عندما فكرّت في الأمر الآن، كان موقفًا طريفًا لدرجة أن الابتسامة تكاد تفلت من فمها.
كانت ترجوه في سرها أن يرحل، ترددها كأغنيةٍ داخل رأسها، بينما كان هو جالسًا بهدوءٍ مريب، كأنه يتناول دواءً.
لا أحد يعلم كم احترق قلبها و هي جالسةٌ بدلًا من سايو. كانت متوترةً خوفًا من أن يُكشف أمرها بسبب تصرفٍ طائش.
تلك الأيام تبدو كأنها حدثت بالأمس، ومع ذلك أصبحا اليوم زوجين. كان الأمر غريبًا….وسعيدًا.
لكنّه تأخر أكثر مما توقعت.
دخل أحد الموظفين الغرفة، و ملأ أكواب الماء الفارغة، ثم خرج. فأعادت داجون النظر إلى ساعتها.
كانت الثامنة والنصف. لم يكن من عادته أن يتأخر هكذا. شعرت بالغرابة، فاتصلت بتشا شين. و عندما سمعت رسالة “الهاتف مغلق”، تسلل القلق إلى قلبها.
ومع تذكّرها لحادث السير السابق، لم تعد تحتمل، فاتصلت بجونغ يول.
“أنا كيم سايو. أعتذر عن الاتصال في هذا الوقت المتأخر، سكرتير بارك.”
[لا بأس، تفضلي.]
“هل….هل حدث شيءٌ في الشركة؟”
[في الشركة؟ لم يصلني أي تقريرٍ خاص، هل تلقيتِ اتصالًا؟]
أجاب جونغ يول باستغراب. وبما أن الشركة بخير، ازداد قلق داجون.
“لا، لكن تشا شين لم يصل بعد.”
هذه المرة تفاجأ جونغ يول وسألها سريعًا.
[لم يصل بعد؟]
“نعم، وهاتفه مغلق.”
فقال جونغ يول أنه سيتحقق من الأمر ويتصل بها، ثم أنهى المكالمة على عجل. بدا أنه شعر بالقلق ذاته.
كان قلبها يحترق. فعبثت داجون بكوب الماء أمامها ثم أخذت رشفةً صغيرة، لكن القلق لم يهدأ.
“أرجوكَ، ألا لكَ أي مكروه.”
في تلك اللحظة، رن هاتفها. و كان جونغ يول.
“نعم، سكرتير بارك!”
[هل وصل الرئيس؟]
بمجرد سؤاله، نبض قلب داجون بعنف.
هذا يعني أن جونغي ول نفسه لم يتمكن من التواصل معه. فبدا الأمر نذير شؤم.
“….لم يصل بعد.”
[لا شيء غير طبيعيٍ في الشركة.]
“نعم….هذا جيّد.”
قالت ذلك رغم أنها لم تشعر بالاطمئنان إطلاقًا.
[هل ستستمرين بالانتظار؟]
“قليلًا فقط.”
[سآتي لأقلكِ.]
“لا، يمكنني أن أستقل سيارة أجرة.…”
رفضت بسرعة، لكن جونغ يول كان حازمًا.
[سآتي.]
أنهى المكالمة بهذه الجملة فقط. فأغلقت الهاتف ونظرت إلى ساعتها مجددًا بقلق. خافت أن يكون قد أصابه مكروه.
كان تشا شين يبتسم لها بصفاءٍ في الصباح، ولم تستطع طرد صورته من ذهنها.
***
شعرت داجون بالذنب لأنها استدعت شخصًا أنهى دوامه. وكأنه شعر باعتذارها، طمأنها جونغ يول بأنه خرج من أجل نفسه.
قال أنه لو لم يهتم بها في ظل انقطاع الاتصال بتشا شين، لكان هو أكثر قلقًا. و اقتنعت داجون بكلامه وركبت سيارته.
“لا أظن أنه حادث.”
قاله جونغ يول وهو ينظر إلى داجون التي كانت تحدق بصمتٍ من نافذة المقعد الخلفي.
“نعم.…”
لو كان حادثًا، لوصلهم خبرٌ كما في المرة السابقة.
