2 - الفصل الثاني: ثمانية أشهر لاحقاً
الفصل الثاني: ثمانية أشهر لاحقاً
يقولون “كل شيءٍ إذا زاد عن حدّه انقلب ضدّه”، وقد ثبتت صحة هذا القول.
حتى المطر الذي يُعدّ نعمةً قد يكون قاتلاً حين يتجاوز حدّه، وعرف العالم ذلك بالطريقة القاسية، لأن تلك الغيوم التي ظهرت في آخر يونيو بقيت لثمانية أشهر…
لثمانية أشهرٍ متواصلة أمطرت السماء وثلجت وأبردت على امتداد لندن، مُدمِّرةً حياة السكان.
لم يكن أحدٌ في مأمنٍ من آثار الغيوم الداكنة التي أحضرت معها الجوع والموت إلى كل زاويةٍ وشارع في لندن.
لو مشيت في شوارع لندن آنذاك لسمعت أصوات السعال تنبعث من كل مكان، وجرس الكنيسة يُقرع دون توقف نعياً للموتى.
أغطت الغيوم أشعة الشمس لأشهر، وحتى أنها أثلجت في مايو مما أتلف جميع المحاصيل لذلك العام. حتى الماشية لم يكن لها ما تأكله، وانتفخ بعضها من كثرة المطر والرطوبة فنفق، مما أفضى إلى مجاعة. أضف إلى ذلك البرد وستحصل على البيئة المثالية لانتشار وباء.
وهذا بالضبط ما حدث. قتل التيفوس والحمى التيفية والسل ما يزيد على مئة ألف شخصٍ في أيرلندا وإنجلترا واسكتلندا، وأكثر من مئتي ألفٍ في أرجاء أوروبا.
ولم يُساعد تجمُّع الفقراء في غرفٍ ضيقة بحثاً عن الدفء على شيء، بل جعل تفشّي الأمراض أسهل. وكان تناول الشوربة المخففة من الشعير والشوفان أو ما يقع بأيديهم من أعشابٍ برية كالقراص يُضعف الناس ويجعلهم أكثر عرضةً للموت عند الإصابة بنزلة البرد.
كانت بطون الأطفال ناتئةً من سوء التغذية، ووجوههم نحيلة، وعيونهم غائرة. المشهد كان مروّعاً، لكن كل ما بمقدور الناس فعله هو التمسك بما تبقّى لهم من أملٍ في أن يوماً ما سيستيقظون لتشرق الشمس مُؤذِنةً بنهاية هذا العصر الداكن. لكن بالنسبة لآيفي، حتى ذلك لن يكون مجدياً.
كانت تُصارع الموت كل يومٍ منذ أن طردها عمّها من بيتها قبل شهرين.
لجأ خالها إلى حيلةٍ ماكرة لطردها من بيتها وجعل الناس يتجنّبونها. “إنها ساحرة” قال للناس، ثم كذب بأنه رآها تمارس السحر الأسود بدم أمها وتقتلها في نهاية المطاف.
كان هذا كافياً لطردها من بيتها دون أن يرف لأحدٍ جفنٌ أو يسعى لمساعدتها.
منذ أن بدأ هذا الطقس الرهيب، كان الناس يلومون أموراً شتى. بعضهم لام الكنيسة لعجزها عن إيجاد حلٍّ رغم التبرعات السخية المقدَّمة إليها. والبعض الآخر لام الحكومة لفشلها في وقف الأحداث المروّعة المتتالية كمجزرة دارتمور وإعدام إليزابيث فينينج التي اتضح لاحقاً أنها كانت بريئة. لكن أشد ما أبغض الناس كان السحرة.
لم يكن أحدٌ يعرف تحديداً ما تفعله الساحرات أو كيف يبدون، كل ما عرفوه أنهن نساء، وفي تلك الحقبة كانت المرأة تُلام على أشياء كثيرة لعدم قدرتها على الدفاع عن نفسها، لذا كانت هدفاً سهلاً.
أي امرأةٍ يمكن أن تُوسَم بالسحر: المرأة التي تجرؤ على ردّ كلام زوجها، وغير المتزوجة التي تجاوزت الثلاثين، والنساء اللواتي يجتمعن سراً. لذا لم يكن صعباً على خال آيفي إقناع الناس بأنها ساحرة. بل ذهب إلى حدّ الإيحاء بأن عينيها باتتا رماديتين كلون الغيمة الملعونة بسبب السحر الأسود.
