تغيّر تعبير جاهي للحظة ثم اختفى، لكن داجون لم تر ذلك وقد خفضت عينيها.
“من شركة هانشين؟”
أبدت زوجة مين يونغ اهتمامًا.
“هانشين؟ سمعت أن هانشين تتفاوض الآن مع فندق دوريم.”
و سأل مين يونغ دون أن يخفي دهشته.
“اليوم اتصل المدير هان. يبدو أنه معجبٌ بسايو. وهذا أمرٌ جيد من ناحيتنا.”
نظرت يوهي إلى داجون بابتسامةٍ هادئة، بينما رمقتها جاهي بنظرةٍ مليئة بالكلام لكنها التزمت الصمت أمام وجود مين يونغ وزوجته، واكتفت بوضع الملعقة جانبًا. بدا أن شهيتها اختفت.
“يجب أن نجهز الأمور جيدًا لأن هناك لقاءً رسميًا يجب ترتيبه.”
حين أمسك موهان يد يوهي بلطف وهو يبتسم ابتسامةً خفيفة، أخذ مين يونغ يدور بعينيه محاولًا فهم الوضع، ثم وجه إلى داجون تهنئةً شكلية.
“تهانينا، يا سايو! هذه الصغيرة ستتزوج؟”
“شكرًا.”
“حسنًا، فكّري بما تريدينه كهدية زفاف وأخبريني.”
“لا داعي للهدية.”
“ماذا تقولين؟ نحن نريد تقديم شيءٍ لكِ.”
تبسمت زوجة مين يونغ تقليدًا لزوجها. فلم تجب داجون، واكتفت بابتسامة.
كانوا يتعاملون معها على أنها سايو، ومع ذلك فهم أيضًا أقاربها من الدم. إنهم عائلتها، ومع ذلك شعرت بالغربة تجاههم.
النبرة الحميمية في أصواتهم كانت تبدو بعيدةً جدًا. ومن الغريب أن الشخص الأقرب إليها في هذه العائلة هو جي وون، الذي لا يربطهما أي دم.
لم يكن موجودًا معهم، فالظاهر أنه لا يحضر موائد العائلة.
و ربما لأنها من اللحظة الأولى شعرت بأنه يعرف كل قصتها. فحين رفعت رأسها فجأة التقت نظراتها بنظرة موهان، لكن نظراته الغامضة انزلقت بعيدًا بلا مبالاة.
وإن كان ثمة شيءٌ تأكدت منه داجون في هذا العشاء، فهو أن موهان، والد جي وون، كان غريبًا في هذا البيت مثلها تمامًا.
لم يكن يشارك كثيرًا في الحديث إلا إذا كان يدعم كلام يوهي أو يتحدث معها مباشرة.
“يبدو أنكِ ستنشغلين بالتحضير.”
“هكذا هو.”
لم تستطع جاهي التماسك وسألت داجون بشكلٍ مباشر،
“وماذا عنكِ؟ هل يعجبكِ ابن تلك العائلة؟”
تجمّدت داجون لوهلة من المفاجأة. ألَم تكن هذه نفس جاهي التي مزقت ملابسها قبل أيام؟
“وما الفائدة من الإعجاب أو عدمه.”
كان الرد الحاد صادرًا من يوهي لا من داجون.
“صحيح، ابن هانشين مشهور. رأيته قبل مدة ودُهشت من شكله.”
ضحكت زوجة مين يونغ بشكلٍ مبالغ وهي تتذكر.
“الزواج أهم شيءٍ فيه رأي العروس. ماذا تقولين أنتِ؟”
تظاهر موهان بلهجة الأب الحاني، لكنه وجه السؤال في الحقيقة إلى يوهي. فقد كانت كل معاييره قائمةً عليها.
“نعم، ما رأيكِ؟”
سألت يوهي داجون مجددًا، فشعرت بالاختناق من النظرات المتجهة إليها.
“……كان شخصًا مهذبًا ولطيفًا. لا أستطيع أن أقول أنني أحببته بعد، لكنني لم أكرهه.”
كان جوابًا صريحًا قدر الإمكان. فمشاعرها تجاه تشا شين لم تتجاوز ذلك. لا تحبه ولا تكرهه.
لكن حتى لو قالت أنها تكرهه، فهل سيتغير شيء؟
لم يكن بوسعها التراجع عن هذا الوضع. وكان سؤال يوهي شكليًا مما جعل داجون أكثر انزعاجًا.
“الزواج من رجلٍ لا تكرهينه فقط.”
غمزت جاهي بسخرية، فرمقتها يوهي بحدة، بينما ضحك مين يونغ بخفة وكأنه معتادٌ على هذا.
“أهي خائفةٌ أن يحدث لكِ ما حدث لها؟ على أية حال، الذهاب والعودة ليس سيئًا.”
“وأنتَ الذي لم يطلق مرةً واحدة، كيف تعرف؟”
“وهل يجب أن أجرّب لأعرف؟”
“حقًا؟ إذًا….”
أشارت جاهي بإصبعها نحو زوجَي مين يونغ.