لم يطِل أيٌّ منهما الحديث، كي لا ينقلا قلقهما إلى الآخر. و وصلا إلى المنزل سريعًا. فنزل جونغ يول على عجل وفتح لها الباب.
“عندما يعود الرئيس.…”
توقف فجأة، وكأنه شعر أن هذا ليس مناسبًا، ثم قال: “لا شيء. أراكِ غدًا.” وانحنى بأدب.
“نعم، تفضل بالذهاب. آسفـ-“
“ادخلي. سأغادر بعد أن أراكِ تدخلين.”
انحنت داجون شاكرة، ثم خطت خطواتٍ ثقيلة.
و قبل أن يُغلق باب المدخل المشترك، التفتت إليه. كان وجه جونغ يول، الذي أخفى مشاعره طوال الوقت، ممتلئًا بالهمّ.
صعدت بالمصعد ووصلت أخيرًا إلى البيت. و فتحت الباب على أملٍ ضعيف، لكن لم يكن هناك أي أثرٍ لعودة تشا شين. فخارت قواها فجأة، وجلست على الأرض عند المدخل.
“أرجوكَ….لا تُصب بأذى.”
ثم همست وكأنها تتمنى.
***
لم يعد تشا شين إلى المنزل إلا بعد منتصف الليل.
كانت داجون تنتظره في غرفة المعيشة، تعانق ركبتيها على الأريكة. وما إن سمعت صوت الباب حتى اندفعت نحوه.
“تشا شين.…”
كانت ستسأله فورًا عما حدث، وتخبره بقلقها، لكنها عندما رأته توقفت قبل أن تنطق باسمه كاملًا.
كان الجو مختلفًا. انبعثت منه هالةٌ جعلت من الصعب الاقتراب. و لم يكن مترنحًا ولا فوضويًا في خطواته، لكن عندما اقتربت، شمّت رائحة الكحول.
“….هل شربتَ؟”
اقتربت منه، لكنه مرّ بجانبها دون أن يبادلها نظرةً واحدة. و أربكها تصرفه. كان واضحًا أن هناك أمرًا ما، لكنها لم تعرف ماذا يجب أن تفعل.
“هل أُحضّر لكَ ماءً مع العسل؟”
هذا كل ما استطاعت التفكير فيه.
دخل تشا شين غرفة النوم دون أن يرد، وكأنها غير موجودة. فشعرت بالارتباك، لكنها أسرعت لتحضير ماء العسل.
لم تفهم ما الذي يحدث، لكنها شعرت أنه يجب أن تفعل شيئًا على الأقل.
ثم دخلت الغرفة وهي تحمل الصينية، لكنها توقفت عند الباب. فالغرفة كانت مظلمة. و كان تشا شين واقفًا وظهره لها، دون أن يشعل الضوء.
“لقد أحضرت ماء العسل….”
“اشربيه أنتِ.”
طار صوته البارد نحو داجون.
“نعم؟”
كان لا يزال يدير لها ظهره. فأخذ قلبهت ينبض بخوفٍ غامض.
“قلتُ اشربيه أنتِ.”
نبرته كانت قاسية، وفي صوته شيءٌ لا يُمكن رفضه.
لم تجرؤ داجون على السؤال، وشربت ماء العسل كما أمرها.
و على غير ما يليق بالموقف، كان الماء حلوًا بشكلٍ مبالغ فيه. ذلك الطعم السكري الذي دار في فمها كان مقززًا.
عندها استدار تشا شين، الذي ظلّ مولّيًا ظهره طوال الوقت، نحوها.
“اخلعي ملابسكِ!”
“نعم؟”
للحظة، شكّت داجون في أذنيها.
تشا شين الذي لم يكن معها يومًا إلا لطيفًا ودافئًا، لم يكن من الممكن أن يتصرف معها بهذه الطريقة.
تحرك ببطءٍ ثم أشعل المصباح. و امتلأت الغرفة بالضوء فجأة.
فانتفضت داجون وتجمدت في مكانها. وبنظرةٍ خالية من أي شعور، فكّ تشا شين ربطة عنقه بعنفٍ ورماها على الأرض. فشدّت داجون قبضتها على الصينية بلا وعي، وقد تسلل الخوف إلى قلبها.
