تفاجأت داجون وتفقدت تشا شين، لكن يبدو أنه كان متضايقًا، فجاءت نبرته حادة.
“نامي فقط. نامي!”
“قلها بلطفٍ وقل لي أنه عليّ أنام. هكذا!”
“حسنًا.”
كانت نبرة داجون ترتفع تدريجيًا وهي تسايره، ثم في لحظة أدركت متأخرةً مضمون حديثهما.
كان الحديث كله بدافع القلق على بعضهما، لكن الواقع أنهما كانا يتشاجران، وذلك بدا مضحكًا للغاية.
وما إن شعرت بالسخافة حتى انفلتت منها ضحكةٌ مكتومة.
ودحين ضحكت داجون، ثبتت نظرة تشا شين عليها.
“ما الأمر؟”
“ماذا نفعل الآن بالضبط؟”
“حسنًا….”
بدا أن تشا شين لم يجد ما يقوله، فابتسم بإحراج.
“نحن مضحكان جدًا، أليس كذلك؟”
و ابتسم تشا شين هو الآخر ابتسامةً خفيفة.
“هل أصبحتُ ضيق الأفق لأنني محبوسٌ في المستشفى؟”
“ونتشاجر لأن كلًا منا يريد للآخر أن يهتم بنفسه.”
تبادل داجون وتشا شين النظرات، ثم ضحكا بهدوء.
وبعدها عاد تشا شين إلى الجدية،
“لن أمرر الأمر بالضحك فقط. أريد أن أراكِ ترتاحين.”
ورغم ذلك، كانت نبرته لطيفة.
“قلتُ حسنًا.”
وما إن تلاقت عيناهما مجددًا حتى انفجرا بالضحك.
***
بعد أن نام الاثنان كلٌّ على حدةٍ واستيقظا، وصل عشاء في المساء.
كانت سايو قد استيقظت في تلك الأثناء ووضعت الصينية على طاولة الطعام. ثم فتحت أغطية الأطباق.
“لنأكل معًا.”
“ماذا؟”
“لا أستطيع أن آكل كل هذا، فلنأكل معًا.”
واصلت سايو فتح أغطية الأطباق واحدًا تلو الآخر.
“سآكل لاحقًا.”
“لنأكل معًا.”
و حين أصر تشا شين بعناد، أومأت سايو برأسها وكأن لا حيلة لها.
“حسنًا.”
ثم غرفت سايو الحساء أولًا بالملعقة وقدّمته لتشا شين.
“كيف عرفتِ؟ أنني أبدأ بالحساء.”
“لديّ عينان أيضًا.”
تأملها تشا شين لحظة ثم تناول اللقمة.
وقد اعتادت سايو خلال أيام قليلة على الاعتناء به، فغرفت له الأرز بكميةٍ مناسبة وقدّمته إليه.
حين ظن أنه سيشعر بعدم ارتياحٍ شديد لاضطراره إلى تلقي المساعدة بسبب الضمادات التي تغطيه بالكامل، تبيّن أن ذلك لم يكن سوى قلقٍ لا داعي له. فقد كانت سايو تعتني به وكأن لديها خبرةً سابقة في التمريض.
حتى ملاحظتها أنه يبدأ بالحساء دلّت على مدى دقتها.
وما إن يطيل النظر إلى طبقٍ ما حتى تقدمه له دون أن يتكلم.
وبالنظر إلى أن حياتهما الزوجية لم تكن طويلة، كان هذا التفاهم مثيرًا للدهشة.
فمع أنهما يعيشان في منزلٍ واحد، إلا أن انشغالهما بالمناسبات كحفل التنصيب وغيره جعلهما يقضيان وقتًا طويلًا متباعدين. وكانت هذه أول مرة يمكثان فيها معًا وحدهما فترةً طويلة كما في غرفة المستشفى.
كان الوقت الذي يقضيه معها في الغرفة مريحًا على غير المتوقع.
في البداية فكر تشا شين في استدعاء ممرض، خشية ألا تكون سايو معتادةً على رعاية الآخرين، لكنه عدل عن الفكرة سريعًا.
كان تلقيه رعايتها يمنحه شعورًا غريبًا بالراحة. وحتى أثناء حديثه عن العمل مع جونغ يول، كان مجرد وجودها بالقرب منه مريحًا ومطمئنًا.
“دوركِ الآن.”
