منذ أن خرج من المستشفى، اعتادت داجون مع حلول المساء أن تملأ حوض الاستحمام بالماء ليتمكن تشا شين من أخذ حمّامٍ نصفي.
واليوم أيضًا، بينما كان يبدّل ملابسه، لم تغيّر هي ملابسها، بل سارعت أولًا إلى ملء الحوض بالماء.
كانت تعلم، رغم أنه لا يُظهر ذلك، أن الألم لم يختفِ تمامًا بعد. لذلك أعدّت له حمّامًا نصفيًا يساعد على إرخاء العضلات والتخفيف من آلامه.
وما إن انتهت داجون من ملء الحوض حتى نهضت، لكنها فوجئت بتشا شين يقف أمام باب الحمّام يراقبها، لا تدري منذ متى كان هناك.
“أنتَ متعب، أليس كذلك؟ اغتسل بسرعة.”
“كان بإمكاني أن أفعلها بنفسي.”
“أفعل ذلك لأنني أريد ذلك.”
همّت داجون بالخروج من الحمّام، لكن تشا شين، لسببٍ ما، لم يفسح لها الطريق.
وحين نظرت إليه باستغراب، كان يحدّق بها بعينين معتمتين تشبهان عشبةً سامة تفوح تحيط بها هالةٌ خطرة.
عيناه المائلتان بكسل راحتا تنزلقان على عنق داجون المبتلّ الذي التصق به شعرها بفعل رطوبة الحمّام.
وبفعل توترٍ غامض، ابتلعت داجون ريقها بصعوبة.
لم تكن صغيرةً ولا ساذجة. كانت تعرف جيدًا ما الذي يريده الآن.
كان قد مضى قرابة ثلاثة أشهر على زواجهما، وكانا ينامان في سريرٍ واحد. أصبح التلامس بالأيدي أمرًا طبيعيًا، وازدادت المرات التي كان يجذبها فيها ويقبّلها بصمت.
وكثرت اللمسات العارضة غير المقصودة داخل السرير، ولم يعد أيٌّ منهما يتجنّب الآخر حتى لو تشابكت أرجلهما مصادفة.
أحيانًا، كان يحتضنها بجرأةٍ لينام أقرب إليها، وأصبح ذلك متكررًا إلى حدٍ يمكن القول أنه يحدث تقريبًا كل ليلة.
ومع ذلك، فإن تشا شين لم يتجاوز الحد معها، وكان ذلك من أجل داجون وحدها. كان يعرف جيدًا أنه ينتظر أن تمدّ هي يدها أولًا.
مدّ تشا شين يده وأزاح بلطفٍ خصلات شعر داجون الملتصقة بعنقها، ثم حرّك شفتيه وهو يرسم ابتسامةً حسّية عند فمه.
“هلّا نغتسل معًا؟”
وفي هذه اللحظة التي تومض فيها الأفكار بياضًا في رأسها، لماذا تتبادر كلمات جي وون إلى ذهنها؟
بينما بلغ التوتر ذروته وكاد التفكير أن يُشلّ، وكان قلبها ينبض بجنون، تذكّرت ما قاله جي وون وكأنه تحذير.
“هل تستخدمان وسيلةً لمنع الحمل؟”
فنظرت داجون إلى جي وون بذهول، متسائلةً كيف يمكنه أن يقول مثل هذا الكلام المحرج بكل هدوء.
“أتعرف أنكَ تتجاوز الحد الآن؟”
“حقاً؟ أهذا يُعد تجاوزًا للحد؟”
“أليس كذلك؟”
كانت نظرات جي وون تلحّ على وجه داجون وكأنها تبحث عن شيءٍ ما.
“أقول هذا من أجلكِ.”
“آه! إذًا سؤالكَ عمّا إذا كنتُ أستخدم وسيلةً لمنع الحمل كان من أجلي؟ لم أكن أعلم أبدًا.”
سخرت داجون بلا مواربة. بينما كان جي وون يحدّق بها بصمت، دون أن يُظهر أي مشاعر واضحة.
