2 - يكن مجرد كابوس
غرفتي فوضوية بعدما ان بعثرت احشاء خزانتي باحثتا عن ملابس ارتديها وأخيرا، بعد مدة من البحث، وقعت عيناي على ملابس أثارت اهتمامي.
هودي أسود واسع جدا، بأكمام كبيرة تغمر يديّ وتُخفي معظم جسدي، يمنحني ذلك المظهر الفضفاض والمسترخي الذي أعشقه.
تبعته بنطال أسود فضفاض بطابع ستريت ستايل، طويل لدرجة أنه يكاد يغطي الحذاء.
أما قدماي فاختارتا حذاءً رياضيًا أسود بسيطًا، يبرز قليلا من تحت البنطال.
ارتديتها على عجل وكأنني أتمسك بشيء يمنحني شعورًا بالأمان حتى ان كل شيء في الملابس ينسجم مع خصلاتي الفحمية، هذا نوعي المفضل.
تأملت غرفتي لثوان، قبل أن أتنهد بضيق من كمية الفوضى التي تركتها خلفي. سأرتبها لاحقا لاخرج تاركتا اياها خلفي ، وما إن خطوت إلى الصالة حتى تجمدت في مكاني.
كانت أمي واقفة هناك، تنتظرني بكامل أناقتها شعرها الاسود مرتب، وملابسها منسقة بعناية كأنها من طبقة مرموقة، وابتسامتها مشرقة لدرجة جعلتني أحس أن فكي على وشك السقوط أرضا.
لم أتوقع أنها ستتجهز بهذا الشكل فاخر إضافة لتلك نظرات الشمسية
” امي انتي …. “
لم تترك لي فرصة لاتابع اخراج كلمات من حلقي ، لوحت بيدها باستعجال وهي تقول بعينيها أسرعي.
لم استغرب من تصرفها ، فهذه هي امي عندما تتحمس لشيء ما ، خرجنا معا، وتوجهنا إلى أول وجهة لنا المصرف.
دخلنا المصرف، وكانت أمي تمشي بخطوات واثقة ولباقة تثير الانتباه، مما جعلني أشعر بالضيق و الرغبة في الاختفاء يا ليت الارض تنشق و تبتلعني في تلك لحظة.
كم أكره تلك النظرات التي تسلط عليك بالاعجاب ، لم أفهم يوما لماذا يحب المشاهير كل هذا الضوء .
توجهنا نحو موظف الصندوق، الذي بدا مذهولا من أسلوبها الراقي بينما انا خلفها احاول اخفاء وجهي بخصلات شعري كمجانين .
وقفت أمي أمامه، وبدأت ببعثرة حقيبتها بعفوية، لتخرج الشيك الذي وقع عليها في المنزل قبل خروجنا لتتحدث بصوتها منتغم بسعادة
“سيدي، أريد أن تخرج لي هذا المبلغ.”
أخذ الموظف الشيك منها، وبدأ يتفحصه بدقة. بعد أن أكمل الإجراءات اللازمة، طلب منها الانتظار قليلا حتى يحضر المبلغ المطلوب.
استدارت إلي و وجهها مبتسم امسكت يدي تلوح بها من شدت سعادتها
” سأسجل هذا يوم لاحتفل به كل سنة “
لم أقاطعها، بل اكتفيت برسم إبتسامة صغيرة.
وبعد ثوان قليلة، عاد الموظف يحمل مبلغا بدا لي ضخما أكبر مما تخيلت يوما.
أكملنا الإجراءات، فأخذت أمي جزءا من المال ووضعته في حقيبتها، ثم خرجنا من المصرف.
وقبل أن نبتعد، مدت يدها نحوي وأعطتني ورقة نقدية.
“إيلي، اذهبي إلى أقرب مقهى هنا وانتظريني. سأذهب لأتخلّص من الديون.”
لتغادرت، تاركة إياي واقفة في مكاني أحدق بدهشة في الورقة النقدية بين أصابعي، تنهدت بعمق و اخفيتها في جيب بنطالي
لم اسر طويلا لأجد المقهى ، كان شبه فارغ و مع ذلك فضلت طاولة بخارج التي كانت بجوار اطلالة فنية لحديقة المقهى
بمجرد ان جلست حتى اتت نادلة ذات ملامح شابة جميلة، بدا واضحا أنها طالبة هنا وتعمل بدوام جزئي.
