1 - قبل أن يتغير كل شيء
صفاء السماء ينعكس فوق المرج ، بينما يداعب النسيم العليل الاعشاب فترقص بهدوء كأنها تهمس للأرض.
منظر جميل ،لا بل كان المشهد آية من الجمال ، لوحة رسمتها الطبيعة بلمسات لا يقدر عليها إلا الخالق
ملأت صدري بنفس عميق، وتركت خطواتي تتجول بحرية فوق بساط اخضر ، اركض و أتراقص كطفل وجد الدنيا جديدة.
الى ان لمع لون ما من بعيد ، فسحب نظري اليه كنداء خفي لون لطالما جذبني بسحره.
سارعت ناحيتها بحماس كم احب هذه الورود حمراء ، لاجلس و ألتقطها بلهفة مقربة ايها إلى انفي لأسرقة عطرها الاخاذ و اتأمل شكلها المغري.
و دون سابق انذار تغير كل شيء ،تحول جو الى ظلام حالك .
غريب بل مريب الى حد الرعب إلتفت حولي ، فإذا بالسماء قد إسودت و الارض من حولي جفت كأن الحياة انسحبت منها فجأة.
لكن الأكثر ريبة ، كان ذاك شخص من البعيد
طويل القامة ، ضخم البنية ، تلفه عباءة تخفي ملامحه تماما ، كظل لا وجه له.
خفضت نظري الى يدي بعدما شعرت ببرودة غريبة تلسع جلدي
كانت تلك وردة التي امسكتها قبل لحظات
لكنها لم تعد وردة … بل صارت سائل تتقطر بلون احمر كقطرات دم حية
و عطرها قوي جعل جسدي يرتجف بعنف ، و كأن البرد والرهبة اجتمعا داخل كياني في آن واحد.
حاولت فرار هاربة مما هو آتي لي ذاك قادم نحوي .
لكن فجأة ، شعرت بيده تمسك بي بقسوة ، تجذب جمجمتي الى خلف بوحشية و عنف ، حتى تكاد فروة رأسي تفارقني
حاولت صراخ لكن صوتي خانني لارمقة ما جعلني ارتعد اكثر ، عيونه مرعبة بلونها اصفر فاقع تشع برغبة تمزيقي ، الى ان اخترق مسمعي صوته مبحوح
” إيلي “
جعل تنفسي يضيق و كأنني اختنق لاغلق عيناي بقوة.
ليتلاشى ألم رويدى رويدى جعلني أفتح عيناي ليقابلني ظلام يخترقه ضوء خفيف
لادرك انني احضن رأسي بين ذراعي ، لارفعه واتنهد برتياح _لم يكن سوى كابوس _
ناظرت من حولي ليقابلني نفس مشهد معتاد ، وجوه ترمقني تعلوها ابتسامة سخرية ، نعم غفوت في وسط حصة مرة اخرى ، بل الاسوء هذه حصة رياضيات.
ليخترق مسمعي صوت حمحمتها حادة ، نظفت حلقي و إستدت خلفي لأتنهد بقلة حيلة فعلى ما يبدو انها هي من ضرب مؤخرة رأسي هذا يفسر الالم الذي اشعر به .
رفع يدها مشيرة الى ذاك لوح ليتجه نظري له ، ادركة ما تقصده ان احل هذه معادلة
قمت من مقعدي و الجميع يرمقني بنظرات أثارت في شعورا عميقا بالقرف ، امسكت قلم و بدأت بكتابة لم تمضي سوى ثواني حتى اعدته الى مكانه .
استدرت لأرى وجوها تكسوها الدهشة، لكنني لم أكترث لهم. الشيء الوحيد الذي شغل عقلي هو وجه المعلمة.
كان وجهها ممتلئا بتجاعيد جديدة أضيفت إلى القديمة، حتى بدت كقنبلة موقوتة توشك أن تنفجر.
تحدثت بصوت صارم مليء بالغضب
“إيلي روكسي… هذه المرة نجوت أيضا.”
ما إن أنهت جملتها التي لم ألقي لها اهتماما، حتى اخترق مسمعي صوت جرس.
بسرعة جمعت أشيائي، وكنت أول من خرج من حصتها المملة.
