لا أدري إن كان هذا يدورُ في مخيلتي أم أنه واقعٌ ملموس، لكنَّ شيئًا ما كان يهرعُ آتيًا من وراءِ الحجب. هناك حيثُ يُرسمُ خطٌّ في العتمة، خطٌّ يمكنُ تسميتُه بالأفق، كان القادمُ يندفعُ من خلفِه.
“هذا.. هذا مستحيل.”
بدت كلارا مرتبكةً للغاية. ضعفٌ لم أكن أتخيلُه في امرأةٍ حاولتْ قبل لحظاتٍ دفني حيةً وقتلَ روحي.
وبينما كانت تنفي الأمرَ بصوتٍ واهن، حدقتُ أنا بذهولٍ نحو ما وراءِ الظلام. كانت الغرفةُ ضيقةً جدًا، لا تسعُ سوى العرشِ والمساحةِ التي نتحركُ فيها، لكنها فجأةً بدت شاسعةً بلا حدود. ثم تجسّدَ خيال؛ شيءٌ أبيضٌ وناصع.
“لا! أبدًا! لا يمكنُ لكَ أن تأتيَ إلى هنا! هذا غيرُ ممكن!”
صرخت كلارا وهي تتركني وتتراجعُ نحو الجدار، كانت تفرُّ كفريسةٍ تخشى مفترسَها. شعرتُ برعبِها يملأُ المكان.
أتعرفُ هذا الكيان؟ بل يبدو أنها تعاديهِ أشدَّ العداء.
انكمشتُ على نفسي خوفًا من أن تدهسني، لكنَّ العربةَ عبرت من خلالي كأنها ضبابٌ بحريٌّ بلا جسد، ثم استقرت في وسطِ الغرفة.
كان الوحشُ الأبيضُ الذي يجرُّ العربةَ يصهلُ ويحمحمُ باستمرار، لكنَّ ملامحَه لم تكن تشبهُ الخيلَ أبدًا. كان ينفثُ زفيرًا باردًا من منخريه، وعُرفُه أسودُ ومبتلٌّ كأنه انتُزعَ من أعشابِ قاعِ بحيرةٍ عميقة.
أما العربةُ نفسُها، فكانت في حالةٍ يرثى لها؛ تشبهُ سفينةَ أشباحٍ تاهت في عرضِ البحرِ طويلاً. غطت سطحَها أصدافُ المحار، وتنبعثُ منها رائحةُ الملوحةِ كأنها خرجت من الماءِ للتو.
كأنَّ البحرَ بأكملِه قد اقتحمَ المكانَ بصحبةِ هذه العربة. هبّت نسمةُ بحرٍ باردةٌ طردت الهواءَ العفنَ الراكدَ في الغرفة. لَهثتُ من عظمةِ الموقف؛ شعرتُ وكأنَّ الموتَ ينسحبُ لتحلَّ مكانَه الحياةُ والنشاط.
صورة تخيلية بالذكاء الصناعي :
“كيف.. من الجدار.. يخرجُ إنسان؟”
فجأة، انبعثت العربةُ من الفراغ. آلمني رأسي، فالموقفُ كان أعقدَ من أن يستوعبَه عقلي الصغير. لكن، ما زادَ من ذهولي هو ترجُّلُ شخصٍ ما من العربة. أجل، لا بدَّ من وجودِ سائقٍ لها، فهي لن تسيرَ وحدَها.
‘ولكن.. من ذا الذي يركبُ شيئًا كهذا؟’
نزلَ من العربةِ عجوزٌ أشيبُ كثُّ اللحية. كانت تعلو ثغرَه ابتسامةٌ حانية، لكنَّ نظراتِه كانت تقدحُ شررًا وهي تصوبُ نحو كلارا.
اقتربَ الوحشُ مني وضغطَ ببرطمِه على جسدي. شعرتُ بأنفاسِه الرطبة؛ كأنه يتأكدُ من أنني لا أزالُ أتنفس. تمتمتُ دون وعي:
“لا.. توقف…”
حينها، عرفتْ كلارا العجوزَ فصرخت بذعر:
“أنت!”
غطاني العجوزُ بطرفِ ردائِه الذي كان باردًا كالضباب.
“لا حاجةَ للتعريفِ بهواياتكِ المخزية. لقد استمتعتِ بـألاعيبكِ بما فيه الكفاية.”
“كم قسوا عليكِ واستنزفوكِ.. يا لكِ من مسكينة. ألم تكن تلك “الروح” لحوحةً بما يكفي؟ لقد حذرتُه مرارًا أن يتركَ عادتَه في تمزيقِ البشرِ حتى يشفى غليلُه.”
