مرت بضعة أيامٍ بهدوء. و لم تعد ذكرى تلك الليلة التي اختفت فيها، ولم يخبرها جي وون أيضًا بأي شيءٍ يُذكر حتى الآن.
[هل لديكِ أي موعدٍ اليوم أو غدًا؟]
اتصل تشا شين في وقتٍ متأخرٍ من بعد الظهر وسألها مباشرةً دون تمهيد.
قال أنه موعد، لكن بدا أنه يقصد على الأرجح عائلتها من جهة والدتها.
ومن نبرة صوته، بدا وكأن لديه خطةً ما، فترددت داجون في الإجابة.
في الحقيقة، كانت تنوي المرور على لي سوك قبل انتهاء دوام تشا شين، لكنها عدّلت خطتها على عجل.
“آه، لا.”
[إذًا جهّزي حقيبةً خفيفة لمبيت ليلةٍ واحدة فقط. سأتصل بكِ عند الوصول، فقط احملي الحقيبة وانزلي.]
أرادت داجون أن تسأله ما الأمر، لكنها سمعت صوت جونغ يول ينادي تشا شين، فلم تتمكن من السؤال وأنهت المكالمة.
على أي حال، جهّزت حقيبةً لمبيت ليلةٍ واحدة كما طلب.
و يبدو أنها اعتادت الآن على العيش مع تشا شين، فحتى تجهيز أغراضه لم يعد صعبًا عليها. كان ذلك نتيجة مراقبتها له باهتمام من خلف كتفِه وهو يجهّز أغراضه.
وبعد قليل، وردها اتصالٌ من تشا شين.
***
كانت لي سوك تتحسن ببطء، لكن بثبات.
أبدت حماسةً كبيرة للعلاج التأهيلي، فحتى عضلات ربلة الساق التي اختفت آثارها أثناء فقدانها للوعي أصبحت أكثر تماسكًا قليلًا، وأصبحت قادرةً على المشي بنفسها لفتراتٍ قصيرة.
ويبدو أنها كانت ترغب في إظهار تحسنها ولو قليلًا في كل مرةٍ تأتي فيها داجون، حتى أن ج جي وون رأى أنها تبذل جهدًا لا بأس به.
و اليوم أيضًا، إذ ظنت لي سوك أن داجون ستأتي، طلبت بنفسها تلقي المزيد من العلاج التأهيلي وعادت وهي تتصبب عرقًا.
كان جي وون ينتظرها في غرفة المرضى. و دخلت لي سوك الغرفة، وما إن رأت جي وون حتى مسحت المكان بعينيها خلفه. بدا وكأنها تبحث عن داجون.
“جئتُ اليوم بمفردي.”
“حقًا؟”
كانت نبرة لي سوك المتلعثمة قد أصبحت أوضح بكثير. وكان جي وون قد سمع للتو من الطبيب المعالج عن تحسن حالتها.
فلمعت خيبة أملٍ عابرة في عيني لي سوك عندما سمعت أن داجون لم تأتِ، لكنها سرعان ما تمالكت نفسها.
“لقد تحسنتِ كثيرًا.”
“بفضلكَ.”
أجابت لي سوك إجابةً شكلية وجلست بصعوبةٍ على السرير، وساعدتها الممرضة.
“يبدو أنهم سيذهبون إلى مكانٍ ما بما أنه عطلة نهاية الأسبوع.”
“داجون؟ مع من؟”
“مع ذلك الرجل، صاحب الشركة هان، أعني الرجل الذي أصبح صهر السيدة نا لي سوك.”
“صهر؟”
بدت الكلمة التي اختارها جي وون غريبةً عليها، فأعادتها لي سوك بوجهٍ شارد.
كانت داجون تحاول حتى النهاية إخفاء زواجها، لكنها استسلمت في النهاية أمام إصرار لي سوك وأخبرتها بأمر الزواج.
كان تهديد لي سوك برفض العلاج إن لم تخبرها قد نجح. ولم تكن توقعات لي سوك بأنها لن تُعالج دون مقابل خاطئة.
“ابتداءً من اليوم، سنضيف حراسةً إضافية خارج الغرفة. قد يكون الأمر غير مريحٍ قليلًا، لكن نرجو تعاونكِ.”
عند كلام جي وون، ابتسمت لي سوك ابتسامةً خفيفة وكأنها تفهم.
“تخافون أن أهرب، أليس كذلك؟”
و لم يتكلف جي وون عناء نفي ذلك.
“نعم، هذا جزءٌ من الأمر.”