كان الرواق طويلا، تغمره أضواء المساء عبر نوافذ المدرسة، فيمنحه منظرا فنيا جميلا رغم أن المكان نفسه لم يكن يجمع سوى قمامة.
أخرجت سماعات أذني من حقيبتي، وصلتها بهاتفي، وتركت الموسيقى تنساب لتداعب أذني، لعلها تمحو من رأسي ذلك الكابوس الذي ما زال عالقا في مخيلتي.
خطوت بخفة وسرعة، فقط لأهرب من هذه الرقعة الخانقة وأتجاوز حدود الثانوية. لكن ما إن اقتربت من باب الخروج، حتى ظهرت أمامي تلك المتنمرات الفتيات اللواتي لا يجلبن سوى الإزعاج.
حاولت أن أتجنبهن، أن أعبر بصمت بينما أغير الأغنية، لكن صوت إحداهن ارتفع بازدراء.
“أيتها السمراء . لدي خبر سعيد لك.”
توقفت خطواتي للحظة، ثم تابعت السير ببطء محسوب. حاولت تجاهلها قدر ما أستطيع، فقد أوقفت الموسيقى دون أن ينتبهن، ورفضت أن أستدير نحوهن.
قهقهت أخرى بسخرية لاذعة، قبل أن تقول بوقاحة اكبر من اخرى
“أيتها البشعة… لقد ساعدنا والدتك. بفضلنا تخلصت من ذلك العمل الممل”
توقفت فورا.
قبضت يدي اليسرى حتى برزت عروقي، وشعرت بصوت داخلي ينادي مرارا _إيلي اهدئي. لا تفتعلي مشكلة. هن أغنياء ويمكنهم أن يغرقوك في ديون أسوأ مما نعيشه الآن_
سحبت نفسا حادا، محاولة ابتلاع كتلة الغضب التي تخنق حلقي. تجاهلت نظراتهن، رفعت رأسي، وأسرعت بخطوات ثابتة نحو المنزل القريب من الثانوية فقط لأبتعد، قبل أن أفقد السيطرة.
لم أصدق أنني وصلت أخيرا. دفعت الباب بعشوائية ودخلت، لأتفاجأ بأمي جالسة على الأرض، تضم تلك الوسادة إلى صدرها وهي تبكي بحرقة دموعها تنهمر بلا توقف.
اندفعت نحوها بفوضوية، أتعثر بخوفي قبل خطواتي، حتى جلست أمامها وقلت بصوت مرتجف
“أمي كيف فصلت؟ ماذا حدث؟”
ما إن نطقت بسؤالي، حتى ازداد بكاء أمي، وكأن الكلمات نفسها كانت طعنة أخرى.
“كنت أقدم الطلبات ، وبسبب إحدى الفتيات تعثرت، وانسكب الكأس على أحد الزبائن المهمين.”
شعرت بدمائي تغلي، رأسي يكاد ينفجر غضبا تلك العاهرات اللعنة منهن ،هن السبب. كما توقعت.
تابعت أمي حديثها بصوت مكسور، تحتضن الوسادة بقوة كأنها تستند إلى آخر شيء يربطها بالحياة
“إيلي أمك لم تستطع يوما أن توفر لك ما يحتاجه أي طالب. لكنك كنت تبذلين جهدك دائما وحصلت على منحة لدخول هذه المدرسة المرموقة ومع كل هذا ما زلت أغرق في الديون.”
احتضنتها بقوة، وشددت ذراعي حولها كأنني أحاول جمع شتاتها، وتحدثت بهدوء رغم الألم الذي يخنق صوتي
“أمي أنا لا أحتاج شيئا يكفيني أن أراك سعيدة. أما عن الديون ف…….”
لكن صوت طرق مفاجئ على الباب قطعني.
تجمدت لحظة، ثم وقفت ببطء واتجهت نحو الباب لأرى من الطارق
فتحت الباب ببطء، لأرى رجل البريد يقف أمامي، يحمل حقيبته المعتادة على كتفه.
ابتسمت له بخفوت
“كيف حالك أيها العم؟”
رأيت ابتسامته تتسع وهو يجيب
“جيد وماذا عنك يا إيلي؟”
لم يكن يوما جيدا أبدا، لكنني اكتفيت بهز رأسي
“أنا بخير.”
