كان والدها ودودًا، و والدتها عطوفة، و أخوها الأصغر محبوبٌ للغاية، لكنهم سُلبوا جميعًا، وقُلبت حياتهم رأسًا على عقب على يد جواسيس من الدولة المجاورة.
من المعروف أن العلاقة مع الدولة المجاورة بدأت تتدهور سرًا منذ عهد الملك السابق، ولم تُصلح تلك العلاقة حتى الآن.
في وقت ما، انتشرت مخاوف من احتمال اندلاع حرب، لكن في العام الماضي، أرسلت الدولة المجاورة وفدًا دبلوماسيًا، مما جعل الناس يعتقدون أن تلك المخاوف كانت مجرد شائعات لا أساس لها.
ولم تكن هناك أي مؤشرات تدعو للقلق في تقرير الوفد الذي أُرسل من المملكة أيضًا.
لكن، كانت تلك المعلومات مغلوطة. فقد انتشرت شائعات بين النبلاء أن ملك الدولة المجاورة لا ينوي إصلاح العلاقات مع المملكة، بل أرسل وفده فقط للتستر على نواياه.
وكان البعض يعتقد أن الحرب قد تندلع في أي وقت.
وفي الوقت ذاته، كانت الدولة المجاورة تتجسس بذكاءٍ شديد، و ترسل عملاءها لتتبع الأوضاع في المملكة.
والد آدورا، إليان ألفريد، كان أول من كشف الأمر، حيث أدرك خطر الموقف وبدأ في جمع المعلومات عن تحركات الدولة العدوة. لكن، عندما اكتشفت الدولة المجاورة ذلك، أرسلت عملاءها للتسلل إلى قصر عائلة ألفريد.
عرفت آدورا الحقيقة صدفةً.
كانت تسمع همسات الليل تتسلل من باب مكتب صغير بينما كان البالغون من عائلة ألفريد يناقشون الأمر سرًا.
عبر تلك الهمسات، علمت آدورا الحقيقة الكاملة عن المأساة، لكنها أدركت أن هذه الحقيقة لا يمكن كشفها للعلن.
كانت عائلة ألفريد على وشك الانهيار بسبب جواسيس الدولة المجاورة. ومع ذلك، لم يكن بالإمكان اتخاذ أي إجراء فوري.
لم يكن بإمكانهم محاسبة الجواسيس و العملاء أو إعلان الحرب على الدولة المجاورة، لأن الحرب ستكون مأساةً تفوق قدرات الجميع.
الحرب تعني الألم والمعاناة. ولم يكن من المعقول المقارنة بين معاناة عائلةٍ واحدة وبين حياة شعب بأكمله.
حتى وإن اندلعت الحرب في يوم من الأيام، كان من الأفضل تأجيل المأساة قدر الإمكان.
و لم تكن عائلة ألفريد ذات نفوذ يكفي لتحمل كل هذه الأعباء.
هكذا دُفنت الحقيقة التي أغرقت عائلةً بأكملها في المأساة.
لم يكن هناك وقت للبكاء أو التعبير عن الحزن. فقط الصمت والنسيان.
الآن، وجدت آدورا نفسها أمام خيارين: أن تنسى وتعيش، أو أن تنتقم.
اختارت آدورا الخيار الثاني بكلِّ سرور.
ورغم أن الناس قالوا إن الأحياء يجب أن يعيشوا حاملين ذكريات أحبائهم الذين فُقِدوا، إلا أنها لم تستطع تقبل ذلك.
كانت ذكريات ذلك اليوم المؤلم واضحة في ذهنها، والألم والغضب المكبوتان كانا يخنقانها.
كيف يمكن لها أن تعيش دون أن تنتقم لأولئك الذين أحرقوا قلبها؟
شعرت أن الطريقة الوحيدة لتسكين هذا الغضب هو أن تجعلهم يتذوقون نفس الألم الذي عانته.
لذلك قررت آدورا أن تصبح فارسةً.
عندما بلغت الرابعة عشرة من عمرها، قصت شعرها الأحمر الطويل وارتدت ملابس الرجال وقدمت طلبًا للالتحاق كفارسة مبتدئة في الحرس الملكي.