بدت سايو وكأنها لم تتوقع جديته، فاتسعت عيناها.
“ما بكِ؟ ألن تأكلي؟”
“سأجلب ملعقة.”
“لستُ مصابًا بمرضٍ معدٍ.”
بدا أن سايو لاحظت حساسيته من استخدام أدواتٍ مشتركة، فتصرّفت بحذر.
ومع ذلك، كان غريبًا حتى عليه أنه لا يشعر بأي نفورٍ من مشاركة الأدوات معها.
“سآكل بالعصي.”
قالت ذلك، ثم تناولت الأرز وأكلت من نفس الطبق الذي كان تشا شين قد أكل منه.
“وماذا عن الحساء؟”
“سآكله لاحقًا.”
ثم عادت لتغرف الأرز، ووضعت فوقه الطبق الذي كان تشا شين ينظر إليه.
وفي جوٍ مريح، أكل تشا شين من الطعام الذي قدمته له، ثم أكلت هي أيضًا الأرز ونفس الأطباق معه.
لم يكن يدري لماذا بدت هذه الأمور البسيطة ممتعةً وجميلة إلى هذا الحد.
وسرعان ما فرغت الأطباق تمامًا. و أخذت سايو ما تبقى من الحساء القليل وتناولته بلا تردد بالملعقة التي كان تشا شين يستخدمها. بينما حدق تشا شين في هذا المشهد بنظرةٍ عميقة.
***
دخلت هوا يونغ مقهى يقع في بهو الطابق الأول.
وقع بصرها على رجلٍ منشغل بلعبة على هاتفه. و جلست أمامه، وما إن رآها حتى أشرق وجهه.
“لقد ازددتِ جمالًا.”
“لماذا لم تجب على الهاتف؟”
“حتى أراكِ وجهًا لوجه، أليس كذلك؟”
أطلق الرجل مزحةً ماكرة، لكن هوا يونغ لم تبتسم مطلقًا.
“لا وقت للمزاح، قل الحقيقة.”
“اختفيتُ. بسبب الفيزا.”
كان اسمه تشارلز، صديقًا عرفته هوا يونغ أيام دراستها في الخارج.
شابًا طائشًا لا يهتم إلا بالمتاع والحفلات ويقع في المتاعب، لكنه على الأقل، في نظر هوا يونغ، كان طيب القلب و وفيًّا.
“تشارلز، أنتَ! لابأس. قلتَ لي أنكَ سترد لي دَيني مرةً واحدة على الأقل، أليس كذلك؟”
كان يكرر ذلك دائمًا بسبب حادثةٍ سبق أن ساعدته فيها. لذلك، ما إن سمعت أنه عاد إلى البلاد حتى استدعته فورًا.
“نعم.”
و جاء رده مقتضبًا بلا زيادة.
“إذًا ساعدني قليلًا. هناك شخصٌ طعنني من الخلف، وليس طلبًا صعبًا.”
“طعن لي هوا يونغ من الخلف؟”
“نعم.”
“ما حجم السوء الذي فعله حتى يجعلكِ هكذا؟”
في نظر تشارلز، كانت هوا يونغ أشبه بملاكٍ يقف إلى جانب أصدقائه دون تردد. لذا، إن وصلت إلى حد الطلب، فلا بد أن ما حدث كان فعلًا شنيعًا.
وفي الحقيقة، لم يكن مخطئًا كثيرًا.
“الأسوأ.”
“الأسوأ؟”
“أنستطيع المساعدة؟”
“كيف تريدينني أن أساعد؟”
بدلًا من الإجابة، ناولته هوا يونغ إحدى بطاقاتها. وحين نظر إليها بدهشة، ابتسمت له ابتسامةً خفيفة.
“استخدمها في الوقت الحالي. بما أنكَ كنتَ مختفيًا، فلا بد أنكَ لم تعمل.”
“واو! كما توقعت منكِ تمامًا، لي هوا يونغ!”
في تلك اللحظة، التقت عيناها بعيني هيونغي الذي كان ينهض من الطاولة المقابلة. فشعرت هوا يونغ بانقباض مفاجئ في صدرها، لكنها تماسكت بسرعةٍ وضبطت تعابيرها.
و لم يبدُ أن هيونغي مهتمٌ بها تحديدًا، لكنها انزعجت من وجوده فأسرعت في توديع تشارلز.
