كان زواجًا يتم فقط لأنه مناسبٌ كطرف للزواج. زواجًا استراتيجيًا يُعقد امتدادًا للعمل، لكن داجون شعرت بشيءٍ من الحزن بطريقةٍ ما.
كان ذلك حزنًا عليها هي نفسها، وكذلك على تشا شين الذي يُدفع إلى موقفٍ كهذا.
هل يمكن أن يهبط القلب هكذا بعد سماع عرضٍ بالخطوبة؟ واجهت داجون تشا شين بنظرةٍ هادئة منخفضة.
“سنتواصل معكم قريبًا عبر العائلة.”
قال تشا شين ذلك وهو يحدّق مباشرةً في عينيها بصوتٍ واضح.
***
كان جي وون يقف بلا حركةٍ كجماد أمام نافذة غرفة المعيشة في الجناح الخارجي دون أن يشعل الضوء.
من هذا الموضع المرتفع قليلًا في الجناح يمكن رؤية الحديقة والبوابة الأمامية بوضوح.
لم يعرف جي وون وهو يضع يديه في جيبيه وهو يحدّق في البوابة لماذا يشعر بهذا الانخفاض الشديد في المزاج.
كان قد سمع ظهر اليوم أن داجون التقت تشا شين، لذا لم يكن يجهل سبب تأخرها. بل إنه كان يخطّط لجعلها تلتقي تشا شين قريبًا، لذلك كان يفترض أن يكون سعيدًا لأنهما التقيا صدفة.
ولكن ما لم يفهمه هو لماذا يزعجه أن الاثنين اللذين التقيا بعد الظهر ما زالا معًا حتى الآن.
هل يخشى أن تنطق داجون بكلمة غير مناسبة فتفسد الأمر؟
لم يكن على وجه جي وون أي تعبير، لكن شيئًا من التوتر غير المعلوم كان يملأه.
عندها سُمِع صوت توقف سيارةٍ خارج القصر. سُمِع صوت توقفها، لكن قبل سماع فتح باب السيارة مرّ قليلٌ من الوقت.
لم تتجه السيارة إلى الكراج بل توقفت أمام المنزل، ومن ضوءها عرف جي وون بسهولة أن صاحب السيارة هو تشا شين.
لم تتحرك السيارة لمدةٍ أطول مما توقع، ولم تتحرك إلا بعد دخول داجون إلى المنزل.
ثم وقعت عين جي وون على داجون وهي تفتح البوابة وتدخل في الظلام. و راقب حركتها بصمت واتصل بها. فاستجابت داجون للمكالمة وهي تصعد درجات الحجر في الحديقة.
[مرحبًا؟]
“أين أنتِ؟”
سأل جي وون بنبرةٍ هادئة، رغم أنه رآها بوضوحٍ تدخل المنزل قبل لحظة.
[في البيت. وصلتُ للتو.]
“هل افترقتِ الآن عن المدير هان؟”
[نعم. تأخرنا قليلًا في تناول العشاء.]
“هكذا إذًا.”
سألت داجون جي وون سؤالًا عابرًا: “وأين أنتَ يا أخي؟”. كان السؤال عاديًا، وصوتها وهي تناديه “أخي” صار مألوفًا، ليس لها فقط بل لجي وون الذي يسمعه.
بل كان يسبب له نوعًا آخر من الإرباك. نفس الوجه، نفس الصوت، لكن شخصٌ مختلف.
كانت داجون تأتي كل صباح للبحث عنه في الجناح. ربما لأنها وسط الغرباء ترى أنه الوحيد الذي يمكنها الاعتماد عليه. لكن كلما اعتاد جي وون تناول الإفطار معها ازداد شعوره بالضيق.
“أنا أيضًا في البيت.”
عند سماع كلمة “البيت”، نظرت داجون نحو الجناح. ربما لأنها لم ترَ أثرًا يدل على وجوده في الجناح المظلم، واصلت صعود الدرج.
[هل أنت نائم؟ الأضواء مطفأة.]
“نعم، كنت سأخلد للنوم.”
[إذًا لنتحدث غدًا صباحًا. لدي ما أقوله لكَ.]
توقع جي وون مباشرة ما كانت ستقوله.
“هل طلب المدير هان الزواج منكِ؟”
[واو، مذهل! كيف عرفت؟]
لم يكن تخمينًا صعبًا، لكن داجون ضحكت بخفةٍ وكأن الأمر مدهشٌ للغاية.
“هل هذا خبرٌ جيد؟”
انفلت منه صِدقٌ لم يكن يقصده. وبعد أن قاله، كان أكثر من تفاجأ هو نفسه.
[……أليس هذا ما كنتَ تريده؟]
“……صحيح. فهذا هو سبب فائدتكِ أيضًا.”
لم يأتِ صوتٌ من جانب داجون. وعندما همّ جي وون بقول شيء، بادرت داجون عمدًا بنبرة خفيفة،
[صحيح. هذا هو دوري.]