عيناه، الهادئتان كالماء والعميقتان كهاويةٍ بعيدة، كانت مخفيّةً خلف نظارته الباردة، بحيث يصعب معرفة ما يدور في داخله.
سواءً كان منزعجًا أم مستاءً، شعرت داجون أنها يجب أن تقول ما في صدرها، فانفجرت بالكلمات التي كانت تكتمها.
“الزواج فقط. لا أنوي أن أسمح لأحدٍ بالتدخل في حياتي الزوجية، ولا يوجد سببٌ لذلك. لذا، لا تتدخل فيما أفعله خلال هذا الزواج.”
“أنتِ تبالغين في ردّة فعلكِ.”
“أنتَ من جعلني أكون حسّاسةً إلى هذا الحد.”
لم تتراجع داجون وهي تردّ عليه، لكن جي وون ظلّ محتفظًا بهدوئه وكأن الأمر لا يعنيه.
“أقول هذا لأنني أفكّر بكِ.”
“تفكير القط بالفأر؟”
“حتى لو اعتبرتِه كذلك، فلا حيلة لي.”
“ها!”
ابتلعت ضحكةً ساخرة، فنظر إليها جي وون بهدوءٍ قبل أن يتكلّم بصوتٍ منخفض.
“إن حدث حملٌ خلال هذا الزواج القصير، فمن سيكون الأكثر ألمًا؟”
طفل. لم يخطر ذلك ببالها قط. رغم أنها لم تُمضِ ليلة زفافٍ حقيقية مع تشا شين بعد، كانت داجون تعلم أمرًا واحدًا. لو أرادها بإلحاح، فلن تملك القدرة على رفضه.
كان تشا شين قد توغّل عميقًا في قلبها. والسبب الوحيد الذي جعلها لا تمدّ يدها إليه حتى الآن هو شعورها بالذنب وعدم نقاء موقفها.
كانت تريده، وتريد احتضانه، لكنها لم تملك الشجاعة لذلك. غير أن الطفل كان مسألةً أخرى تمامًا.
كيف لم تدرك تلك الحقيقة البديهية، أن الحب قد يُثمر طفلًا؟ في الواقع، حتى أشار جي وون إلى ذلك، لم تفكّر بالحمل أصلًا.
كانت الأحداث بعد الزواج كثيرة، وشعورها بالذنب لأنها تكذب عليه كان طاغيًا، فبدت وكأن رؤيتها قد ضاقت.
“لا تقلق بشأن ذلك. سأهتم بالأمر بنفسي.”
فحرّك جي وون عينيه قليلًا، ثم ارتسمت على وجهه تعابير غامضة.
“لا تقولي لي….لم يحدث بعد؟”
فاتّسعت عينا داجون بعنف حين أدركت ما الذي يسأل عنه.
لم تكن تريد مشاركة مسألةٍ بهذه الحساسية مع جي وون. لكن يبدو أنه استخلص الجواب من تعابيرها، إذ اتسعت عيناه بدهشةٍ للحظة، ثم ابتسم ابتسامةً خفيفة.
“يبدو أن الرئيس هان يتمتع بقدرٍ غير متوقّع من الصبر.”
“…….”
كادت داجون أن تردّ بحدّة، قائلةً أن الأمر لأنه ليس مثل شخصٍ ما، لكنها كتمت ذلك بصعوبة.
فلم تعد تريد أن تكشف لجي وون أي شيء بعد الآن. كان يزعجها كم كانت تهتزّ بهذا الشكل.
وللعودة إلى الواقع، كان تشا شين يقف عند باب الحمّام منتظرًا جوابها.
لو رفضت، لتركها تمرّ دون تردّد. و ربما لأنها تعرف ذلك جيدًا، أصبح الرفض أصعب. فشعرت داجون بوخزٍ في صدرها أمام مراعاة هذا الرجل الذي ينتظر حتى تفتح قلبها.
‘هل يحق لي أن أطمع؟ بهذا الرجل….’
كان زواجًا محدد النهاية. ومع ذلك، فإن هذه اللحظة وحدها لم تكن كذبة.
