تحسست آدورا حواف الباب، لكن من الواضح أنه كان مغلقًا من الخارج، ومع ذلك لاحظت وجود شقٍ صغيرٍ جدًا في الباب.
وضعت عينيها عند الشق، لترى والدتها تقف في مواجهتها، ويقف أمامها رجل غريب.
كان الرجل أطول من والدتها، وجهه مغطى بقناع أسود، وملابسه سوداء بالكامل كأنّه ظلٌ في الليل.
كانت والدتها تصرخ عليه بغضب، بينما كان هو يتحدث بهدوء.
أحست أن الوضع غريب.
لماذا والدتها غاضبة؟ ومن يكون هذا الرجل؟
لكن تساؤلاتها لم تدم طويلاً.
تقدم الرجل خطوة نحو والدتها، وتلألأ شيء لامع تحت ضوء القمر.
رمشت آدورا بعينيها.
كان سيفًا.
ما إن أدركت ذلك حتى تحرك النصل بلا تردد.
صوتٌ غريب تردد في المكان.
في اللحظة نفسها، اهتز جسد والدتها مرة واحدة. اهتز شعرها الأحمر الجميل، وكأنّه يرقص.
ترنحت والدتها ومدت يدها للإمساك بالرجل، ممسكةً بكتفه كما لو كانت تتشبث بطوقِ نجاة، بينما راحت تلمس بقوة القناع الذي كان يغطي وجهه.
لكن يديها كانتا تترنحان، حتى انهارت وسقط القناع عن وجه الرجل.
كان وجه الرجل شابًا، لكن آدورا لم تره من قبل.
رغم أن القناع قد سقط، لم يظهر أيّ انزعاج؛ بل انحنى بنظره إلى الأسفل.
كذلك آدورا، نظرت إلى الأرض حيث كانت والدتها ممددة.
شعرها الأحمر متناثر على قميص نومها الأبيض النظيف وأرضية الغرفة النظيفة.
كانت ممسكة ببطنها بإحدى يديها، وكانت أنفاسها غير طبيعية، ترتفع وتهبط بسرعة.
وجه الرجل نظرة خالية من أي مشاعر إلى والدتها، وبدا وكأنه كان يتوقع ما حدث.
ضرب يدها الممتدة تجاهه بطرف السيف بلا اهتمام، ثم رفعه مجددًا.
آدورا همست بهدوء: “أمي…؟”
لكن والدتها لم تجب. اخترق السيف قلب والدتها بلا تردد.
ارتجف جسدها عدة مرات، ثم هدأ تمامًا.
ظل الرجل ينظر إليها حتى توقفت عن الحركة تمامًا، ثم سحب السيف، فنفثت الدماء متطايرة في كل اتجاه، لكنها لم تترك أثرًا على ملابسه السوداء.
انحنى الرجل والتقط القناع الذي كانت تمسكه والدتها.
ثم ألقى نظرة غير مبالية على الغرفة.
لم ينتبه للفتاة الصغيرة التي كانت مختبئة خلف الجدار. بعد ذلك، استدار وغادر، ولم ينس إعادة ارتداء القناع.
لم تستطع آدورا أن ترفع بصرها عن والدتها التي كانت تراها من خلال فتحة ضيقة.
لم تكن ترى وجهها، وبدا وكأنّها نائمة.
أرادت أن تخرج فورًا وتوقظ والدتها.
شعرت أن والدتها ستبتسم لها بلطف وتعانقها، كما كانت تفعل دائمًا.
لكن ذلك لم يحدث.
كانت هناك أصوات قادمة من خلف الباب، صوت صراخ وتوسلات، صوت أقدام تجري وتصطدم بالأشياء.
غمرت الأصوات كل شيء، ليبدو العالم وكأنه أصبح جحيمًا من الصرخات والألم، كانت ليلةً لا نهايةَ لها.
بهذه الطريقة، نجت آدورا.
بالتحديد، آدورا وحدها هي من نجت.
أطلق الناس على تلك الحادثة اسم “مأساة عائلة ألفريد” وانتشر الخبر على نطاق واسع.
تنهد الجميع عند سماعهم لتلك المأساة.
“من ذا الذي ارتكب هذه الفظاعة بحق عائلة كانت تعيش بسعادة؟”
قليلون هم من نجوا، ومنهم من كان في غيبوبة.
أما أولئك الذين استعادوا وعيهم، فلم يتمكنوا من وصف القتلة بوضوح لأنهم كانوا مقنعين. بدا القتلة محترفين، فلم يتركوا أي أثر، مما جعل العثور عليهم أمرًا صعبًا.
ولكن كان من حسن الحظ أن ابنة عائلة ألفريد، آدورا، كانت الوحيدة التي نجت.
أثناء تفتيش القصر، سمعوا صوتًا غريبًا من داخل إحدى الخزائن، فعند فتحها، وجدوا آدورا فاقدة للوعي.
تم إنقاذ آدورا من داخل الخزان، وظلت مريضة لمدة يومين قبل أن تستعيد وعيها.
انتظر من حولها حتى تعافت ليطرحوا عليها الأسئلة حول ما حدث.
كانت آدورا تتذكر كل شيء بوضوح، حتى وجه الرجل الذي قتل والدتها. لكنها لم تستطع البوح بالحقيقة.
شعرت وكأنها تحذير غريزي؛ يجب ألا تتحدث، وإلا قد يحدث لها مكروه.
رغم أنها لم تكن تفهم تمامًا ما رأت، كانت تدرك أن ما حدث لم يكن عاديًا.
“لا أذكر شيئًا.”
اختارت آدورا الكذب خوفًا، خوفًا من أن يعود ذلك الرجل ليقتلها.
خضعت لذلك الخوف الغامض، فطمأنها من حولها. فهم الجميع أنها فقدت الذاكرة بسبب الصدمة، بل شعروا أن نسيانها قد يكون أفضل.
لم يشكّ أحدٌ في كذبها.
قام أقارب عائلة ألفريد بإجراء مراسم دفن العائلة بالنيابة عن آدورا.
كان الجميع في الجنازة يغرقون في البكاء، يرثون المأساة ويبكون حال آدورا التي فقدت عائلتها.
بينما كان الجميع يبكون بحرقة، كانت آدورا واقفة بوجه بلا تعبير. حينها اتخذت قرارها.
ستحمل السيف بدلاً من الورود، كما لم ترد والدتها.
انتشرت شائعات عن نجاتها وفقدانها للذاكرة، ولم يظهر القتلة مجددًا.
على الرغم من أنها ظلت تستيقظ من كوابيس تشعر فيها أن الرجل الذي قتل والدتها سيظهر، سرعان ما استعادت حياتها الطبيعية.
لكن، الكلمات التي نطقتها كانت مثل لعنة تطاردها.
ربما حافظت على حياتها بتظاهرها بالنسيان، لكنها لم تستطع الهروب من ذكريات تلك الليلة أبدًا. ومع مرور الوقت، لم يبق في قلبها سوى الكراهية.
في عامها الثالث عشر، اكتشفت آدورا أخيرًا هوية القتلة الذين دمروا عائلتها.
التعليقات لهذا الفصل " 2"