“هل حدث شيء؟”
بعيونٍ جافة، بدأ يفك أزرار قميصه. بينما تزلزلت عينا داجون وهي تحدّق فيه.
كان هذا التشا شين غريبًا عنها إلى حدّ مخيف.
“لماذا….تتصرف هكذا؟”
حتى صوتها كان يرتجف بشكلٍ واضح.
“لماذا؟ أنتِ أدرى بذلك مني.”
أن تكون هي الأدرى؟ لم تفهم شيئًا.
“لا أعرف. لا أعرف لماذا تتصرف هكذا.”
“لا تعرفين؟”
ارتسمت ابتسامةٌ ساخرة على شفتيه. فشعرت داجون بخوفٍ لا تفسير له.
وفي تلك اللحظة، ومض شيءٌ أشبه بالجنون في عيني تشا شين. و اقترب منها بخطوةٍ واسعة وأمسك معصمها بقسوة. من شدة الصدمة، لم تستطع حتى أن تصرخ.
“!”
ثم سقطت الصينية والكوب الزجاجي على الأرض.
حين أصبح على بُعد أنفاسٍ منها، استطاعت أخيرًا أن تنظر في عينيه مباشرة. فمن بعيد بدتا بلا مشاعر، لكن عن قرب كانتا تعجان بمشاعر متشابكة، كأنهما جُرحتا بعمق.
انشغلت بعينيه لدرجة أنها لم تدرك أن معصمها يؤلمها من شدة القبضة.
“ماذا تريدينني أن أفعل لكِ؟ كيف تريدينني أن أتصرف؟”
كان صوته يرتجف هو الآخر.
“ما الذي.…”
“تقولين أنكِ لا تعرفين؟”
“لا أعرف!”
قالت داجون ذلك بقوة، دون أن تحيد عيناها عنه.
“ها!”
فارتسمت على وجه تشا شين ابتسامةٌ مُرّة. ثم فجأة، وبدون أي إنذار، أفلت معصمها.
اختلّ توازنها للحظة فتعثرت، بينما تراجع هو خطوةً إلى الخلف. و حدّقت به داجون وهي غارقةٌ في الصدمة.
تلاقت نظراتهما للحظة حادة، نظراتٌ مشوشة تختلط فيها مشاعر معقدةٌ لا تُحصى.
“تشا شين.…”
كانت داجون هي من مدّت يدها أولًا. لكنها ما إن اقتربت، حتى تراجع هو نصف خطوة.
ثم مرّر يده على وجهه بخشونة، وكأنه غارقٌ في كراهيةٍ لذاته، واستدار وخرج من الغرفة.
و بعد قليل، سُمع صوت باب المدخل وهو يُغلق، كأنه غادر المنزل. فانهارت داجون وجثت على الأرض.
***
في الصباح الباكر، كان هناك شخصان يتدربان في صالة كندو فارغة.
صوب جونغ يول سيفه الخشبي نحو خصمه، محدقًا بعينيه خلف قناع الحماية، ثم اندفع نحوه.
“ها!”
“يا! الرأس!”
صدّ الخصم الهجوم، ثم شنّ هجومًا متتاليًا حادًا.
كانت قوة الدفع والضرب عنيفة. فابتعد جونغ يول مجددًا وأعاد توجيه سيفه.
وفي اللحظة التي ظنّ فيها أن ضربة الرأس أصابت هدفها، شنّ الخصم هجومه في الوقت ذاته.
وبعد أن سجّل الطرفان ضرباتٍ صحيحة، وكأنهما اتفقا مسبقًا، خلعا معدات الحماية. و كان الخصم المبتلّ بالعرق من رأسه حتى قدميه هو تشا شين.
لم يتصل تشا شين إلا مع بزوغ الصباح.
وعندما وبّخه جونغ يول متسائلًا أين كان ولماذا أغلق هاتفه، قال تشا شين فجأة: “لنلتقِ في صالة الكندو”، ثم أنهى الاتصال.
التعليقات لهذا الفصل " 77"