في هذه اللحظة التي يريدها فيها، وتريده هي أيضًا، كانت مشاعرهما صادقة.
كان يقف مانعًا طريقها كأنه يغويها، ومع ذلك لم يلمسها تشا شين بسهولة، وكأنه يخشى احتمال أن تُرفض.
كل ما فعله أنه نظر إليها بعينين غارقتين في العمق. غير أن تلك النظرة وحدها كانت تطوّقها بقوةٍ تفوق أي لمس.
وحين طال صمت داجون، تراجع تشا شين خطوةً عن باب الحمّام وكأنه استسلم.
“كنتُ أمزح. مجرد مزاح.”
قال ذلك محاولًا أن يجعل الأمر خفيفًا قدر الإمكان كي لا يثقل الجو. لكن قلب داجون ثقل أكثر وهي ترى ابتسامته اللطيفة.
“سأغتسل بسرعة. بدّلي ملابسكِ أنتِ أولًا.”
وحين بقيت داجون واقفةً بلا حراك، بعثر تشا شين شعرها عند قمة رأسها بلطفٍ بيده الكبيرة.
“قلتُ أنه مزاح، مزاح!”
“…….”
“حتى المزاح لا أستطيع فعله. سيفتر الماء.”
كانت إشارةً واضحة بأن تخرج من الحمّام، لكن داجون لم تستطع، على نحوٍ غريب، أن تخطو خارجه.
أحبّته كثيرًا. أحبّت تشا شين الذي، حتى وهو في موقفٍ قد يشعر فيه بالخذلان والجرح، يضعها هي أولًا.
و لم تستطع أن ترفضه. بل الأدقّ أنها لم تكن تريد ذلك.
“لنفعلها. معًا.”
“ماذا؟”
لم يسمع تشا شين صوتها الخافت بوضوح، و سأل من جديد. فشدّت داجون صوتها،
“لنستحمّ معًا.”
احمرّ وجه داجون بسرعة. كان الأمر محرجًا ومخجلًا، لكنها تشجّعت وتقدّمت خطوةً نحوه. و هو الذي كان يغويها قبل لحظة، تجمّد الآن وهو يحدّق بها.
“سيفتر الماء.”
هذه المرة، أمسكت داجون بمعصمه. في كل مرة كان هو من يمسك بها، لكن الأمر انعكس الآن.
ومع سماعه لموافقتها الواضحة، بدا وكأن أنفاس تشا شين توقفت قليلاً. و من دون أن يرفع عينيه عنها، مدّ يده الأخرى إلى الخلف وأغلق باب الحمّام.
“أغلقتُ الباب.”
“أعرف.”
“هذا يعني أنكِ لا تستطيعين الخروج الآن.”
“أعرف ذلك أيضًا.”
“وإن قلتِ لي أن أتوقف في المنتصف، فلن أستطيع.”
عندها أطلقت داجون ضحكةً خفيفة صافية. فحدّق تشا شين بوجهها، حيث انتشرت الابتسامة على ملامحها كلها، وقد بدا عليه شيءٌ من الذهول.
“هل تخشى أن أطلب التوقف عن الاستحمام في المنتصف؟”
“نعم؟”
أطلق تشا شين فجأةً تعجّبًا قصيرًا: “آه!”، وكأنه أدرك متأخرًا معنى ما قالته داجون. ثم، وعلى غير عادته، احمرّ وجهه، وكأنه أدرك أنه سبق الأمور أكثر مما ينبغي.
حتى لو ضُرب على رأسه بمطرقة، لما بدا عليه هذا القدر من الذهول.
ثم استدار تشا شين على عجل، وملامحه أقرب إلى الصدمة. وبينما كان يتخبّط من ارتباكه، لا تدري من أين جاءت تلك الجرأة، بدأت داجون بفكّ أزرار ملابسها العلوية.
كانت هي الأخرى مستديرةً بظهرها. فتسلّل إليها شعورٌ غريب.
“هل ستدخل الماء أولًا؟”
“….نعم.”