لم تدافع عنها الآنسة مارغريت صديقة أمها ولا الآنسة راشفورد التي كانت دائما تساعدها في إيجاد العمل. تجاهلها الجميع خشية أن يُوسموا بالسحر هم أيضاً، ولأن لديهم مشكلاتٍ أكبر يُعانونها.
هكذا أصبحت آيفي مشرّدة، تُلقى في الشوارع دون شيءٍ سوى عباءة أمها الشتوية القديمة.
بلا مأوى، كان كل شيءٍ عسيراً. للحصول على طعام، كانت تقف في مطاعم الإعانة الخيرية حيث كان المحظوظ من يحصل على وجبةٍ واحدة بعد وقوفٍ طوال اليوم. وللدفء كانت تلفّ جسدها في عباءة أمها بإحكامٍ في أي ركنٍ جافٍّ تجده، تتساءل عمّ ستصحو عليه حين يأتي الصباح، إن أتى الصباح…
لكن في ليلةٍ واحدة تغيّر كل شيء. ذهبت آيفي كالمعتاد إلى مكانها المعتاد للنوم، لكنها وجدت جسد امرأةٍ ميتة هناك. كان عليها إذن أن تبحث عن مكانٍ آخر، إذ ان الجثث تُجمع كل ثلاثة إلى سبعة أيام.
أثناء بحثها، لاحظت شيئاً غريباً في أحد الأركان. كانت امرأةٌ يُشير فستانها الأحمر المكشوف إلى أنها بائعة هوى في أحضان رجلٍ طويل القامة ذي شعرٍ فضيٍّ منسدل. أرادت آيفي الانصراف، لكنها لاحظت أن المرأة لا تتحرك البتة وأن الرجل لا يُقبّل عنقها بل يمصّ الدم منه، وكان العنق الأبيض الشاحب يتحوّل تدريجياً إلى اللون الأحمر من الدم النازف.
كان المشهد مروّعاً، فاضطرت آيفي إلى تغطية فمها كيلا تُصدر صوتاً. كان عليها أن تبقى ساكنةً تماماً، إذ قد يُنبّه أي حركةٍ مفاجئة ذلك الرجل. راقبت كل شيء: كيف مصّ الرجل دمها حتى النقطة الأخيرة ثم سلّم جثتها لمساعده ليرميها.
ما إن غادرا حتى استطاعت آيفي أن تتنفس من جديد. خرّت ركبتيها على الأرض وراح جسدها كله يرتجف، ليس من البرد بل من هول ما شهدت.
استغرق قلبها وقتاً حتى يهدأ، ثم جلست على الأرض بظهرها مسنودٍ إلى الحائط. “مصاصُ دماء؟”، رددت آيفي لنفسها وهي تشدّ قبضتها. حين كانت صغيرةً قرأت أحد كتب أبيها القديمة التي كانت باللغة الألمانية، كان قصيدةً عن كائنٍ يشرب دم البشر كي يبقى حياً.
اللقاء مع هذا الكائن الأسطوري كان مُرعباً، لكن آيفي نجت بفضل صوت المطر الغزير. ظنّت أنها كانت محظوظةً للمرة الأولى قي حياتها، لكن الصباح التالي كان يحمل أخباراً سيئة لآيفي وفقراء لندن.
بينما كانت واقفةً في مطعم الإعانة الخيرية ، مَلّ رجلٌ جائع من الانتظار ساعاتٍ طويلة لينال حصه صغيرة من الشوربة. طلب المزيد ولكن رُفض طلبه، فأصابه الجنون وقتل أحد العاملين.
اندلعت الفوضى؛ انتاب الناس الهلع، وحاول آخرون اغتنام الفرصة لسرقة الطعام، مما أدى إلى إصابة كثيرين في المكان. وبسبب ذلك أُغلق المطعم كله وتُرك مهجوراً، مما يعني انقطاع الطعام المجاني.
كان هذا بداية أكبر مشاكل آيفي( الجوع)، الذي سيدفعها إلى اتخاذ خيارٍ بالغ الخطورة في المستقبل.
***
Instagram: Cinna.mon2025
شكرا لقراءة الفصل❤️ اراكم في الاسبوع القادم
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
Chapters
Comments
- 2 - الفصل الثاني: ثمانية أشهر لاحقاً منذ 6 ساعات
- 1 - الفصل الأول: البداية منذ 6 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 2"