على الرّغم من المسافة البعيدة نسبيًا ، كانت عيناه السّوداوان الدّاكنتان تنظران إليّ مباشرةً بدقّة.
فجأة ، رفع إحدى عينيه ببطء و أمال رأسه قليلًا.
تفاجأتُ و تجمّدتُ في مكاني من الدّهشة.
‘… مستحيل ، أليس كذلك؟ لا يمكن أن يكون قد تعرّف عليّ!’
نفيتُ الأمر بشكلٍ غريزيّ ، لكنّني لم أستطع تفادي تلك النّظرة.
شعرتُ أنّني إذا أشحتُ بنظري ، سيهجم عليّ كالوحش و يمسك بعنقي.
في الرّواية ، لم يكن هناك أيّ اتّصال شخصيّ بين إيديث و سيرجي.
في الأصل ، هو “دوق الشّمال” ، و لم يكن من النوع الذي يزور العاصمة كثيرًا.
قد يكون صادفها مرّة أو اثنتين في حفل ما ، لكنّه ليس بالشّخص الذي يمكنه التعرّف عليّ بهذه السّرعة …
‘لكنّه يشتبه بي بتهمة اختطاف المطهّرة!’
لم أعد متأكّدة من أيّ شيء.
بالنّسبة لمحتوى الرّواية ، فقد أصبح كلّ شيء متشابكًا و فوضويًا منذ زمن طويل …
في تلك اللحظة —
“سيّدي ، ماذا نفعل بهذا الرّجل؟”
اقترب أحد الفرسان من الدّوق.
فجأة! اختفت تلك النّظرة السّوداء التي كانت تكبّلني و تمنعني من الحركة أو التّنفس ، كما لو كانت وهمًا.
“إنّه من أتباع طائفة سيفيروث. اسحبوه إلى الطّابق السّفلي”
“حسنًا!”
أخذ الفرسان الذين تلقّوا الأمر رجلًا في منتصف العمر ممدًا على الأرض و سحبوه بعيدًا.
لحسن الحظّ ، يبدو أنّهم لم يقتلوه.
“طائفة سيفيروث …”
“هل يعني ذلك أنّ سموّ وليّ العهد كان على اتّصال بالهراطقة؟!”
“يا إلهي ، مهما كان يرغب في الاستيقاظ ، هذا …”
تذمّر النّبلاء الذين سمعوا كلام سيرجي.
بطريقة ما ، كانت ردّة فعلهم أكثر صدمة من مواجهته مع وليّ العهد.
استمعتُ إلى همهماتهم بعناية ، و أنا أراقب سيرجي بحذر.
لحسن الحظّ ، لم ينظر إليّ مجدّدًا.
‘… ربّما كان ذلك وهمًا’
ربّما لم يكن ينظر إليّ ، بل إلى فينسنت.
نظرتُ إلى فينسنت الواقف بجانبي بنظرة جانبيّة ، و قرّرتُ أن أفكّر بهذه الطّريقة.
على عكس تصرّفه المجنون عند مواجهة وليّ العهد ، قاد الدّوق الموقف ببرود و هدوء.
في لحظة ، تمّ إزالة جثّة الوحش و تمّ تنظيم القاعة.
“أعتذر عن هذا الإزعاج. كما تعلمون ، فإنّ سموّه ليس في حالة صحيّة جيّدة … هذه مسألة عائليّة ، لذا لا تهتمّوا و استمتعوا بالحفل”
قال سيرجي بهدوء و هو يمسح يديه بمنشفة أحضرها أحد الخدم.
مع كلماته ، بدأت الموسيقى تتدفّق مجدّدًا.
استؤنف الحفل كما لو أنّ شيئًا لم يحدث.
“واو … لقد كانت معركة نفسيّة شرسة”
فجأة ، صفّر فينسنت و نظر إليّ.
“أرأيتِ؟ ألم أقل لكِ؟ حتّى وليّ العهد ليس بالهيّن. يبدو أنّه أعطى الدّوق ضربة قويّة هذه المرّة”
مع نبرته المرحة ، شعرتُ أخيرًا بأنّ التوتّر قد انفرج.
أدركتُ أنّني كنتُ أراقب البطل الرّابع دون أن أتنفّس حتّى.
هدّأتُ خفقان قلبي المتسارع بصعوبة و فتحتُ فمي.
“… ما هي طائفة سيفيروث؟”
عند سؤالي ، بدا فينسنت مندهشًا.
“إنّها جماعة هرطوقيّة يقودها شخص مختلّ يدّعي أنّه الحاكم الذي انشأ العالم”
“هرطوقيّة …؟”
“لا داعي لأن تعرفي التّفاصيل”
همم. سأبحث عنها بتفصيل بمجرّد عودتي.
قرّرتُ ذلك في نفسي عند ردّه ، ثمّ استدرتُ.