“بما أنني أصبحتُ أعيش مرتاحةً بعد أن بعتُ ابنتي، قد أهرب؟ وبما أن الجريمة التي ارتكبتها جسيمة، فالهرب هو الخيار الأفضل. هكذا تظن، أليس كذلك أيها الشاب؟”
هزّ جي وون كتفيه بخفة.
“داجون تشبه السيدة نا لي سوك كثيرًا.”
ارتجفت لي سوك عند سماع أن داجون تشبهها.
بدا أن للكلام معنى مختلفًا قليلًا، لأنه صادرٌ ممن يعرف سرها.
“إنها عنيدة، ولا تنكسر في أي ظرف. لقد أحسنتِ تربيتها حقًا.”
“…….”
هذه المرة، بدا أن لي سوك فقدت ما تقوله، فاختل تعبير وجهها.
أن يُقال لها أنها أحسنت التربية، كان كلامًا لم تتوقع أن تسمعه من جي وون.
“لكن في كلامكِ جزءٌ غير صحيح، لذلك سأصححه لكِ. لم تكوني تفكرين في الهرب لأنكِ أصبحتِ تعيشين براحة، بل على الأرجح كنتِ تفكرين في الهرب من أجل داجون.”
“أهرب من أجل داجون؟”
أطبقت لي سوك شفتيها وأمعنت النظر فيه بقوة، وكأنها تتحداه أن يقول ما عنده.
“نعم. داجون وجدت ذويها من لحمٍ ودم، وحصلت على كل ما لا تستطيع السيدة نا لي سوك فعله لها.”
اهتزت عينا لي سوك بعنف. بينما نظر جي وون إلى المرأة متوسطة العمر المضطربة، وتذكر داجون التي كانت تتحمل كل شيءٍ من أجل لي سوك.
كانت الأم وابنتها متشابهتين حقًا. لم يكن قوله أنها تشبهها مجرد كلامٍ فارغ. فعند قبولها أن تكون أمًا بديلة، كانت والدة لي سوك مريضة.
حتى في عدم ترددهما في التضحية من أجل العائلة التي تحبها، كانتا داجون و لي سوك متطابقتين تمامًا. وهو أمرٌ لم يكن موجودًا لدى الأم البيولوجية يوهي.
“إذا بقيتِ بجانب داجون، فقد لا تتمكن داجون من العودة إلى عائلتها الجديدة. ستبقى هائمة، غير قادرةٍ على الاندماج، مثل نباتٍ طافٍ.”
“…….”
بدا أن لي سوك اقتنعت بصحة كلام جي وون، فسرعان ما خمدت.
و أصبح نظرها حزينًا، وكأنها لم تكن قبل لحظاتٍ تنظر بتحدٍّ.
“لذلك، لا بد أنكِ كنتِ تفكرين في الرحيل بهدوء، لتعيشي وهي تنعم بما لم تستطيعي منحها. أليس كلامي صحيحًا؟”
“….بما أنها كوّنت أسرةً الآن، فعليها أن تنجب أطفالًا وتعيش حياةً هادئةً ودافئة. دون القلق بشأن المال أو أمٍ فقيرة.”
فأدرك جي وون أن داجون لم تخبر لي سوك بالجزء الأهم.
بدا أن لي سوك لا تعلم أن داجون تزوجت بدلًا من سايو. فهل تعلم إذًا أن سايو، إحدى بناتها، ترقد في المستشفى في حالة موتٍ دماغي؟
تساءل جي وون فجأةً إن كانت لي سوك تحمل لسايو المشاعر نفسها التي تحملها لداجون.
لكن لم يكن لديه نيةٌ لإشباع فضوله. ولم يكن يرغب أيضًا في أن يخبر بما لم تقله داجون. كان هذا أمرًا يجب على الأم وابنتها التعامل معه بنفسيهما.
“هل هذا ما تريده السيدة نا لي سوك؟ أن تعيش داجون بسعادةٍ مع زوجها الآن؟”
رفعت لي سوك نظرها إلى جي وون بوجهٍ بدا عليه شيءٌ من الاستغراب، وكأنها تسأله أليس ذلك أمرًا بديهيًا؟
“تسأل سؤالًا غريبًا. قالت أن العريس شخصٌ رائع جدًا. سمعتُ أنه يعامل داجون بحبٍ كبير. أليس كذلك؟”
في سؤالها الأخير “أليس كذلك؟” تسللت مسحةٌ من القلق. فأجاب جي وون دون أدنى تردد.
بدا له أنه يمكنه أن يمنحها هذا القدر من الطمأنة. ثم إن ذلك كان صحيحًا فعلًا.
التعليقات لهذا الفصل " 64"