“هل أنتما في تلك المرحلة الآن؟”
“ما الذي تقولينه؟ نحن ما زلنا كالعروسين!”
أمسك مين يونغ يد زوجته ليؤكد كلامه، فضحكت جاهي. وانضمت زوجته لتدعمه،
“حقًا يا أختي!”
“حسنًا، حسنًا، سنعتبره صحيحًا.”
“هل عشتِ مخدوعةً طول الوقت؟ إنه يقول الحقيقة.”
“قلتُ لكِ، سنعتبره صحيحًا.”
وحين زال تركيز الأنظار عن داجون قليلًا، تنفست الصعداء.
وبفضل حديثهم عن زواج سايو، اختفى إلى حد ما الحديث عن صحة يونغ غيل، كما أراد موهان.
***
بعد أن غادر مين يونغ و زوجته وصعدت داجون إلى الطابق الثاني بوجهٍ متعب، و وجدت جاهي هذه المرة تنتظرها أمام غرفة سايو.
حين رأتها، تصلب جسد داجون تلقائيًا، لكنها اقتربت دون أن تظهر ذلك.
“هل لديكِ ما تريدين قوله؟”
“لا……فقط أردت أن أرى وجهكِ.”
أن تأتي فقط لترى وجهها؟ فقدت داجون الكلمات.
ليستا على علاقة ودية أصلاً، فكان كلامًا غريبًا.
“أنتِ أيضًا ابنة أختي، وإن رأيتكِ كثيرًا فقد أتعلق بكِ.”
“…….”
كانت داجون متصلبة، متوجسةً من أن تكون جاهي قد جاءت لإلحاق الأذى مجددًا، لكن التوتر تلاشى قليلًا.
كان أفراد هذا البيت يخفون دائمًا وجهًا آخر؛ من بدا لطيفًا كان باردًا، ومن بدا باردًا امتلك جانبًا دافئًا.
“بالنسبة لفتاةٍ خُطفت، كبرتِ بلا أي ظل.”
تجهم وجه داجون عند سماع كلمة “خطف”.
“لأنه لم يكن هناك سببٌ ليكون هناك ظل. أمي كانت تحبني.”
في رد داجون الجازم، ظهر بريقٌ غريب في عيني جاهي.
“كانت تحبكِ؟”
“نعم.”
أجابت داجون دون أدنى تردد. فارتخى وجه جاهي الذي بدا عليه الذهول أولًا.
“يبدو أن ذلك صحيح.”
“…….”
“نعم، لديكِ ثقةٌ لا يملكها إلا شخصٌ نشأ محبوبًا حقًا. على الأقل يبدو أن تلك المرأة أحبتكِ بصدق.”
“…….”
“أما سايو فكانت هي التي تحمل الظلال.”
“…….”
“غريبٌ كيف أنكما متطابقتان في الشكل لكنكما مختلفتان تمامًا. حتى مين يونغ، الذي يلتقط الأمور بسرعة، لم يشكّ في شيء.”
لم تكن هذه أول مرةٍ تسمع فيها أنها تشبه سايو تمامًا، رغم أنها لم تر ذلك بعينيها.
ترددت داجون قليلًا ثم سألت بنبرة ٍحذرة،
“هل….يمكنني….رؤية أختي؟”
كانت ترغب في رؤية سايو. رغبت في النظر إليها، تلك الفتاة التي تحمل ملامحها نفسها. حتى لو لم يكن بإمكانها الحديث معها، فقد أرادت رؤية وجهها.
في الحقيقة كانت تأمل لو استطاعت يومًا الدخول لغرفة يوهي لترى صورةً لوالدها الحقيقي الراحل، لكنها لم تجد أي أثرٍ له.
وكان من غير المنطقي أصلًا إيجاد آثار للزوج السابق في غرفة زوجته التي تزوجت مرةً أخرى.
ثم ارتخت ملامح جاهي. بدا أن كلام داجون أثار فيها شيئًا جعل حذرها يخف.
“بالطبع، هذا معنى أن تكونا من الدم نفسه. لستِ مثل أولئك الدخلاء.”
“…….”
“أمي ماتت دون أن تعرف أن لها حفيدةً أخرى. كانت ستحبكِ كثيرًا.”
ثم تذكرت فجأة وسألت،
“وفي الجنازة……هل كنتِ أنتِ؟”
“……نعم، كنتُ أنا.”
“هل رأيتِ جدتكِ؟”
“……نعم.”
“حسنًا. المهم أنها حظيت بوداعٍ من حفيدتها.”
كانت جاهي تتحدث بصوتٍ مختنق، ثم ضحكت فجأةً وتحدثت بنبرةٍ متعمدة الخفة.
“هل تريدين رؤية سايو؟”
“قلتم إنها في المستشفى……أريد أن أرى كيف حالها.”
“هل سألتِ أمكِ؟”
“لم أستطع قول ذلك بعد……”
وكان هذا غريبًا. لطالما أرادت أن تقول أنها تريد رؤية سايو، لكنها لم تستطع البوح بذلك ليوهي.