كان على وجهها ابتسامة لطيفة، لكنها ما لبثت أن تحولت إلى اندهاش صريح حين حدقت في وجهي، الأمر الذي جعلني أرغب فورا في إخفائه.
ثم وصلني صوتها، دافئا وصادقا بنغمة ذهول
“أول مرة في حياتي كلها أقابل فتاة بهذه الجاذبية.”
تسللت قشعريرة إلى جسدي من رئسي الى حد قدمي. كنت على وشك الرد، لكن ارتباكي خانني جعلني الامس دفتر بخطأ ، فسقط دفترها من يدها. انحنيت بسرعة، التقطته وقدمته لها.
“تفضلي واعذريني على ارتباكي.”
أخذت الدفتر، لكن بدلا من أن تبتعد، أمسكت يدي.
كانت يداي باردتان فضمتها بين كفيها الناعمتين لتدفئها ، لترد لي بلطف .
“لا بأس أنا المخطئة.”
ثم ابتسمت باعتذار، لتأخذ طلبي كوب قهوة و كيكة فرولة ثم استأذنت بإنصراف لاحضار طلبي.
وبمجرد ابتعادها، حتى اجتاحتني رغبة شديدة في النعاس، ثقيلة ومفاجئة لأصفع خدي محاولة طرد عني ، لكنه ازداد ثقلا بدل أن يتلاشى.
ترنح وعيي، وثقلت أطرافي، حتى وجدت رأسي يسقط بين ذراعي وغرقت في ظلام كامل.
كان الظلام حالكا بصرامة، حتى اخترقه ضوء ساطع بعنف.
أغمضت عيني فورا، فقد كان قويا إلى حد مؤلم، ثم دوى صوت صارخ مزق المكان
“ألم تعدني أننا سنتزوج…..كنت أحبك بشدة، وبذلت كل جهدي من أجلك وفي النهاية تخونني مع صديقتي”
ثم تغيرت نغمة الصوت الى انكسارا و خيانة
“وأنت ألم تقولي لي إنه يحبني …كنت دائما تنصحينني . . . كلاكما مخادعان!”
لم أصدق ما رأته عيناي ، كانت النادلة نفسها، تصرخ بانهيار، ودموعها تنهمر كالنهر حين يجد مجراه أخيرا.
ومن الجهة الأخرى، وقف شاب طويل القامة، وإلى جانبه فتاة تبتسم بسخرية باردة، ترتدي ملابس فاضحة، وكأنها غير معنية بالدمار الذي خلفته خلفها.
تلفت حولي لأستوعب المكان بدا وكأنه سطح شركة مرتفع ، ثم عاد بصري إلى الشاب، كان يقبل تلك المرأة بلا خجل، بفخر مستفز.
ابتعد عنها قليلا وقال بازدراء قاس
“ومن قال إنني أحببتك كنت أريد فقط ثروة والدك، لكنه خسر كل شيء للأسف.”
ضحكت المرأة ضحكة متعالية، واقتربت خطوة، ثم قالت بنبرة مليئة بالاحتقار
“لقد أحبني منذ البداية ، أنت لم تكوني سوى لعبة و عن صداقتنا فانا لم اكن اعتبرك سوى وسيلة لاصل به للقمة كم تحملت تصرفك كفقراء و كم تقرفت من عملك بدل ان تتمتعي بثروت والدك …. حمقاء .”
ارتجفت النادلة، وغضبها سبق وعيها، فحاولت ضربها ردّا على كلماتها وتصرفها المشمئز ، لكن المرأة دفعتها بقسوة.
في لحظة خاطفة لم تسقط أرضا بل سقطت من حافة المبنى.
اتسعت عينا المرأة بدهشة مصطنعة و تتظاهر بصراخ بينما ذاك شاب يحتضنها و هي تصرخ انها لم تقصد هذا ، بينما اندفعت أنا للأمام دون وعي.