وبعد أن أرسلته، صعدت إلى المصعد متجهةً إلى قسم التصميم، فوجدت هيونغي داخله. و مرّت نظرةٌ لا مبالية من عينيه فوقها.
“صديق.”
ويبدو أن هيونغي فهم أنها تشير إلى تشارلز، فهز كتفيه.
“لا داعي للتفسير.”
كان واضحًا أنه غير مهتم. في الواقع، لو كان مهتمًا لكان ذلك أغرب.
ثم ضغط هيونغي زر طابق قسم التصميم وفتح موضوعًا آخر.
“قالوا أن العرض في أنطوان سيتأخر.”
“إلى متى؟”
“ثلاثة إلى أربعة أيام؟ بعدما زاد العدد من أربعة إلى ثمانية، صار القرار أصعب عليهم.”
التأخير يعني أنهم يتوخّون الحذر أكثر.
وحين سمعت خبر أنطوان، شعرت هوا يونغ بقلقٍ غير مبرر.
“إن تم الاختيار بشكلٍ صحيح، فلا مانع من الانتظار مهما طال.”
“المعلّم كيم يبدو وكأنه تخلّى عن التعلّق.”
“هل ما زلتَ على تواصلٍ مع سايو؟”
“أقمنا حفلة ختامٍ قبل فترة. مع الرئيس.”
“مع الرئيس؟”
“كان الرئيس ممتعاً على غير المتوقع.”
ظنّت أن أمر أنطوان بانتهائه سيكون النهاية، لكن يبدو أن ذلك كان وهمًا. فكلما مرّ الوقت، بدا أن العلاقة بين تشا شين وسايو تزداد عمقًا، مما جعل هوا يونغ تشعر بعدم ارتياحٍ شديد.
فدسّت يدها بقوةٍ في جيبها. لا يمكنها أن تسمح لسايو بأن تسلبها كل شيءٍ هكذا.
***
كانت داجون تنتظر أمام غرفة العلاج الطبيعي. وبعد قليل، خرج تشا شين منهيًا جلسته وهو على كرسيٍ متحرك.
فنهضت من مقعد الانتظار واقتربت منه، لكن تشا شين شدّ قبضته على مقبضي الكرسي وكأنه اتخذ قرارًا حاسمًا.
“سأمشي.”
“كيف؟”
“بقدميّ.”
“ماذا؟”
كان الوقت لا يزال مبكرًا على ذلك. فهو لا يستطيع حتى النهوض دون رفع رأس السرير بسبب ألم صدره، فكيف يمشي الآن؟
لكن قبل أن تتمكن من منعه، نهض تشا شين بصعوبةٍ من الكرسي المتحرك.
“قلتُ أنني سأمشي بقدميّ.”
“سيؤلمكَ ذلك.”
فأسرعت داجون لتسنده، لكنه منعها بعناد.
“اتركيني. دعيني أجرب.”
و لم تجد خيارًا سوى تركه، فبدأ تشا شين يمشي ببطء.
كان منظر خطواته المتثاقلة يبعث على القلق. وحين حاولت داجون سنده مجددًا وهي في حيرة، رفض بلطف.
“لا تمسكيني. لا يمكنني أن أبقى مستلقيًا هكذا طوال الوقت.”
وأمام قناعتها بأنها لن تستطيع منعه، أمسكت داجون بالكرسي المتحرك الفارغ. و تبعته وهي تدفع الكرسي بخطواتٍ أبطأ بقليلٍ من خطاه، حتى وصلا إلى غرفة المرضى وهو يمشي وحده.
كان القلق ينهش قلبها، لكنها لم تسنده. بل الأصح أنها لم تستطع.
و كان جونغ يول موجودًا في الغرفة. وما إن رأى تشا شين يدخل ماشيًا بمفرده حتى نهض فزعًا.
“رئيس!”
“فكّ الحمالة المثلثة قليلًا.”
“لا أستطيع.”
أبدى جونغ يول رفضه الحازم أيضًا، لكنه في النهاية لم يستطع الصمود أمام عناد تشا شين واضطر إلى فكّ الضماد.
كانت حجة تشا شين أن الحركة تسرّع التعافي. و ردّ جونغ يول بأن الراحة هي ما يسرّع التعافي، لكن رأيه قوبل بالتجاهل.
وبعد أن جلس تشا شين على السرير بمساعدة جونغ يول، فتح له الملفات التي أحضرها.
