هل يمكن أن تتغيّر الاهتمامات إلى هذا الحد خلال فترةٍ لم نلتقِ فيها؟ كانت سايو في الماضي لا تُلقي أي اهتمامٍ على كتالوجات الموضة.
وعلى مدار اليوم كله، وهي تلازمها، شعرت هوا يونغ بإحساسٍ غريب. فذائقة سايو تغيّرت في نواحٍ كثيرة.
أولها الطعام. كانت سايو تفضّل الستيك المتوسط النضج، محمّرًا من الخارج وأحمر نصفه من الداخل، لكنها اليوم طلبت متوسط النضج المائل إلى الاكتمال، بلونٍ وردي لا أحمر.
وحين استغربت هوا يونغ، اكتفت سايو بابتسامةٍ غامضة قائلةً أنها باتت تفضّل هذا مؤخرًا.
حتى أسلوب اختيار الملابس تغيّر قليلًا. لم تعد تلمس التصاميم أو الألوان التي كانت لتختارها سابقًا.
وبصراحة، كان ذوق سايو في الماضي عاديًا لا يلفت الانتباه. أما اليوم، فكانت تراقب حتى الملابس التي تختارها هوا يونغ بنظرةٍ دقيقة.
وحين سألتها إن كان في الأمر ما يثير الاستغراب، تردّدت سايو قليلًا ثم تهرّبت قائلةً أنها لا تعرف.
لم تُبدِ رأيها إلا بعد أن وضعت هوا يونغ قطعتين مختلفتي الأسلوب أمامها وسألتها أيهما أفضل، والمثير أن رأي سايو جاء مطابقًا تمامًا لرأي هوا يونغ.
هل هذه فعلًا سايو التي تعرفها؟ شعرت هوا يونغ بأن صديقةً عرفتها لسنواتٍ قد تغيّرت فجأة، فساورها إحساسٌ غريب.
“كيف الأمور مع أوبا؟”
رفعت سايو رأسها عن الكتالوج الذي كانت تتصفحه صفحةً صفحة.
“ماذا؟”
‘ما تلك النظرة!’
حدّقت هوا يونغ مجددًا في عيني سايو بنظرةٍ غريبة.
كان لون عينيها البني الفاتح مشرقًا بالحياة، مألوفًا وغريبًا في آنٍ واحد. وبسخفٍ غير معقول، خطرت لهوا يونغ فكرة أن سايو ربما ليست هي نفسها.
هل لأن شعرها الطويل قُصّ إلى قصير فتغيّرت ملامحها؟ بدت سايو مختلفةً على نحوٍ دقيق.
ثم تذكّرت أن آثار الجروح على معصمها قد اختفت كلها. تُرى، هل اختفت أيضًا آثار الحرق على كتفها الأيمن؟
كانت سايو، بسبب تلك الندبة التي لم تعالجها حتى عيادات الجلدية، لا تختار أبدًا ملابس تكشف الكتف. وبالطبع، لم تفعل ذلك اليوم أيضًا.
“ومع ذلك….هناك شيءٌ غير طبيعي.”
رغم إدراكها أن الفكرة غير منطقية، لم تستطع هوا يونغ طرد الشك من ذهنها.
“هل يعاملكِ بلطف؟”
تماسكت هوا يونغ بسرعة وسألتها بنبرةٍ طبيعية.
“نعم، يعاملني بلطف.”
كان هذا كل الجواب. فاضطرب داخل هوا يونغ الهادئ مرة أخرى.
لكنها لم تستطع أن تسمح بانكشاف مشاعرها. فرفعت زاوية شفتيها قسرًا وابتسمت لسايو.
“كنتُ قلقةً لأن الزواج تمّ على عجل، لكن هذا مطمئن.”
“صحيح. إنه شخصٌ طيبٌ جدًا.”
مرّ على وجه سايو طيفٌ من مشاعر معقّدة لا ينسجم مع كلماتها، لكن هوا يونغ لم تُعِر الأمر اهتمامًا. فقد كان هناك ما هو أهم الآن.