رأيت جسد النادلة نائم في الأسفل و دماء تحيط بها ليس هذا فقط بل كان مشهد مريع جمّد الدم في عروقي ، ارتعش جسدي بعنف .
ثم تلاشى كل شيء ليأتي صوت هادئ، جميل
“سيدتي…”
انتفضت فجأة واعتدلت في مكاني، لأجد النادلة ذاتها أمامي و قد وضعت طلبي على طاولة.
لاحظت شحوب وجهي، فاقتربت محاولة تهدئتي، لكن ذاكرتي كانت أسرع أعادت إلي مشهد جسدها الساقط، والدماء تنهدت برعب و تنفسي ضاق و دون وعي مني، أمسكت يدها بقوة.
كانت يداي ترتجفان بعنف، وكأن الخوف تسلل إلى عظامي، لترمقني بدهش و تجلس بكرسي مقابل لي
“أظنه كابوسا مررت به لا بأس.”
هدئت نفسي. لافتح فمي بصعوبة
” هل لكي حبيب ”
سآلي جعلها تشرد بي ثم اجابتني بلطف
“بدأنا المواعدة أمس… إنه شخص لطيف، لكن لماذا فجأة هذا السؤال؟”
اجبتها و انا اشبك يداي كي اخفف ارتعادهما
“لا تثقي به… إنه مخادع. ولا تصادقي أي فتاة تتظاهر بالحب تجاهك.”
رمقتني بدهشة، كأنني اخترقت حياتها كما لو كنت أعيش معها في اللحظة التي أرادت أن تنطق فيها، حتى قاطعتها
“إذا أردت، من الأفضل أن تبتعدي عنهم. والأفضل أن تتبعي رغبتك، فهم يحبون مصالحهم فقط.”
رأيت التردد في عينيها، ثم تنهدت ببطء
“معك حق فتقربه مني فجأة غريب. وصديقتي تقول إنه يحبني منذ زمن وأنا التي لم أنتبه و ايضا صديقتي اصبح تلتصق بي بشكل مريب .”
تنهدت مرة أخرى، هذه المرة بعمق أكبر، ثم ابتسمت
“لم أتوقع أبدا أن أقابل فتاة جميلة وجذابة، وأيضا نصوحة …. لكن كيف علمت ؟ هل تعرفينني؟ “
شعرت بالارتباك، وكأنني محاصرة، وكنت على وشك الرد، لكن قاطعنا صوت أحد العمال
“بيلان والدك يتصل بك.”
قفزت لتبحث في جيوبها، وتحدثت بصوت أرق كما لو تعاتب نفسها
“من شدني رغبة لرؤية وجهك مجددا، نسيت هاتفي.”
ثم أسرعت نحو العامل. أما أنا، فرمقت دخان قهوة يتصاعد أمامي، وتنهدت بارتياح يبدو أنها ستبتعد عنهما من طريقت كلامهت كم هذا مريح .
مددت يدي نحو الفنجان لأتناوله، وارتشفت منه ببطء، مستمتعة بدفء القهوة ، بينما كنت أستمع إلى ضحكاتها، بدا أنها سعيدة، ثم تلاشى صوتها تدريجيا، كما لو ابتعدت عن المكان بصمت.
تابعت ارتشاف قهوتي، أتمتع بنكهتها الغنية، وأتذوق قطعة الكيك أمامي، مستسلمة للحظة هدوء .
بعد مدة قصيرة، رأيت أمي قادمة، تكاد تقفز من شدة السعادة. نهضت من مكاني، و بعد ان تركت مالي على الطاولة، وذهبت إليها.
ما إن اقتربت منها حتى احتضنتني بقوة
“أمي يبدو أنك أصبتي بجنون، ….. أكاد أختنق”
واصلت احتضاني كما لو أتحدث، ثم تركتني لتخبرني أننا سنذهب إلى وكيل آيدن ولسون.
أخرجت ورقة مكتوب عليها عنوان مكتبه، ولاحظت أن المكان قريب من هذا المقهى ما هذا حظ فجأة لنتج ليه
يتبع
Chapters
Comments
- 2 - يكن مجرد كابوس منذ 11 ساعة
- 1 - قبل أن يتغير كل شيء منذ يومين
التعليقات لهذا الفصل " 2"