في اللحظة التي خطوتُ فيها خطوة ، أمسك كتفي فجأة.
“إلى أين؟”
سأل فينسنت بعبوس.
أجبتُ و كأنّ الأمر بديهيّ.
“لقد انتهى الاستغلال الآن ، أليس كذلك؟”
“لم ينتهِ بعد. لوريلين لم تأتِ بعد”
“إذا لم تأتِ حتّى الآن ، فهي لن تحضر”
“و مع ذلك ، قد تأتي ، فابقي بجانبي”
عبستُ على كلامه الذي يشبه التّعنّت.
عندما حاولتُ تجاهله و المغادرة ، زادت قوّة قبضته على كتفي.
“مهلًا”
“هذا مؤلم”
طق—!
نفضتُ يده بعنف و نظرتُ إليه بحدّة.
“كفى. هل ستتبعني حتّى إلى الحمّام؟”
“… حسنًا ، كان يجب أن تقولي ذلك …”
تفاجأ فينسنت بنبرتي الحادّة و سحب يده المعلّقة في الهواء بتردّد.
نظرتُ إليه بضيق ، ثمّ استدرتُ بسرعة.
‘… يا إلهي ، يا له من شخص مزعج. كنتُ أعلم أنّه أكثر ضررًا من نفع’
الآن ، لا فائدة من النّدم ، فقد سكبتُ الماء بالفعل.
لا خيار سوى التّخلّص منه بنفسي.
سألتُ أحد الخدم المارّين عن موقع الحمّام ، ثمّ غادرتُ قاعة الحفل بسرعة.
كان الرّواق خاليًا تمامًا.
يبدو أنّ الجميع مشغولون بالحديث عن المشهد النّادر الذي حدث عندما ألقى الدّوق جثّة وحش على وليّ العهد.
كان ذلك لصالحي.
طق—، طق—
عبرتُ الرّواق بسرعة ، و فكّرتُ فيما حدث للتّو.
‘إذن … بينما كان يقاتل عند البوّابة ، اختفت البطلة من القصر. سأل وليّ العهد عن مكانها ، فأوقعه في فخّ’
لخّصتُ كلام البطل الرّابع الملتوي في جملة واحدة.
و مع ذلك ، ظلّت أسئلة غامضة تطفو في ذهني.
‘ما هي موجة البوّابة؟ و هنا … حتّى الوحوش لها أسماء. و أشكالها معقّدة’
الوحوش في عالمي الحديث لم تكن لها أشكال واضحة.
كانت تشبه الأوساخ أو الجثث المتراكمة ، بمظهر غريب و مقزّز لا يمكن وصفه.
أحيانًا لم يكن لها عيون أو أنوف أو أفواه ، و أحيانًا كان لها عشرات منها.
حتّى تلك الأشكال كانت تتغيّر مع كلّ بوّابة ، ممّا جعل تسميتها صعبة.
لذلك ، في العالم الحديث ، كانوا يصنّفون الوحوش بناءً على طريقة هجومها.
مثلًا: “وحش نارّي” ، “وحش سامّ” ، و ما إلى ذلك.
بالطّبع ، في رواية <كيفيّة إنقاذ العالم المهجور> ، لم تكن أسماء الوحوش غائبة.
‘لكنّني اعتقدتُ أنّ ذلك مجرّد جزء من الرّواية ، شيء وضعه الكاتب ليسهل فهمه …’
لو كنتُ أعلم أنّ الأمور ستصبح هكذا ، لقرأتُ الرّواية بمزيد من التّفصيل.
بينما كنتُ أتذمّر من النّدم ، وصلتُ أخيرًا إلى المبنى الجانبيّ بعد مغادرة الرّواق.
كانت هذه الأماكن مخصّصة للضّيوف.
بما أنّ لوريلين لم تصبح بعد ابنة الإمبراطور بالتبنّي ، فمن المفترض أنّها تقيم هنا.
كما قالت إيستون ، كان هناك ثلاثة أو أربعة حرّاس يقفون أمام المدخل.
لأنّني كنتُ بحاجة إلى التّسلّل ، اتّجهتُ إلى الجزء الخلفيّ من المبنى بخطوات خافتة.
لحسن الحظّ ، لم يكن هناك أحد يحرس الباب الخلفيّ الذي يستخدمه الخدم.
فتحتُ الباب الخلفيّ و دخلتُ ، متظاهرةً بأنّني إحدى النّبيلات المقيمات هنا.
بما أنّ الحفل كان في أوجه ، كان الدّاخل هادئًا.
أحيانًا صادفتُ بعض الخدم ينظّفون ، لكنّهم كانوا ينحنون و يمرّون دون أن يشكّوا بي.
