1 - الفصل الأول: البداية
الفصل الأول: البداية
في مساء الثامن والعشرين من يونيو عام ١٨١٦، ظهرت فجأةً غيومٌ سوداء في سماء لندن. لم يكن المشهد غريباً على السكان، إذ طالما حجبت الغيوم الشمس لفصول متتالية، فأهملوا هذه الدلائل، رغم أن رائحة تلك الغيوم كانت كالرماد المحترق.
تجاهلوا حتى لونها الأسود المشؤم، وظنوا أنها لا تحمل سوى مطرٍ غزير، لكنهم كانوا مخطئين.
بحلول اليوم الثالث، بدأ الناس يدركون أن ثمة خطباً ما، إذ انهمرت الامطار بلا توقف، وغطّت الغيوم الكثيفة السماء بأسرها، مغطيتة الشمس كحجابٍ داكن لدرجة أنه لم يعد بالإمكان التمييز بين الليل والنهار.
أشعل الناس شمعةً تلو أخرى، واضطرّ الأطفال والكبار إلى البقاء في داخل منازلهم معظم الوقت.
بعد شهرٍ من الأمطار المتواصلة، بدأ الناس يتعلمون المزيد عن هذه الظاهرة التي سُمِّيت(الشتاء البركاني)، الذي نتج عن ثوران بركاني، أدى إلى تصاعد الدخان والرماد في الغلاف الجوي وبقائهما عالقين في السحب التي وصلت إلى لندن وأجزاء من أوروبا.
منذ ظهور الغيوم السوداء، تتالت المصائب في أرجاء لندن؛ بعضها كان من جرّاء الظاهرة، وبعضها الآخر أحداثٌ طبيعية حمّل الناس فيها السماء الداكنة المسؤولية.
ومن هذه المصائب رحيل والدة آيفي. كانت طريحة الفراش منذ ثماني سنوات، وفارقت الحياة بعد شهرٍ من ظهور الغيوم السوداء.
“إنها لعنة الغيوم السوداء”، كان الناس يقولون بغضبٍ كلما مات أحدٌ في تلك الفترة.
والآن بعد رحيل والدتها، لم يبقَ أمام آيفي أحد سوى خالها، الذي عرض عليها الانتقال للعيش مع عائلته لمواساتها خلال فترة حزنها، لكنها رفضت.
لحسن الحظ، كانت قد بلغت الثامنة عشرة من عمرها منذ أشهرٍ قليلة، مما أتاح لها قانونياً الاحتفاظ بمنزل والديها؛ المنزل الذي كان من المفترض أن يؤويها حتى بلا وليّ أمر.
كان بيتاً من طابقين في قلب لندن، تستطيع آيفي بيعه والانتقال إلى منزلٍ أصغر وتوظيف المال الزائد في مستقبلها، أو تحويل الطابق الأول إلى محلٍّ للخياطة.
كانت آيفي موهوبةً دائماً في التطريز والخياطة، لكن مرض أمها الذي يتطلب رعايةً على مدار الساعة لم يُتح لها في وقت الفراغ سوى تطريز منديلٍ أو حاشية فستان.
كانت تلك خياراتٍ رائعة، لكن طمع خالها حال دون تحقق أيٍّ منها…
رأى خالها أن المنزل مثاليٌّ لعائلةٍ مؤلفة من أربعة أفراد؛ سيتمكن اطفاله من الذهاب إلى المدرسة مباشرتة بدلاً من ركوب العربة لمدة ساعة كل صباح، وستتاح له أخيراً فرصة افتتاح محل الجزارة الذي طالما حلم به في قلب لندن، ليبيع فيه اللحوم للأثرياء والنبلاء.
العقبة الوحيدة أمام أحلامه كانت ابنة أخته التي رفضت السماح له بالانتقال إليها.
لكن إن أمعنّا التفكير، ثمة أسبابٌ جعلت آيفي هكذا؛ فقد اعتنت بوالدتها المريضة بمفردها لسنوات عديدة، بينما كانت تعيل نفسها أيضاً من خلال العمل في التطريز والخياطة بين الحين والآخر.جعلها تحمُّل هذه المسؤولية الثقيلة منذ صغرها مستقلةً للغاية، ولم تكن تنخدع بالكلام المعسول كغيرها من الفتيات في عمرها.
علّمتها التجربة أن لا شيء في الحياة يأتي مجاناً، فظلّت تحرس ما تبقّى لأسرتها رغم كل المصاعب.
أصبحت بشرة يديها خشنة للغاية من كمية المطهر التي اضطرت لاستخدامها لتنظيف جروح ظهر والدتها. ناهيك عن أن بصرها كان يتدهور يومًا بعد يوم.
بما أن وقت فراغها الوحيد كان عندما تكون والدتها نائمة، فقد اعتادت العمل لساعات طويلة تحت ضوء الشموع الخافت لإنجاز قطعةٍ دقيقة. ونتيجةً لذلك، باتت عيناها اللتان كانتا بُنيّتين في الاصل تبدوان رماديتين؛ إذ تكوّن غشاءٌ رماديٌّ أبيض أمام قرنيتيها. ولأنها لم تكن تملك الوقت ولا المال لعلاجهما، تعايشت مع حالتها.
كانت تعاني من الصداع، وحساسية للضوء، وألم في عينيها كأن شيئًا حادًا مغروس فيهما. لهذا السبب، لم تكن قادرة على العمل في بعض الأيام، ولكن كلما خفّ الألم، كانت تحاول إنجاز أعمال الخياطة بأسرع ما يمكن.
لحسن الحظ، وبفضل سنوات عملها العديدة وذاكرة عضلات يدها، تمكنت من إكمال عملها على الرغم من حالتها، ولكن من الآن فصاعدًا لم تعد بحاجة إلى بذل كل هذا الجهد.
الآن وقد رحلت والدتها، أصبحت حرة في فعل ما تشاء، ولكن بدلًا من السعادة، شعرت بالاكتئاب، تلوم نفسها لعدم قدرتها على فعل ما هو أفضل، أو محاولة إيجاد طبيب أو دواء أفضل لوالدتها.
بالنسبة لآيفي لم تكن أمها عبئاً، بل كانت الشيء الأخير الذي أبقاها سليمة العقل وأعطاها سبباً لمواصلة الحياة.
الآن، وبعد ثماني سنوات من رعاية والدتها، فقدت صلتها بما هو طبيعي لفتاة في سنها. لم يكن لديها أصدقاء من عمرها، ولا حبيب، ولا هدف في الحياة.
في مرحلة المراهقة كان لها معجبون كثيرون، لكن طبيعتها الكئيبة وحدّة نظراتها كانت تُرهب الرجال فيعزفون عنها في نهاية المطاف.
فبقيت لفترةٍ بعد وفاة أمها في حالةٍ من الاكتئاب، وانتهى بها الأمر إلى إهمال نفسها والمنزل وكل ما حولها. لم تكن تدري آنذاك أن خالها يدبّر لطردها من بيتها، وأنه سينجح في ذلك في نهاية المطاف.
***
Instagram: Cinna.mon2025
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
Chapters
Comments
- 2 - الفصل الثاني: ثمانية أشهر لاحقاً منذ 7 ساعات
- 1 - الفصل الأول: البداية منذ 7 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 1"