أجاب تشا شين بطاعة تشبه طاعة الطالب المهذّب. ثم سُمِع احتكاك ملابسه من خلفها، و تبعه صوت الماء.
“لا تنظر.”
رغم أنها كانت تعلم أن الطلب بلا جدوى، إلا أن التوتر دفعها إلى قوله.
“لن أنظر.”
وهكذا، وهي ما تزال مستديرة، دخلت الحوض معه. وفي تلك الليلة، عاشا أول ليلةٍ حقيقيةٍ لهما.
***
حلّ يوم الثلاثاء، اليوم الذي وعدت فيه سايو هوا يونغ بالخروج.
كانت هوا يونغ، التي أخذت إجازة، تنتظرها في موقف سيارات منزلها. وبعد قليل، نزلت سايو.
وما إن رأت ابتسامة هوا يونغ المشرقة حتى ابتسمت بدورها وصعدت إلى المقعد الأمامي. ثم انطلقت سيارة هوا يونغ خارج الموقف.
“هل فكّرتِ بما سنفعله اليوم؟”
“أمم.”
عبست سايو حتى ما بين حاجبيها وهي تفكّر، لكن بدا أنه لا شيء محدد خطر ببالها.
“ما الذي ترغبين بفعله؟”
“فقط….تصفيف الشعر، وشراء بعض الملابس….أشياء تجعلني أجمل؟”
“أشياء تجعلكِ أجمل؟”
نظرت هوا يونغ إليها بطرف عينها بدهشة.
أن تريد سايو أن تصبح أجمل….كانت هي نفسها التي قالت أنها تريد أن تعرف المزيد عن تشا شين. لا شك أن مشاعرها تجاهه كانت تتعمّق.
وما إن أدركت هوا يونغ ذلك حتى شعرت بانزعاجٍ لا يوصف.
“هذه أول مرة أسمع منكِ كلامًا كهذا.”
“….حقًا؟ إذن هذه أول مرةٍ أقول شيئًا كهذا.”
بدت سايو وكأنها تعي أمرًا لم تكن تعرفه، فأخذت تكرّر كلمات هوا يونغ في ذهنها.
هل كان السبب أن هوا يونغ لم تكن إلى جانبها حين قالت أن هناك رجلًا تحبّه؟ فقد كانت هذه أول مرةٍ ترى فيها سايو ترغب في أن تصبح أجمل.
“رائع! هذا مجالي، إذاً اليوم بأكمله على حسابي.”
كان احمرار خدّي سايو مزعجًا للعين. قلمع بريق خطر في عيني هوا يونغ.
قادت هوا يونغ سايو في برنامجٍ متكامل للجمال؛ ذهبتا إلى صالون التدليك المعتاد لتلقّي عنايةٍ بالبشرة وتدليكٍ للجسم بالكامل، ثم إلى صالون التجميل.
صبغت سايو شعرها بلونٍ بنيٍ فاتح، بينما قامت هوا يونغ بعمل تمليسٍ وتصفيف.
وفوق ذلك، وعلى الرغم من اعتراض سايو، جعلتها تخضع لمكياجٍ احترافي أيضًا.
كانت سايو ترفض قائلةً أنه ليس يومًا مميزًا ولا داعي لإنفاق المال بلا سبب، لكن ما إن بدأت ملامحها تتغيّر تحت يدي المختصين حتى لم تستطع أن ترفع عينيها عن المرآة.
وبعد الانتهاء من المكياج، أخذتها هوا يونغ إلى متجر أزياء راقٍ.
وقفت سايو أمام المرآة في غرفة القياس مرتديةً فستانًا بسيطًا وأنيقًا. لا شك أن مظهرها في ذلك اليوم كان جميلًا.
و راحت هوا يونغ تفحص تناسق القوام، ثم نسّقت لها حذاءً وإكسسواراتٍ تناسب الزي.
______________________
أدري توأم بس لذا الدرجة يتشابهون عشان هوا يونغ الي تقول اعد صديقه ما لاحظت؟
المهم سايو بريئة تشا شين كان يقصد شي وهي تحسبه الترويش وعنه انكب
التعليقات لهذا الفصل " 60"