامسة والنصف مساءً.
وقت مبكر قليلًا لتناول العشاء.
لكن إميليا، التي فاتتها وجبة الغداء بعد حادثة الطائر الصباحيّة، كانت جائعة جدًا، فتناولت شريحة اللحم التي قُدّمت للعشاء بنهمٍ شديد.
نظر ديفيد إلى إميليا وهي تأكل بنظرات ثاقبة.
كيف تختفي كلّ تلك الكميّة من الطعام في جسدها الصغير؟
شعر ديفيد، وهو يراقبها، بأنّ مزاجه يتحسّن تدريجيًا.
كان قد شعر بانزعاج لا يُطاق عندما سمع صوت الطرق على الباب، لأنّه كان ينوي اقتراح إعادة ما حدث ليلة أمس، لكنّ الإعلان عن العشاء قطع عليه أفكاره.
لكن، وهو يراها تأكل بنهم، تبدّد ذلك الشعور بالضيق تمامًا.
كان يحبّ رؤيتها تأكل جيدًا. كان الأمر يشبه شعوره في طفولته عندما كان يعتني بالحيوانات المجروحة، يطعمها، ويراقبها وهي تأكل.
شعرت إميليا بنظرات ديفيد الثابتة عليها في تلك اللحظة.
رفعت رأسها ببعض الإحراج وسألته:
“لماذا… تنظر إليّ هكذا؟ هل لديك شيء تريد قوله…؟”
“لا، ليس هذا.”
أجاب ديفيد بهدوء وهو يدير كأس النبيذ في يده.
تذكّر فجأة كلام الخادم أنّ لدى الدوقة شيئًا تريد قوله له.
سأل إميليا:
“روزاليا، أليس لديكِ شيء تريدين قوله لي؟”
“…شيء أقوله؟ لا، لا يوجد.”
“قال السيد كرايت إنّ لديكِ شيئًا تريدين قوله لي.”
“…آه.”
فهمت إميليا الأمر فجأة وشعرت بالحيرة.
كيف يجرؤ على إثارة الموضوع بعد أن اتّفقا على عدم ذكر مسألة الطائر!
لكن يبدو أنّ الخادم لم يتحدّث عن الحادثة بشكل مباشر، فربّما التزم بالاتفاق فعلًا.
على أيّ حال، لم تكن إميليا تنوي إخبار ديفيد عن الطائر الميت.
كان عليها أن تجعله يقع في حبّها، ولم تكن تريد أن يعرف أنّ الآخرين يرونها بمثل هذه الدناءة لدرجة أنّهم يقومون بمثل هذه الأفعال.
علاوة على ذلك، تلقّيها طائرًا ميتًا في اليوم التالي للزفاف مباشرة جعلها تشعر بجرح في كبريائها.
لذلك، تردّدت للحظة ثمّ قالت شيئًا آخر:
“أقصد… الشركة. هل يجب عليك الذهاب إليها بالضرورة؟”
“…الشركة؟ ماذا تعنين بأنّه يجب عليّ الذهاب؟”
“فقط… تساءلت إن كان بإمكانك عدم الذهاب لبضعة أيام.”
“ولماذا؟”
“هذا المكان غريب بالنسبة إليّ. عندما تكون غائبًا، لا أعرف ماذا أفعل أو كيف أتصرّف. لكن عندما تكون أمامي هكذا، أشعر بالأمان. لذا، حتّى أتأقلم مع هذا المكان… أتمنّى أن تبقى بجانبي…”
‘أنت…’
كان صوتها يشبه أنغام أغنية.
ربّما بسبب نسمة الربيع التي هبّت في مارس.
شعر ديفيد بمزاج أفضل.
‘…هل أنا مخمور؟’ فكّر ديفيد.
كان قد قال لها سابقًا إنّ الإرهاق تراكم لديه، وهي كذبة، لكن ربّما تراكم الإرهاق دون أن يدرك.
وإلا فكيف يشعر بالسكر بعد كأس واحد من النبيذ، وهو الذي لا يسكر عادة حتّى بعد عدّة زجاجات؟
من ناحية أخرى، كانت كلمات إميليا عن شعورها بالأمان بوجوده صادقة.
ربّما لأنّه الهدف. عندما يغيب الهدف، شعرت بعدم الارتياح حتّى وهي تفكّر بأنّه يمكنها تفتيش القصر في غيابه.
ماذا لو كان يلتقي بـ”ليكدوغ” في مكان لا تراه؟
لكن عندما كان أمامها، شعرت بالارتياح.
كانت تأمل أن يبقى الدوق أمامها قدر الإمكان في المستقبل، يلتقي بأشخاص مهمّين ويتحدّث عن أمور مهمّة أمام عينيها.
لكن، لماذا شعرت فجأة بأنّ نظراته الموجهة إليها تسبّب لها شعورًا بالدغدغة؟
التعليقات لهذا الفصل " 20"