وهناك، صادفت جي وون وهو يصعد في المصعد حاملاً سلة فواكه.
“أوه؟ المدير جو؟”
“ستذهبين لزيارة الرئيس هان، أليس كذلك؟”
يبدو أن جي وون جاء إلى المستشفى للغرض نفسه.
“قال ألا نأتي، حتى أنه لم يخبر التنفيذيين، لكن كيف لا نأتي؟”
“نعم. أصرّ على ألا نأتي، لذلك أنا من عائلتنا جئتُ كممثّل.”
“هكذا إذاً.”
نزلت هي وجي وون معًا من المصعد ووقفا أمام غرفة المرضى.
و رفعت هوا يونغ يدها لتطرق، لكنها استغربت من الباب المفتوح ودفعته قليلًا. ثم تجمّدت في مكانها. وشعرت أيضًا بتردّد جي وون الذي كان يدخل خلفها.
لقد كان تشا شين وسايو يحتضنان بعضهما بحذرٍ ويتبادلان قبلة.
تراجعت هوا يونغ إلى الخلف واصطدمت بجي وون الواقف خلفها. وفي تلك اللحظة، تلاقت أعينهما في الهواء.
في عيني هوا يونغ المصدومتين، رأت جي وون وقد امتلأت نظراته بالحيرة ذاتها التي تشعر بها.
هل كانت عيناها تبدوان هكذا؟ كانت لحظةً خاطفة، لكنها أدركت أنهما يشتركان في الإحساس نفسه.
كان جي وون أول من استعاد رباطة جأشه. أمسك بمعصم هوا يونغ وسحبها ثم أغلق الباب المفتوح مجددًا.
وعندما أفاقت، كانت تُسحَب إلى مكانٍ ما على يد جي وون. و المكان الذي أخذها إليه كان حديقة السطح.
نزعت هوا يونغ يدها من قبضته. فتركها جيدوون بسهولة وابتسم ابتسامةً توحي بأنه غير مؤذٍ.
“لنتنفس بعض الهواء هنا قليلًا ثم نعود.”
“هل ارتكبنا ذنبًا ما؟ لماذا نتهرّب؟”
شقّ صوت هوا يونغ الحادّ سماء الليل.
“ليس ذنبًا، بل احترامٌ للخصوصية. الاثنان حديثا الزواج، أليس كذلك.”
“ها!”
حدّقت هوا يونغ بوجه جي وون اللامبالي كأن شيئًا لم يحدث.
من المؤكد أنه هو أيضًا تلقّى الصدمة وتيبّس. كانت مدةً قصيرة، لكنها كافية لتوقن أنها لم تخطئ الرؤية.
“هذا مستشفى. وهو شخصٌ مريض، ماذا يفعلون الآن؟”
“تتحدثين وكأن الخطأ خطأ سايو وحدها.”
“بل هو خطأها حقاً. تشا شين أوبّا مريض.”
فضحك جي وون بخفةٍ وكأن كلامها مضحك، ووضع سلة الفواكه على المقعد.
“أليست ثقيلة؟”
كان يقصد سلة الزهور. عندها فقط انتبهت إلى أنها كانت تقبض عليها حتى ابيضّت مفاصلها. فأخذ جي وون سلة الزهور منها ووضعها على المقعد أيضًا.
وكأنه ينوي قضاء بعض الوقت هنا، أدخل يديه في جيبي سرواله الرسمي ورفع نظره إلى السماء الليلية. عند هذا الحد، ازداد انزعاج هوا يونغ.
“هل أبدو متفرغةً إلى هذا الحد؟”
و انزلقت نظراته نحوها.
“إذًا، ماذا ستفعلين إن دخلتِ الآن؟”
انعقد لسانها. وفوق ذلك، زاد استياؤها من أسلوب جي وون الذي يتأرجح بين المخاطبة غير الرسمية والرسمية.
إذا دقّقنا، فهو أخ سايو تقريباً، و حتى لو عاملها كأختٍ صغرى فلن يكون ذلك غريبًا.
لكن في الواقع، لم يكن أخاها الحقيقي. كل ما كان بينهما مجرد تحياتٍ عابرة عندما كانت تذهب لمقابلة سايو. وحتى سايو نفسها، لم تتعامل معه كأخٍ على حدّ علمها.