بدأ يفتش في حقيبته الكبيرة، يقلب الأوراق والظروف حتى أخرج ظرفين
أحدهما أبيض مستطيل، والآخر بنيّ أكبر حجما.
مدهما نحوي بلباقة كعادته
شكرته، وودعته، ثم شاهدته يركب دراجته وينطلق لإيصال بقية البريد تاركا إياي واقفة عند الباب، أحمل ظرفين انزقت حدقتاي لهما اتفحص من مرسل حتى رمقت لقب _ روكسي _ هممت مسرعة الى داخل المنزل لاطرح سؤالي بستغراب
” امي هل لك أقارب ”
حركت رأسها بالنفي، مستغربة، وسألتها بصوت خافت
“لماذا كلا الظرفين يحملان لقب ‘روكسي’؟”
رأيتها مذهولة، فاقتربت منها و انا تتراكم اسإلة اخرى داخل عقلي ، فتحت ظرف ابيض وسحبت منه ورقة، وقرأناها معا باندهاش
{من غلانيس روكسي إلى وريثي،
ستصلك هذه الرسالة غالبًا بعد أن أفارقت حياتك، وأنت الوريث الوحيد لهذه العائلة.
أتمنى أن تعتني بممتلكاتي بمسؤولية.
توجه إلى خادمي و وكيلي الخاص، آيدن ولسون، فهو من سيتكلف بك.}
شهقت مما قرأته لافرك عيناي خاصتا بعد تلك كلمة (ممتلكاتي) لأكمل قراءة و صدمة تحتضنني
{ لقد أرسلت لك كمية من المال…
أتمنى أن تساعدك في إدارة أمورك والبدء بمسؤولية}
التفت إلى أمي لأراها ترمقني بابتسامة تشجعني على التسرع.
لم أتردد، ففتحت الظرف البني على الفور، لأجد داخله شيكا به رقم خيالي بنسبة لنا و ورقة صغيرة بها عنوان على ما يبدو انها لذالك رجل وكيله
تنهدت بارتياح، بينما بدت أمي سعيدة لأول مرة منذ زمن
“سأرتاح من الديون أخيرا “
لكنني توقفت عن أخبارها بالأمر الأكبر، عن الرجل و عنوانه بين ايدينا ، لتخبرني هي بدورها
“سنذهب إليه غدا، بعد أن نتخلص من هذه الديون.”
نهضت أمي من مكانها وهي ترقص من شدة السعادة، تحتضن الشيك كأنه طوق نجاة طال انتظاره.
وقفت أراقبها، والابتسامة ترتسم على وجهي دون أن أحاول إخفاءها.
“إيلي… إننا محظوظتان!” قالتها بفرح يكاد يملأ الغرفة.مذا عن تلك ابتسامة يا ليتني التقطتها كتذكار
لكن سعادة أمي أعادت إلي ذكرى لم أرغب بعودتها المتنمرات.
ارتسمت نصف ابتسامة على شفتي، مرة لا تشبه الفرح.
يا ليتني أستطيع الانتقام منهن على اقل ،يا ليتني أستطيع الرد على كل لحظة تحملت فيها تنمرهن علي تنهدت انتظر الفرج
استأذنت أمي وصعدت إلى غرفتي، أبحث عن لحظة هدوء ألتقط فيها أنفاسي.
أغلقت الباب خلفي، لأجد نفسي وجها لوجه مع تلك المرآة الطويلة التي تحتل زاوية الغرفة .
انعكاسي كان أول ما قابلني
شعري الأسود الفحمي المنسدل، بشرتي سمراء فاتحة حنطيه ، وعيناي الزرقاوان تلمعان بصفاء ناذر
ارتجف جسدي، وقشعر بدني كله.
تحركت بسرعة، التقطت أحد معاطفي وألقيته فوق المرآة، أطفئ نظرتها عني ، فقد كن
ت أكره شكلي ، بل أحتقره.
غيرت ثيابي، ورميت جسدي على السرير متعبة. حاولت النوم، وأفكاري تلهو بما ينتظرني غدا.
لكن النعاس غلبني أخيرا، فأغلقت عيني مستسلم لنعاس
يتبع……..
Chapters
Comments
- 1 - قبل أن يتغير كل شيء منذ 4 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 1"