“وصلنا اتصالٌ يفيد بتأجيل إعلان أنطوان.”
“ومتى كان الموعد الأصلي؟”
“كان نهاية الأسبوع القادم، لكنهم قالوا أنه سيتأخر ثلاثة أو أربعة أيام.”
فهزّ تشا شين رأسه، ثم سأل جونغ يول فجأة.
“كيف تتوقع أن تكون النتيجة؟”
لم تستطع داجون تجاهل هذا الحديث، فخرجت من الغرفة بهدوءٍ قدر الإمكان.
بدا جونغ يول مترددًا في الإجابة أمام المعنيّ بالأمر، فقلب الأوراق بلا داعٍ. وفي تلك اللحظة، كانت سايو تغادر الغرفة.
“أخشى أن يُفهم كلامي بشكلٍ سيئ فلا أستطيع القول.”
“أتمنى أن يكون من نصيبها، لكن في الوقت نفسه، تضرر قسم التصميم مشكلةٌ أيضًا.”
فنظر جونغ يول إلى تشا شين بثقل وكأنه يدرك حيرته.
“أنا.…”
و توقف جونغ يول عن الكلام وأغلق فمه من جديد.
“ما الأمر؟”
“لا شيء.”
“تحدث.”
دار جونغ يول بعينيه وكأنه يزن إن كان يجوز له الكلام، ثم فتح فمه أخيرًا.
“حادثة سرقة الملحقات الأخيرة….هل ترى أنها من فعل جهةٍ خارجية؟”
“وإلا؟”
“أليس من المحتمل أن يكون قسمٍ مشاركٍ في الأمر؟”
قال تلميحًا، لكنه كان يقصد قسم التصميم.
“أنا من أمر بإيقاف كاميرات المراقبة في الورشة السفلية أثناء فترة العمل. لي نصيبٌ من المسؤولية أيضًا.”
كان تشا شين يعاني من هذا الأمر أصلًا.
“هل كنتَ تعلمون؟”
“أتظن أنني قد أجهل ذلك؟”
“وماذا ستفعل؟”
“لا شيء.”
“ماذا؟”
نظر جونغ يول إليه بذهول.
“الشك وحده لا يفيد. إن لم يكن هناك دليلٌ مادي.…”
في الحقيقة، حتى لو وُجد دليلٌ مادي، فلن يكون من السهل إخراج هذه القضية إلى العلن. فقد يتسبب ذلك بدخول صراعاتٍ داخلية إلى ملف أنطوان.
لكن على الأقل، حين تعود سايو إلى العمل، فلن يتكرر خطأٌ كهذا. لا يمكن السماح بتكراره.
لم يكن يتجاهل احتمال اعتراض قسم التصميم، لكن الواقع تجاوز ما تخيله.
ثم نظر تشا شين إلى باب الغرفة الذي خرجت منه سايو مسرعةً ما إن ذُكر اسم أنطوان،.
“مع ذلك، لا تتوقف عن البحث عن الأدلة، وافعل ذلك بسرية. سنفكر بما يجب فعله عندما يظهر دليلٌ مادي.”
“نعم.”
***
بعد تلقيه تقرير العمل من جونغ يول لفترة، نهض تشا شين مجددًا ليحاول المشي.
وحين لم يُجدِ الاعتراض نفعًا، استسلم جونغ يول في النهاية وتبعه.
خرج تشا شين إلى ممر الطابق السادس يمشي، وجونغ يول خلفه كظله.
لكن سايو، التي ظنّ أنها خرجت قليلًا، لم تكن في الممر.
“جونغ يول.”
“نعم، رئيس.”
“أناديكَ بالاسم فترد هكذا؟”
“لا يزال وقت العمل.”
“أصبحتَ صارمًا يا بارك جونغ يول.”
ابتسم جونغ يول ابتسامةً خفيفة، لكنه لم يتخلّ عن موقعه كموظف.
“ما الأمر يا رئيس؟”
“ستستمر إلى النهاية؟”
_____________________
اخويا عناديين ✨
سايو وين راحت له؟ يارب راحت لأمها مع ان ماظني في نفس المستشفى بس ودي يكتشفها تشا شين قبل مصايب هوا يونغ☹️
المهم وهم ياكلون سوا حلوين 🤏🏻 ماودكم ورعكم ياكل معكم؟😘
التعليقات لهذا الفصل " 56"