“من هذا؟”
“ابن السكرتير جو.”
كان جواب سايو مقتضبًا وباردًا.
إذا كان ابن موهان الذي صار زوج الأم، فهذا يعني أنه أصبح أخًا غير شقيقٍ لسايو. لكن سايو كانت متعلّقةً كثيرًا بأبيها الراحل.
كانت تقول أنه كلما ازدادت أمها يوهي قسوةً عليها، ازداد والدها شفقةً واحتواءً لها.
لكن والد سايو رحل عن الدنيا سريعًا دون أن يتمكن من حمايتها من مضايقات يوهي الغامضة. وبعد مدةٍ قصيرة، تزوجت يوهي فجأةً من سكرتيرها. فكيف لها أن تنظر إلى أمها وزوجها الجديد بعين الرضا؟
فضلًا عن أن جي وون، الذي هو من أهل البيت بحكم الأمر الواقع، كان أشدّ عليهم.
لم تكن سايو وحدها من رأت جي وون شوكةً في العين. فجاهي أيضًا، وحتى جدة سايو الراحلة، كنّ يكرهن موهان وجي وون.
ومع أنها كانت تعلم ما يلقونه من جفاءٍ داخل العائلة، لم تتخذ يوهي أي إجراءٍ يُذكر.
كانت أم سايو شخصيةً لا تهتم إلا بإشباع رغباتها. نرجسيةٌ على نحوٍ خاص وبخيلةٌ على الآخرين. وكان الغريب أنها كانت ترى حتى ابنتها الوحيدة كغريبة.
‘لو كان لديّ إخوة، هل كنتُ سأشعر بوحدةٍ أقل؟’
“ماذا؟”
“أليس كذلك؟ لو كان هناك أخٌ أو أختٌ في الوضع نفسه، ربما كنا سنواسي بعضنا.”
“قد يكون. بالتأكيد كانت الوحدة ستخف، لأنكِ لستِ وحدكِ.”
“صحيح.”
تذكّرت هوا يونغ كلمات سايو التي قالتها ذات يوم بعينين فارغتين.
“وماذا عنه، المدير جو؟ الدم ليس واحدًا، لكنكما تُعدّان إخوة، أليس كذلك؟”
“إخوة؟ ها!”
سخرت سايو من كلام هوا يونغ كما لو أنه مستحيل. وكان ذلك الوجه يشبه على نحوٍ غريب وجه يوهي وهي تتعامل مع ابنتها.
أفاقت هوا يونغ من استغراقها في الماضي وحدّقت بجي وون الواقف أمامها بنظرةٍ حادة.
كان جي وون، الذي يستفزّها بسؤاله عمّا ستفعله إن دخلت، ينظر إليها كأنه يعرف شيئًا ما.
وفي النهاية، أدارت هوا يونغ رأسها. كانت تعلم هي أيضًا. حتى لو كانت هي، ففي تلك اللحظة السابقة، لم تعرف ماذا تفعل فابيضّ عقلها.
و لم يواصل جي وون الضغط، وأغلق فمه. وساد الصمت بينهما.
“كم سنبقى هكذا هنا؟”
عاد الضيق يندفع من جديد، وما إن نظرت إلى جي وون حتى قفزت إلى ذهنها ذكرى فجأة.
“لكن هل حقًا لن تخبريني من هو ذلك الشخص؟”
“قريبًا. سأحرص على أن أريكِ إياه أنتِ وحدكِ في أقرب وقتٍ ممكن.”
لم يكن حول سايو الكثير من الرجال الشباب، كما أن الفرص التي قد تتيح لها التعرف على شخصٍ ما بشكلٍ طبيعي لم تكن كثيرةً أيضًا.
‘هل يُعقل.…؟’
راحت هوا يونغ تمسح جي وون بنظرةٍ سريعة.
<ما هذا؟ يبدو طويل القامة نوعًا ما؟>
<نعم. طويلٌ بالفعل.>
قامةٌ فارعة، ومظهرٌ جذاب.