“بما أن الموضوع ذُكر، والزواج سيبدأ بالمضي قدمًا فعليًا، كيف تشعرين حيال ذلك؟”
انعكس ضوء القمر على شعر داجون فأضاءه بلونٍ فضي هادئ. و وقف جي وون عند نافذة الجناح يراقبها من الأعلى وقد اعتراه شعورٌ غريب.
[وهل لمشاعري أي أهمية؟]
انساب من صوتها جوابٌ يملؤه التهكّم على الذات.
“…….”
[على أي حال، لنكمل الحديث غدًا. سأمرّ عليكَ في الصباح.]
عندما استمع جي وون إلى كلام داجون الذي تقوله وكأنه أمرٌ طبيعي، أنهى المكالمة. وبقي يراقب داجون بلا أي حركة حتى اختفت داخل المبنى الرئيسي تمامًا.
***
كان الحال هكذا دائمًا تقريبًا، لكن في هذا اليوم كان الطابق الأول هادئًا على نحوٍ غير معتاد بينما كانت داجون تتجه نحو غرفتها، أو بشكل أدق نحو غرفة سايو.
دخلت الغرفة بلا تفكيرٍ كبير وشغّلت الضوء، ثم كادت تسقط إلى الخلف من الصدمة عندما رأت جاهي جالسةً على الأريكة في الوسط.
لم تصرخ، لكنها ارتعبت بشدة حتى أخذ قلبها ينبض بعنف.
“مـ-ما……ماذا تفعلين هنا؟”
“ماذا أفعل؟ كنتُ في انتظاركِ.”
“تـ……تنتظرينني؟”
عند سماع أنها كانت تنتظرها في غرفةٍ ليست غرفتها والضوء مطفأ……بدل أن يهدأ قلبها ازداد نبضه بشدة. فحاولت داجون جاهدةً أن تهدّئ نفسها.
“هل……هل لديكِ ما تريدين قوله لي؟”
وقفت داجون قرب الباب بحرج، تراقب جاهي بتوتر.
“أريد أن أقول شيئًا؟ هممم……لستُ متأكدة.”
رفعت جاهي كتفيها ببرود. و لم تستطع داجون طرد الإحساس المشؤوم، لكنها أخفت ذلك وفردت ملامحها.
“لحظة فقط……سأبدّل ملابسي وأعود.”
ورغم أن قلبها يكاد ينفجر، حاولت تغيير الجو واتجهت إلى غرفة الملابس. ولكن فجأة، وقفت جاهي من الأريكة وتبعتها.
“يمكنكِ الجلوس……سأعود فورًا-”
و قطعت جاهي كلامها بحدة.
“في الواقع……يبدو أن لدي الكثير لأقوله لكِ.”
“ماذا؟”
“على حسب……من تكونين أنتِ.”
في تلك اللحظة هبط قلب داجون بقوة. وشعرت بأن جسدها يبرد بسرعة.
وضعت حقيبتها في غرفة الملابس بينما جاهي تقترب خلفها. و لم تعرف داجون ما الذي يجب عليها فعله.
“هذا البيت مليءٌ بالأسرار. قليلٌ من الغفلة……وسيصبح المرء أحمق في لحظة.”
“…….”
“أليس كذلك……يا ابنة أختي العزيزة؟”
حاولت داجون التظاهر بالهدوء قدر الإمكان، وابتسمت ابتسامةً متكلّفة.
“هاها……لا أفهم ما الذي تعنينه.…”
ولم تكمل جملتها. فجأة، أمسكت جاهي بها بعنف ودوّرتها بقوة.
و قبل حتى أن تفهم داجون ما الذي تنوي فعله، كانت يدا جاهي تمسكان بلوزتها الرقيقة وتمزقانها بقسوة.
حتى صوت التمزيق كان واضحًا.
“آآآه!”
هذه المرة خرجت الصرخة حادةً من فم داجون. و جلست منهارةً على الأرض، قابضة على قميصها الممزق.
“لِم….لماذا….لماذا تفعلين هذا.…؟”
أما جاهي، صاحبة هذا الفعل الصادم، فكان وجهها هادئًا بشكل مخيف.
“منذ متى؟”
“……ماذا؟”
كان سؤالًا بلا سياق، لكن قلب داجون بدأ يسرع جنونيًا.
“منذ متى أصبحتِ أنتِ؟”
“ماذا……ماذا تعنين؟”
“أسألكِ. من أنتِ؟”
في تلك اللحظة طرق مدير المنزل، السيد كيم، الباب بعنف.
“ما الذي يحدث يا آنسة! سأدخل الآن!”
يبدو أن صرخة داجون وصلت إلى الطابق الأول. فجاء السيد كيم مع بعض الخدم وفتح الباب بسرعة.
“سمعنا صراخًا حتى الأسفل……”
دخل السيد كيم مسرعًا، محاولًا فهم ما يحدث وهو ينظر بالتناوب بين داجون الجالسة على الأرض بوجهٍ شاحب وثياب ممزقة، وبين جاهي التي تقف أمامها وتفوح منها هالةٌ خطيرة.