‘الطّابق الثّالث ، أوّل غرفة على اليسار’
كرّرتُ الوجهة في ذهني و صعدتُ الدّرج بسرعة.
كانت معرفتي بإيستون ، الذي عمل في القصر سابقًا ، مفيدة جدًا.
سألتها عن ذلك احتياطيًا ، و كان قرارًا صائبًا.
كنتُ الآن في طريقي للبحث عن البطلة التي لم تظهر في الحفل.
‘ما الذي تفعله لتكون هادئة هكذا؟ إذا لم تكن في القصر ، فأين ذهبت؟ يجب أن أجد أيّ دليل’
بعد أن تقاطعت نظراتي مع البطل الرّابع الذي وصلت نسبة جنونه إلى 95% ، لم أعد أستطيع البقاء هادئة.
يمكنني قبول أنّ الأحداث الفعليّة تختلف عن الرّواية.
منذ أن انتقلتُ إلى هذا العالم و أصبحتُ إيديث التي كان من المفترض أن تموت ، كان ذلك بحدّ ذاته خطأً.
‘لكن إذا كنتِ البطلة ، ألا يفترض بكِ أن تقومي بدوركِ؟!’
لماذا تختفين دون إخبار الأبطال ، و تتسبّبين في اتّهام أشخاص أبرياء؟
إذا كنتِ ستذهبين إلى مكان ما ، خذي هؤلاء المجانين معكِ!
“ها … ها …”
وصلتُ أخيرًا إلى الطّابق الثّالث و وقفتُ أمام الباب الأوّل بسرعة.
توقّفتُ للحظة لألتقط أنفاسي.
بصراحة ، كنتُ أشعر ببعض التّرّدد.
كنتُ أعلم أنّني سأواجهها يومًا ما ، لكنّني لم أتوقّع أن أبحث عن البطلة بنفسي.
أنهيتُ استعداداتي الذّهنيّة بصعوبة ، و رفعتُ يدي لأطرق الباب برفق.
طق— ، طق—
“لوريلين ، هل أنتِ بالدّاخل؟ أنا إيديث”
“…”
“لوريلين؟”
طق— ، طق—
طرقتُ الباب مرّة أخرى ، لكن لم يأتِ أيّ ردّ.
‘هل هي حقًا ليست في القصر؟’
عضضتُ شفتي و أنا أفكّر ، ثمّ أمسكتُ مقبض الباب بحذر.
إذا كان مغلقًا ، كنتُ سأعود أدراجي.
كان قدومي إلى هنا بشكلٍ عفويّ متهورًا بما فيه الكفاية.
‘ربّما سيكون من الأفضل أن أدفع لمكتب تحريّات للبحث عنها …’
لم تكتمل أفكاري.
كليك ، كييييك―
مع صوت المفصلات ، انفتح الباب بسهولة مخيفة.
‘… اللعنة’
الآن لا خيار سوى الدّخول.
دخلتُ الغرفة و أنا أكبح دموعي.
“… لوريلين ، هل أنتِ هنا؟”
كانت الغرفة مظلمة ، الضّوء مطفأ.
تسرّب ضوء القمر بضعف من شقوق النّافذة ، لكن عينيّ لم تعتادا الظّلام بعد ، فلم أستطع التّجوال بحريّة.
وقفتُ عند إطار الباب ، و مددتُ يدي لأتلمّس الطّاولة الصّغيرة بجانب الباب.
عادةً ما يُوضع شمعدان بالقرب من الباب لراحة الضّيوف.
‘كما توقّعت’
لحسن الحظّ ، لمستُ شمعدانًا على الطّاولة.
أشعلتُ الشّمعة ، و تأكّدتُ من الرّواق للتأكّد من عدم وجود أحد ، ثمّ دخلتُ الغرفة.
أغلقتُ الباب تاركةً فتحة صغيرة ، تحسّبًا لسماع خطوات أحدهم ، لأتمكّن من الاختباء أو الهروب.
عندما استدرتُ و أنا أحمل الشّمعدان المضاء.
“… ما هذا؟”
توقّفتُ مكاني مذهولةً عندما رأيتُ الغرفة.
كان القصر يليق بكونه قصرًا ، حتّى غرفة النّوم المخصّصة للضّيوف كانت واسعة و فاخرة.
لكن لم يكن ذلك سبب دهشتي.
كانت غرفة نوم لوريلين في حالة فوضى عارمة.
شراشف السرير مبعثرة.
باب الشّرفة الزّجاجيّ محطّم إلى أشلاء.
هووو …
تسرّب نسيم الليل البارد من بين الشّقوق.
“… اختطاف؟”
كانت الدّلائل واضحة لدرجة أنّ أيّ أحد سيفكّر بهذه الطّريقة.
نعم.
بعد شهر من التّجسّد.
اختُطفت البطلة.
التعليقات لهذا الفصل " 33"