جزّت كلارا على أسنانِها:
“تبًّا! ارحل من هنا فورًا، هذه فريستي!”
“لم تعد كذلك.”
وفجأة، بدأ شيءٌ ما يتكشف. كانت سلاسلُ تلتفُّ حول جسدي، تبدأُ من قلبي وتخنقُ كياني. انطلقَ صوتٌ كئيبٌ ورنينٌ حادٌّ من تلك السلاسلِ الحديديةِ الملطخةِ بسائلٍ أسودٍ لامع.
أدركتُ الآن لِمَ كنتُ أشعرُ بالضيقِ رغم خروجي من تلك الغرفة. كيف لم ألحظ هذا؟ أنَّتُ بصوتٍ خافت؛ شعرتُ وكأنَّ جسدي يتحطم.
قبضَ العجوزُ على تلك السلسلةِ بقوةٍ وعنف. ومع سحبِه لها، شعرتُ وكأنَّ روحي تُنتزعُ معه. تلوت السلسلةُ كأنها أفعى حية، تحاولُ نهشَ يدِ العجوز، لكنها لم تكن تقوى على المقاومة؛ يبدو أنَّ قوةَ العجوزِ كانت أعظم.
وبعد تخبطٍ واهن، انفجرت السلسلةُ وتلاشت، لتتحولَ إلى ضبابٍ أسودَ يذوبُ في الهواء. في تلك اللحظة، زالَ الألمُ الذي كان يثقلُ كاهلي، وشعرتُ بخفةٍ مفاجئةٍ في جسدي.
رنَّ صوتُ تنبيهٍ خافت. بدا أنَّ شيئًا ما قد عاد، لكنني لم أرَ شيئًا ملموسًا بعيني. الخريطةُ وقائمةُ المهماتِ قد اختفتا منذ زمن، وبصرُ الشخصِ العادي هو كلُّ ما أملكُ الآن. إذًا، ما هي الميزةُ الأخيرةُ التي تبقّت لي؟ الإجابةُ واحدةٌ لا غير.
لقد مُحيت كلُّ السجلاتِ التي كانت تلتفُّ حولي، وضاعت البياناتُ المحفوظةُ القديمةُ بعد أن كُتبت فوقَها سجلاتٌ جديدة. خسارةٌ فادحةٌ ومؤلمة، لكن لا بأس؛ المهمُّ أنها عادت إليّ.
المذكرةُ التي كانت مهترئةً بدأت تشعُّ بنورٍ ذهبي، وتُرممُ أجزاءَها الممزقةَ بنفسِها. أخيرًا، تمَّ الحفظُ بنجاح!
صرخت كلارا بحنق. التفتُّ نحو مصدرِ الصوتِ فرأيتُ عينينِ صفراوينِ تشتعلان. ومن القرونِ التي نبتت خلفَها والظلالِ السوداء، أدركتُ أنَّ كلارا بارنوم لم تكن سوى خادمٍ لـ “الملك الأسود”.
يا للهول، “خادم”! كيف بتُّ أستخدمُ مصطلحاتِ “غرينتش” هذه؟ شعرتُ بموجةٍ من الازدراءِ تجاه نفسي.
لكنَّ كلارا -أو الملك الأسود- استمرت في صبِّ لعناتِها المرعبةِ عليّ:
“لا تظني أنَّ هذه هي النهاية، سآتي لآخذَ روحَكِ حتمًا! لا بدَّ أن تسلميني إياها!”
سخرَ العجوزُ منها بآتٍ من يده:
“ارحلي. رحمتي تنتهي هنا.”
جزّت الملكُ الأسودُ على أسنانِها ثم استدارت لتذوبَ في الظلام. رأيتُ جسدَ كلارا يتلاشى ببطء، ثم سُمعَ صوتُ تحطمٍ جاف؛ كأنَّ جذعَ شجرةٍ يابسًا قد سقطَ على الأرض. جسدُ كلارا الذي سلبَه ذلك الكيانُ كان أقربَ إلى هيكلٍ عظميّ.
كيف؟ عقلي لم يستوعب هذه الظواهر، فمسحَ العجوزُ على رأسي برفق. شعرتُ ببرودةٍ منعشةٍ تسرى فيّ، وبدأت حرارةُ جبيني تهدأ.
سكنَ اضطرابي تدريجيًا، فانحنى العجوزُ قليلًا لينظرَ في عيني. كانت عيناهُ بلونِ البحر؛ أزرقٌ صافٍ يشبهُ المحيطاتِ الواسعة. حين حدقتُ فيهما، رأيتُ أمواجًا تتكسرُ في الداخل.