حتى السيد كيم، بخبرته الطويلة، بدا عاجزًا عن تحديد ما يجب فعله، فوقف في مكانه مجمدًا عند الباب.
“اخرجوا.”
قالت جاهي ذلك بصوتٍ بارد كالجليد.
“ولكن……”
“لا يوجد شيءٌ اسمه لكن. اخرجوا!”
كان صوت جاهي كالبرق، فتردد المدير كيم قليلًا، لكنه في النهاية أبعد الجميع كما أمرت وحاول إغلاق الباب.
لكنّه اضطر للتراجع بسبب الشخص الذي ظهر خلفه.
“سيدتي!”
كانت يوهي. دخلت هي الأخرى إلى غرفة سايو دون أن تبدو عليها أي علامة دهشة، بل بهدوءٍ كامل.
“المدير كيم.”
“نعم.”
“لا تدع أحدًا يصعد إلى الطابق الثاني.”
“أمرٌ مفهوم.”
بعد أن أغلق المدير كيم الباب ورحل، نظرت يوهي بالتناوب إلى داجون الشاحبة المتجمّدة عند الباب، وإلى جاهي.
و عند ذلك سخرت جاهي.
“كنتُ بانتظاركِ، وها أنتِ جئتِ بنفسكِ.”
“مهما يكن……أنتِ دائمًا بارعةٌ في إثارة الفوضى في هذا البيت.”
حدّقت يوهي في جاهي بثبات ودون أي اضطراب.
“كفّي عن الهراء، وابدئي بالشرح يا أختي.”
“…….”
امتلأت عينا داجون بحمرة، وكانت يداها ترتجفان وهي بالكاد تمسك بلوزتها الممزقة، لكنها لم تبكِ.
نظرت إليها جاهي بابتسامةٍ ملتوية مليئة بالشفقة وكأنها تنظر إلى فتاةٍ محطّمة.
“آثار الحرق على كتف سايو الأيمن!”
حتى وسط هذا الوضع المرعب، فهمت داجون الآن لماذا مزّقت جاهي بلوزتها. فكتفها الأيمن لم يكن عليه أي أثر حرق……كان نظيفًا تمامًا بدون حتى شامة.
“…….”
“هذه ليس لديها أي أثر، أليس كذلك؟”
على عكس جاهي التي كانت مستثارةً بشدة، جلست يوهي على الأريكة بهدوء.
“ثم ماذا؟”
“لا أعرف من أين أحضرتِ فتاةً تشبه سايو إلى هذا الحد……”
“حتى لو كنتُ عبقرية، كيف سأجلب فتاةً تشبه سايو تمامًا؟”
“قلت لكِ……فسّري!”
“إنها ليست فتاة تشبهها……إنها توأمها.”
“ماذا؟”
لم تنصدم جاهي فقط، بل حتى داجون كانت تحدّق في يوهي بصدمةٍ كبيرة.
‘هل كانت تعرف؟’
منذ متى؟
لم تُظهر يوهي يومًا أي علامة على أنها تعرف بوجود داجون.
كانت داجون قد صدّقت كلام جي وون حين قال أنه سيخبرهم بعد انتهاء الجنازة واستقرار الوضع.
وترددت: هل تعترف هي أولًا؟ أم تنتظر حتى يتحدث جي وون؟ ومرّ الوقت بينما هي عاجزةٌ عن اتخاذ القرار.
لكنّ أكثر ما كان يمزّقها هو رؤية يوهي تبتسم لها ببراءة دون أن تعرف شيئًا……والآن يتضح أنها كانت تعرف؟
نظرت داجون إلى يوهي بصدمة تفوق تلك التي أصابت جاهي.
“الأم البديلة أنجبت الطفلتين ثم اختفت……والآن اتضح السبب.”
بدت عينا يوهي وكأنهما تغرقان في ذكرياتٍ قديمة.
“كانت توأمين؟”
التفتت جاهي إلى داجون بصدمة.
“يبدو أن والدي كان يعلم. كان يبحث عنها سرًا. وعرفتُ الأمر صدفة. توأم! ولم نكن نعلم بذلك طوال هذا الوقت.”
ثم التفتت يوهي إلى داجون وكأن أمرًا تذكّرته فجأة. فقد كانت داجون ما تزال جالسةً بلا وعي تقريبًا، ممسكةً بثيابها الممزقة.
“اذهبي وغيّري ملابسكِ.”
“حسنًا……”
وقفت داجون مترنّحة. وعندما انزلقت بلوزتها الممزقة للأسفل، أمسكتها بسرعة بيد مرتجفة.
رغم أن ذلك لم يكن ينفع، إلا أنها أدارت جسدها بعيدًا عنهما وخلعت الثياب الممزقة بسرعة، وأخذت أول قطعة ملابس وقعت عليها يدها.
التعليقات لهذا الفصل " 15"