أما الآن، فقد خرج الكلام بسهولة أمام جاهي، التي مزقت بلوزتها قبل أيام. والمفاجئ أنها لم تعد تشعر بالانزعاج من وجود جاهي حولها.
“يا لكِ من منحوسة. تظهرين في أسوأ توقيتٍ ممكن.”
“…….”
“حتى لو رغبتِ في تصحيح الأمر فورًا، فوالدي مريض، وأمي ماتت……وإن كشفتِ هويتكِ، فسيتعين عليكِ أن تبرري لماذا ظهرتِ الآن، ولماذا اختفت سايو……”
“أعرف.”
عبثت جاهي بشعر داجون الأمامي بغير تحفظ كما لو كانت تداعب طفلة. لتصلبت داجون لوهلة، لكنها لم تكره الأمر.
ثم رفعت يدها إلى شعرها وهي تشعر بإحساسٍ غريبٍ ولطيف.
“حسنًا، تعالي. سنذهب سويًا لرؤية سايو.”
ثم خفضت صوتها كثيرًا كما لو أنها توصيها بشيءٍ مهم.
“ولدي ما أقوله لكِ. لا تصدقي أولئك الدخلاء، أعني ذلك الأب وابنه. لدي شعورٌ أن حادث سايو له علاقةٌ بهم.”
فاتسعت عينا داجون في صدمة عند كلام جاهي.
“حاليًا هي مجرد شكوك……لكنني سأكشف الحقيقة.”
و لم تستطع داجون قول أي شيء.
***
في الصباح الباكر، كانت داجون تقف أمام سيارة جي وون في انتظاره.
كانت عادةُ تناول الفطور معه قد انقطعت قليلًا بسبب الفوضى التي حدثت مع جاهي.
ومنذ فترة، صار جي وون يغادر إلى العمل في ساعةٍ مبكرة جدًا. ومع ذلك، بدأت زيارات داجون إلى الملحق تقل تدريجيًا.
في تلك اللحظة، دخل جي وون موقف السيارات. وعندما لمح داجون، بدا متفاجئًا وتوقف.
“صباح الخير.”
قالت داجون ذلك بخجل، فرفع جي وون حاجبه قليلًا وهو يتفحصها.
“لا تقولي أنكِ كنتِ تنتظرينني؟”
لم يدم ارتباكه طويلًا، ثم شغّل سيارة عن بُعد باستخدام جهاز التحكم.
“نعم، ظننتُ أنكَ تغادر في هذا الوقت عادة……فخرجتُ قبلها بعشر دقائق خصيصًا لانتظاركَ.”
ظهر خطٌوخفيف بين حاجبي جي وون، وكأنه يحاول فهم السبب وراء قدومها.
“انتظرتِني؟ يعني لديكِ كلامٌ تريدين قوله.”
وعندما همّ بفتح باب السيارة، ابتعدت داجون جانبًا.
“إن كان لديكِ شيءٌ تريدين قوله، فقوليه بسرعة. كما ترين أنا في طريقي للعمل.”
لكن قبل أن يفتح الباب تمامًا، لامست عيناه يد داجون. و عندما شعرت بنظراته، ابتسمت ابتسامةً محرجة وقدمت له ما في يدها.
“استلم هذا أولًا.”
“ما هذا؟”
“هدية.”
كان جوابًا بسيطًا.
“……هدية؟”
ارتبك وجه جي وون المنضبط للحظة. و نظر جامدًا نحو الصندوق الصغير في يدها وكأنه يسمع كلمة “هدية” لأول مرة في حياته.
ولأن نظرته كانت مباشرةً جدًا ولم يستلمها، شعرت داجون بالارتباك وكأنها تبرر نفسها.
“ليس شيئًا كبيرًا……اشتريتُ ثيابًا لتعويض ما ضاع من ثياب السيد تشا شين. و عندما رأيتُ هذه، اشتريتها لكَ أيضًا.”
“ولماذا……لي؟”
“لا أدري……لماذا فعلتُ ذلك فعلًا؟”
قالت داجون ذلك وهي تضحك بتوتر ثم أضافت،
“حتى لو كانت ثياب سا يو، فبطاقتكَ أنتَ……أعني، بطاقتكَ يا أخي، هي التي دفعت الثمن.”
“إذًا اشتريتها لأنني أنا من أعطاكِ البطاقة؟”
حدق جي وون بها مطولًا، وكأنه يحاول قراءة نواياها الداخلية.
“وفوق ذلك شعرتُ بقليل من الذنب لاستخدامي مال شخصٍ آخر دون إذن.”
“تشعرين بالذنب لاستخدام المال، ثم تشترين هديةً لي وتزيدين المبلغ؟”
“آه……هل يبدو الأمر هكذا؟”
وعندما أشار إلى التناقض، ارتبكت داجون قليلًا.
حينها ارتخت ملامح جي وون التي كانت صارمةً طوال الوقت، وظهر عليها أثرٌ خفيف لابتسامة.
_______________________
⭕️ كحممم ترا جي وون طبع اكبر من سايو وداجون🥰 كله من الكوري وترجمتهم الغريبه
التعليقات لهذا الفصل " 17"