“عليكِ أن تشكريني.”
“هاه؟”
نظرت سايو إليها بوجهٍ حائر.
“لقد أخبرتكِ عن تشا شين، صحيح؟ كونُه رجلًا طيبًا عرفتِه بسببي، أليس كذلك؟ ولهذا لم يكن قرار الزواج السياسي صعبًا.”
“القرار اتخذته العائلة. ليس أنا.”
“على أي حال، لي فضلٌ في ذلك، أليس كذلك؟”
“…….”
“العشاء كان على حسابي، إذاً الشراب عليكِ. لنشرب كأسًا خفيفًا، مرّ زمن! ما رأيكِ؟”
“لم أخبره بعد أنني سأتأخر.”
“سأعيدكِ قبل أن تتأخري. لا تقلقي.”
فغمزت هوا يونغ بعينها وأدارت السيارة.
***
قبل أن تدخل داجون الحانة التي أخذتها إليها هوا يونغ، تواصلت مع تشا شين.
كانت قد أخبرته صباحًا بموعدها مع هوا يونغ، لكنها أرادت أن تخبره بأنها ستتأخر أكثر مما توقعت.
[ستقضين وقتًا مع صديقتكِ بعد زمنٍ طويل، لا بأس إن تأخرتِ.]
“وماذا عن العشاء؟”
[في الحقيقة، لهذا السبب كنت سأتصل.]
“لماذا؟”
[طرأ موعد عشاءٍ فجأة.]
“آه.”
[بل هذا أفضل. كنتُ قلقاً لأنكِ ستتناولين العشاء وحدكِ، كُلي أشياء لذيذة كثيرة وعودي.]
أنهى المكالمة قائلًا أن عليها الاستمتاع بوقتها مع هوا يونغ، لأن داجون لم تحظَ بوقتٍ خاص حقيقي منذ الزواج.
ثم توقّفت داجون قبل الدخول، وقلبها مثقلٌ وهي تفكّر بهوا يونغ التي سبقتها إلى الداخل.
هوا يونغ، الصديقة الوحيدة لسايو. كانت شخصيةً يصعب سبرها. وعلى وجه الخصوص، طريقتها في التعامل معها، أي مع سايو، كانت تُربك داجون.
“إياكِ أن تدعي الأمر ينكشف يا سايو.”
“ماذا؟”
“لو علم ذلك الرجل بوجود رجلٍ آخر في الماضي، سيتأذى.”
“…….”
“سيتأذى كثيرًا.”
كان ذلك تهديدًا صريحًا.
كانت داجون تتذكّر نظرة هوا يونغ في ذلك الوقت بدقّة.
ما طبيعة العلاقة التي كانت تجمع هوا يونغ وسايو؟ هل هناك شيءٌ تجهله؟
لم تستطع أن تطمئن، لأنها لم تكن قادرةً على معرفة حقيقة مشاعر هوا يونغ التي ترتدي الآن قناع الصديقة المقرّبة.
بدافع القلق، أرسلت داجون رسالةً أيضًا إلى جي وون. أبلغته بأنها التقت هوا يونغ، تحسّبًا لأي طارئ.
و لم تتوقّع أن يطّلع جي وون عليها فورًا، لكن الرد جاءها على الفور.
<أفضل لو لم تلتقي لي هوا يونغ على انفراد>
<لماذا؟>
<لا أشعر بارتياحٍ تجاهها>
<كان من الصعب أن أرفض>
حتى في تجمعات العائلة كانت هوا يونغ حاضرة. لم يكن من السهل رفضها وهي تقترب بوجهٍ ودود.
<أين أنتِ الآن؟>
لم يسأل جي وون أكثر من ذلك، بل اكتفى بسؤالها عن موقعها. فتردّدت داجون قليلًا، ثم أرسلت له الموقع ودخلت إلى البار.
التعليقات لهذا الفصل " 61"