أثارت تصرفاتها دهشة الناس وسخريتهم؛ فكيف لنبيلة صغيرة بوجهها البريء أن تتخذ مثل هذا القرار الجريء؟
رغم الانتقادات والسخرية، نجحت آدورا في اجتياز الاختبارات وأصبحت فارسةً في الحرس الملكي.
وفي وقت لاحق، شاركت في الحرب ونجحت في قتل قائد جيش العدو، مسجلة بذلك نصرًا كبيرًا للمملكة.
وهكذا، حققت آدورا انتقامها، لكنها أيضًا وجدت الموت في نهاية الطريق.
***
في مطبخ القصر، حيث اعتادت الأوقات الهادئة أن تحل، وقف طاهٍ تجاوز منتصف العمر يعرض مهاراته بعد غياب طويل.
أُعدت الأطباق التي لطالما أحبتها آدورا، وسرعان ما نسيت شعورها بالثقل في معدتها بينما أنهت وجبتها بسعادة ومسحت شفتيها.
ثم أعلنت عن قرارها الذي اتخذته قبل القدوم.
“ماذا… ماذا قلتي؟”
“أفكر في الزواج. لذا أريدك أن تبحث لي عن شريكٍ مناسب.”
فجأة، سُمِع صوت سقوط شيء بصوت عالٍ خلفها.
عندما استدارت آدورا مذعورة، رأت جون يقف متجمّدًا، ويداه مرفوعتان في الهواء، بينما كانت أطباق فارغة مبعثرة عند قدميه.
بدا واضحًا أن هذا الصوت أتى من الأطباق التي سقطت للتو.
فتح جون فمه وهو ينظر إلى آدورا كما لو أنه لا يصدق ما سمعه.
“ز-ز- زواج!؟ إذا لم تخدعني أذناي التي شاخت مع الوقت، هل قلتِ إنكِ ستتزوجين؟”
“نعم، هذا صحيح.”
“لماذا… لماذا قررتِ الزواج فجأة؟”
على الرغم من أنها لم تتوقع ردة فعل بهذه الدهشة، إلا أنها توقعت مثل هذا السؤال. لذا أجابت ببساطة:
“أعتقد أنه قد حان الوقت لأخذ استراحة. في الحقيقة، أنا متأخرةٌ نوعًا ما.”
ارتعشت يدا جون فجأة، بل حتى جسده بدأ بالارتجاف.
للحظة، تساءلت آدورا ما إذا كان زواجها حدثًا صادمًا لهذه الدرجة.
وفي نفس الوقت، شعرت بالقلق من احتمال أن يكون جون قد مرضَ أثناء غيابها.
بدأ جون يتمتم مثل شخص فقد عقله: “زواج… زواج.”
ثم أخرج منديلًا أبيض نظيفًا من جيبه بيدين مرتعشتين، وغطى وجهه به قبل أن ينفجر بالبكاء بصوت عالٍ.
كان بكاؤه مرتفعًا وغير متحكم فيه، على عكس طبيعته الرصينة والحذرة.
وقفت آدورا تحدّق فيه بصمت للحظة، لكنها انتبهت عندما رأته يمسك صدره بيده اليسرى.
“يا الهي، اهدأ، جون.”
“لا تقلقي! هذه المشاعر لن توقف قلب هذا العجوز. آه، سيدتي، أنتِ ستتزوجين أخيرًا!”
كان المشهد غريبًا للغاية، وجعل آدورا تتساءل إن كان هذا الرجل الحساس يستطيع تحمل صدمة زواج ثانٍ.
فقررت أن تبقى صامتة كي لا تزيد من حالته.
بعد أن هدأ جون قليلاً واستعاد رباطة جأشه، نظر إلى آدورا بجدية.
“لا تقلقي، سيدتي! سأبحث لكِ عن شريكٍ جدير بكِ.”
“شكرًا، أعتمدُ عليك.”
ابتسمت له بخفة، ثم التفتت نحو الطاولة التي أُزيلت عنها الأطباق ووُضعت عليها أكواب شاي دافئة.
أمسكت بكوب الشاي بين يديها وشعرت بالندم.
ربما كانت قد تركت القصر لفترة طويلة أكثر مما ينبغي.