“يا سيدي.. هناك بحرٌ داخلُ عينيك…”
ضحكَ العجوزُ بصوتٍ منخفضٍ حين سمعَ كلماتي، بينما حمحمَ الحصانُ (على الأرجح) ودفنَ وجهَه في كتفي.
“لقد مرَّ وقتٌ طويلٌ منذُ أن أظهرَ هذا المشاكسُ مودةً كهذه.”
“وكيف يكونُ عادةً؟”
“شرسٌ للغاية.. ويقتاتُ على اللحوم.”
ماذا؟ حصان؟ يأكلُ اللحم؟
لم أستطع تمالكُ تعابيرِ وجهي. هذا الحصانُ الضخمُ الذي يبدو وكأنه لا يأكلُ سوى الجزرِ والندى.. يأكلُ اللحم؟ بصراحة، كان انطباعي الأولُ عنه أنه مخيفٌ وضخم، لكنني ظننتُه أليفًا وطيبًا.
“…أنتَ تمازحني، أليس كذلك؟”
“للأسف، لا. إنه يحبُّ نهشَ اللحومِ التي أصطادُها كثيرًا. لديه ذوقٌ غذائيٌّ غريب.”
“لم أكن أرغبُ في معرفةِ ذلك.”
ابتسمَ العجوزُ وحملني لينهضَ بي. وقفتُ بوهنٍ وأنا أنظرُ بضيقٍ إلى جسدِ كلارا الملقى. أدركَ العجوزُ ما أفكرُ فيه فأوضح:
“ذلك الجسدُ فارقتهُ الحياةُ منذُ زمنٍ بعيد. لقد وهبتْ حياتَها مقابلَ الحصولِ على القوة.”
أخبرني العجوزُ أنَّ العقدَ بدأ قبل أن ألتقيَ بها حتى، وأنَّ رحيلَ صاحبِ العقدِ كان يعني موتَ كلارا في كلِّ الأحوال. خالجني شعورٌ غريب.
“رغم أنني اليومَ طردتُه بشكلٍ قسريٍّ نوعًا ما.”
“ذلك.. الشيء.. الذي كان يزحف…”
“أنتِ تعرفينَ الكثير. المعرفةُ ليست دائمًا بركةً يا ابنتي.”
يقولُ الكلامَ نفسَه الذي يقولُه ليام.
“لأنَّ المعرفةَ الكثيرةَ تقودُ للجنون؟”
“يبدو أنَّ ذلك الفتى قد أحسنَ تعليمَك. ظننتُه يبالغُ في حمايتكِ دون جدوى.”
ابتسمتُ ابتسامةً باهتة.
لا أدري إن كان عليَّ الترحيبُ بعودتي من حافةِ الجنونِ أم لا. هناك الكثيرُ مما أجهلُه، وهذا الجهلُ يشعرني ببعضِ الأمان؛ فكأنه يعني أنني لستُ مضطرةً للجنونِ بعد.
سارَ العجوزُ ببطءٍ واضعًا يديهِ خلفَ ظهرِه.
“يا لكِ من طفلةٍ ملعونة.”
“……أنا؟”
ليام هو الرجلُ الملعون، وأنا الطفلةُ الملعونة. يبدو أنَّ اللعنةَ تلاحقنا كثنائي. يقولون إنَّ الطيورَ على أشكالِها تقع، ويبدو أنَّ حظنا كان عاثرًا تمامًا.
ضحكتُ بيأس.
“لا تظني أبدًا أنَّ ما تملكينَه هو بركة.”
“أوه، لم أظنَّ ذلك قط.”
“أقولُ هذا لأنكِ لا تدركينَ ماهيةَ اللعنةِ بعد.”
قال ذلك وهو ينظرُ إلى المذكرةِ في يدي.
هذه؟ لعنة؟
“لا تعتمدي عليها كثيرًا، ولا تسيئي استخدامَها. من الأفضلِ أن تستغلي الآخرين.. مَن يمكنُهم أن يُجنّوا بدلًا منكِ.”
لماذا شعرتُ وكأنه يقصدُ ليام مور؟
أشحتُ بنظري وسرتُ بصمت. بدا وكأنه يثقُ في قدرتي على تدبرِ أمري. لم يزد العجوزُ في نصائحِه، بل اكتفى بمراقبتي وأنا ألملمُ أوراقي وأخفي المذكرة، حتى عدنا من الطريقِ الذي جئنا منه.
التعليقات لهذا الفصل " 108"