<من هذه الصورة وحدها لا أستطيع معرفة من هو إطلاقًا. لماذا تُبقينه سرًا حتى عني؟>
<لا أستطيع الإفصاح عنه لأي شخصٍ بعد.>
رجل لا يمكن الكشف عنه بعد.
و لو استُبعد فقط كونه ابن موهان الذي كانت تمقته، فهل يوجد شخصٌ آخر قد يفتن سايو إلى هذا الحد؟
ومع الشك القوي الذي اندفع إلى ذهنها، أخرجت هوا يونغ هاتفها بسرعة من حقيبة يدها.
وكأن جي وون شعر بحركتها المفاجئة، فالتفت إليها عابسًا.
“ماذا تفعلين؟”
“وما شأنكَ؟ عليّ أن أركز الآن، فلا تكلمني.”
ردّت بحدّة، فما لبث جي وون أن فقد اهتمامه وأبعد نظره.
فتحت هوا يونغ محادثتها مع سايو وبحثت عن صورة الظلّ الضبابي للرجل التي كانت قد أرسلتها لها. و قارنت الصورة بجي وون الواقف أمامها.
وفي تلك اللحظة، ومن شدة صدمتها، غطّت هوا يونغ أنفاسها الخشنة المتسربة بيدٍ واحدة.
رغم اختلاف الملابس، فإن الصورة الملتقطة من زاويةٍ مشابهة تطابقت تطابقًا تامًا. كانت الصورة ضبابيةً عمدًا، لكنها استطاعت الجزم. كانت الصورة صورةً لجي وون.
‘كيم سايو! حبيبكِ الذي أخفيته كان المدير جو؟’
الآن فقط فهمت نظرة الارتباك التي ارتسمت على وجه جي وون حين رأى الشخصين يتبادلان القبلات.
كيف تتزوج تشا شين وهي تملك حبيبًا ولا يعرف شيئًا؟ إلى أي حد يمكن أن يكون هذا قذرًا؟
اهتزت عينا هوا يونغ بعنف، ثم اشتعلتا.
وبينما كانت تقارن بين الرجل في الصورة وجي وون أمامها، أنزلت يدها بهدوءٍ وأطفأت شاشة الهاتف.
أرادت أن تعاقب هذين العاشقين القذرين فورًا، لكن الأدلة لم تكن كافية. كانت بحاجةٍ إلى دليلٍ قاطع. كانت بحاجةٍ إلى حقيقةٍ أكثر وضوحًا.
وبيدٍ مرتجفة، أعادت هوا يونغ الهاتف إلى حقيبة يدها. وراحت تردد في داخلها عشرات المرات أنها يجب أن تبقى هادئة.
وإذ رأت أن الوقت لم يحن بعد، أخفت مشاعرها قدر الإمكان وتحدثت إلى جي وون.
“ألا تعتقد أنه يمكننا الدخول الآن؟”
نظر جي وون باستغرابٍ إلى هوا يونغ التي تبدلت فجأةً إلى هذا الهدوء، ثم أومأ برأسه.
“لندخل.”
وكأنه لم يتحدث بلهجةٍ غير رسمية قبل قليل، عاد جي وون إلى تصرفه المهذب وحمل سلة الزهور وسلة الفاكهة.
وما إن خطا خطوةً إلى الأمام، حتى اشتعلت النيران في عيني هوا يونغ وهي تحدق في مؤخرة رأسه من الخلف.
ومن صدرها، وقد باتت الوحيدة التي تعرف هذا السر الهائل، انتشر شعورٌ بحماسٍ لا توصف.
‘انتظري يا سايو. سأريكِ كيف سأعاقبك.’
***
حين دخلا هوا يونغ وجي وون غرفة المرضى، كانت الممرضة موجودةً أيضًا.
“خلعتم الدعامة؟”
“إنها تسبب لي حكةً شديدة، ألا توجد طريقةٌ أخرى؟”
قال تشا شين ذلك وهو لا يُخفي انزعاجه.
“المسح بمنشفةٍ مبللة يكون فعالًا أيضًا.”
“لكن هل يمكنه خلع الدعامة؟ لقد قال الدكتور كانغ أن أستمر بارتدائها.”
التعليقات لهذا الفصل " 54"