***
انتشر خبر بحث آدورا ألفريد عن شريك في جميع أنحاء المملكة، مما أثار ضجة كبيرة بين النبلاء.
صحيح أن اسم عائلة ألفريد قد فقد بريقه منذ زمن بعيد، لكن قيمة “آدورا ألفريد”، المرأة التي نالت الاحترام والتقدير بوصولها إلى منصب قائدة فرسان الفيلق الأخضر، كانت مختلفة.
لقد كانت بطلة قومية بعد إنجازاتها في الحرب، بل ونالت ثقة الملك نفسه.
ورغم أنها تنحت مؤخرًا عن منصبها كفارسة، إلا أن الزواج منها كان يُعد فرصة ذهبية للعديد من العائلات النبيلة لتحقيق مكاسب كبيرة.
وبسرعة، بدأت العائلات النبيلة تتنافس بإرسال طلبات الزواج والزهور إلى قصر ألفريد، وكأنها مسابقة مفتوحة.
وسرعان ما أصبح زواج آدورا الموضوع الأكثر تداولًا في المملكة.
***
في قصر يحيط به بحر من الورود الحمراء، كان رجل وسيم بتفاصيل وجه ناعمة يراقب الحديقة التي تلونها الورود.
كان شعره الأبيض كالثلج يلمع تحت ضوء الشمس، مما جعله يبدو وكأنه مشهد من حلم بعيد.
بينما كان يتجول وسط الحديقة المشذبة بعناية، اختار وردة حمراء نظيفة من قطرات الندى التي ظلت عالقة عليها منذ الصباح.
وضعها أمام أنفه واستنشق عطرها، مغمضًا عينيه بابتسامة هادئة.
***
جلست آدورا على الطاولة تحدق في كومة كبيرة من الرسائل التي ملأت سطحها.
بجانب الرسائل، كانت هناك باقات من الورود التي أحضرها الخدم منذ الصباح، أرسلها ممثلو العائلات النبيلة.
شعرت آدورا بأنها أمام تحدٍّ جديد لم تتوقعه.
جون لم يكن بحاجة للبحث عن شريك زواج لآدورا؛ فقد كانت الرسائل المكدسة على الطاولة أمامها كافية لتوضيح رغبة الجميع في الزواج منها.
حتى أن البعض المتسرع قد أرسل صورًا شخصية مرفقة مع الطلب.
بدا الأمر وكأن الشائعات انتشرت بطريقة لا تصدق، رغم مرور أيام قليلة فقط منذ أن قرر جون المضي قدمًا في البحث عن شريك مناسب.
“الزهور… كثيرة.”
إلى جانب الرسائل، تراكمت باقات الزهور بوفرة مذهلة.
كانت هناك باقات ضخمة تحاول لفت الانتباه بحجمها، وأخرى في أوانٍ مزخرفة بالفخامة.
تراوحت الزهور بألوان وأشكال متنوعة لدرجة أن جمعها جميعًا في مكان واحد قد يحولها إلى حديقة كاملة.
قال جون، وهو يشرح الوضع بهدوء: “إضافةً إلى ذلك، أرسل البعض مجوهرات وأشياء ثمينة أخرى. لكنني افترضت أنكِ لن ترغبي في هذه الأشياء، لذا أعدتها.”
“لقد أحسنت صنعًا.”
رغم محاولتها الحفاظ على هدوئها، شعرت آدورا بالارتباك.
كانت في السابعة والعشرين من عمرها. عمرٌ قد يُعتبر شابًا بالنسبة للفارسات، لكنه تجاوز بكثير السن المعتاد لزواج النساء النبيلات.
ومع أنها استقالت مؤخرًا من منصبها كفارسة، مما جعلها تظن أن العثور على شريك مناسب سيكون تحديًا، إلا أن رد الفعل العام كان حماسيًا على نحو غير متوقع.
وفقًا لما سمعته، انتشرت أخبار خطط زواجها في جميع أنحاء المملكة، وأصبحت حديث الجميع.
كان الاهتمام المفرط مربكًا، لكنه دلّ أيضًا على مدى تقدير الناس لها، مما جعل آدورا تحاول التفكير بشكل إيجابي.
التعليقات لهذا الفصل " 3"