لمَ أشعر بالرضا؟
تساءل ليام مور في نفسه. لم يجد تفسيرًا لتيبس جسده عند ملامسة جبهتها كتفه أو عند سماع أنفاسها الخفيفة، رغم اعتقاده بأنه يعرف كل شيء.
كان الجو خانقًا. بل ربما شعر بشيء ينهار داخله. شعور يدغدغ الحواس. ربما بسبب خصلات شعرها.
“لقد كابستني الكوابيس”. لم يعرف لمَ أثارت همستها الخافتة ضحكته.
هذا الرجل الذي يدعي معرفة كل شيء شعر، في تلك اللحظة، وكأنه غدا أبلهًا. لو كان الآن أمام ذلك المجنون فلوريتيتاس، لربما تخلى عن عقله هذا بسهولة.
رفعت المرأة رأسها، فبدت ملامحها متجهمة، كطفلة سُلب منها حلواها. ضحك على كلامها فورًا، فظنت أنني أسخر منها. حدّقتني بنظرة حادة، فأسرعتُ بالاعتذار: “آسف، لم أقصد الضحك”. هل ينبغي أن أهدئها حتى تذوب تعابير غضبها؟ ربما إن ألطفتها وهدأتها، تزول كآبتها. هكذا فكرتُ.
بالطبع، هو رجل يخفي الكثير. فمن الطبيعي أن يحتفظ بكلمات لم ينطق بها، مثل: آسف، لكن تعابيرك الآن كانت حقًا لطيفة.
لم يحدث شيء حتى انتهاء العشاء.
ظل الضيوف يتهامسون لبعض الوقت حول قصة المتوفى، ثم سرعان ما استعاضوا عن ذلك بابتسامات ودودة. بدت كريستين بيسون تتعافى تدريجيًا من هول الصدمة بفضل عناية جيمس ستراندن الدؤوبة.
بالطبع، لا أحد يستطيع تقبل موت أحد أفراد عائلته المفاجئ بين ليلة وضحاها. رغم مظهرها الخارجي الذي يوحي بالتحسن، كنتُ أجرؤ على التخمين أن قلبها ما زال في فوضى. هذا ما استطاعت معرفتي النفسية استشفافه.
من قال إن بين النساء (وإن كنّ اثنتين فقط، أنا والسيدة النبيلة) رابطًا خاصًا؟ كان محقًا. بعد انتهاء العشاء، وخلال جلسة شاي خفيفة، حاولنا تهدئة حزن العروس الجديدة.
كانت كريستين بيسون هشة القلب، نحيلة تثير غريزة الحماية. تحدثت عن مدى طيبة أخيها حتى انتهت بالبكاء بحرقة، مشهد أليم كأنه مقطع من فيلم، ينتمي لعالم آخر.
ربتنا على يدها، وواسيناها بأنه رغم كونها حادثة، فإن أخاها كان بالتأكيد يتطلع لفرحة زفافها.
ليام مور ليس من هواة الخمر، فلا يفرط في شربها. لكن، يبدو أن هناك لحظات يشتاق فيها لحرارة الكحول. وكأنه يريد أن يطرد أثر الموت بالشراب، سحبه ستراندن قسرًا، بينما لوحتُ لهما بيدي معجبة بتلك الصداقة المؤثرة.
كان وجه ليام كئيبًا، يقاوم كحيوان يُساق إلى المسلخ، محاولًا الفرار من هذا الموقف بأي وسيلة. يعلم أن لا أحد هنا سينقذه…
“أكره الخمر!”
“هاها، تمامًا كما كنتَ في شبابك!”
“أقول إنني أكرهه، أتسمعني؟!”
“الجميع ينتظرك في الأسفل، ليام!”
“جين!” مد يده نحوي بيأس، لكنني أدرتُ رأسي بهدوء. بدا مصدومًا كمن لم يتوقع خيانتي، وكم كان محزنًا… لكن، العمل عمل والتسلية تسلية، يا ليام مور.
لم أكن أرغب في أن يتم سحبي في وقت فراغي إلى جلسة شراب، وأدرك ليام بذكائه الحاد أنني لا أنوي مساعدته.
“استمتع!” حركتُ شفتيّ بصمت، فاتسعت عيناه الرماديتان بدهشة. ثم استسلم أخيرًا لمصيره…
بعد أن جرّوه إلى حفلة العزوبية، انتهت جلسة الشاي النسائية. عدتُ إلى غرفة الضيوف. كنتُ أشعر بالضيق من طبقات الملابس الثقيلة، فجاء ذلك في وقته. ارتديتُ ثوب نوم مريحًا، وجلستُ قرب المدفأة أستمد الدفء. بدأتُ أشعر بالنعاس كقطة أحست بالشبع تمامًا.
كم مر من الوقت بعد العشاء؟ كنتُ أستعيد حلمًا في ذهني. لستُ متأكدة إن كان حلمًا حقًا، فقد كان واضحًا كما لو حدث للتو.
هل نمتُ فعلاً؟
لكن لو كان ذلك واقعًا، لما فات ليام أي شيء مريب. لا أعرف السبب، لكنني شعرتُ بذلك. كنتُ أؤمن أن ليام مور سيدرك أي حدث غريب لو وقع. ربما كان ذلك ثقتنا المتبادلة.
تلك المرأة الشبحية في الحلم تراجعت تاركة وعدًا بزيارتي ليلاً. ومع اقتراب الوقت الذي يُعتبر ليلاً عادة، بدأتُ أنظر إلى ساعة الجيب خاصتي كل عشر دقائق بقلق.
دون ضجيج كالذي حدث سابقًا، سمعتُ طرقتين خفيفتين. اقتربتُ من الباب، فتسلل هواء بارد من أسفله. كنتُ أظن تلك الزيارة السابقة حلمًا، ففتحتُ الباب وأنا أكتم ارتباكي.
لم يكن ذلك حلمًا بالتأكيد!
إن اعتبرتُ الحلم واقعًا، أو بالأحرى، إن كان واقعًا حقًا، فالوحيدة التي وعدتني بزيارة في هذا الوقت هي أميليا جوكينس. ليام، على الأرجح، مخمور مع أصدقائه بالأسفل. وكان تخميني صائبًا.
رأيتُ عينين بلون عميق يصعب وصفه. وجه المرأة كان خاليًا من التعبير، يحمل ثقة بأن عواصف العالم تتجنبها. أخبار القطارات البخارية، قتلة لندن، زواج الأمراء، أو السياسات، بدت كلها لا تعنيها.
أميليا جوكينس، سيدة قصر ستراندن، رفعت زاوية فمها بلا تكلف. كان ضحكها يشبه ضحكات الأطفال بشكل مدهش، ما جعل حذري يتلاشى جزئيًا.
نظرت إليّ من علو وقالت:
“مرحبًا، هل يمكنني الدخول؟”
تذكرتُ تحذير ليام مور: “لا تسمحي لأحد بالدخول”. لكن، سواء سمحتُ أم لا، كانت ستدخل على أي حال.
أتذكر بوضوح إحساس أصابعها الجافة وهي تلمس حاجزًا غامضًا. لا أعرف كيف، لكن كان هناك حاجز في هذه الغرفة بالتأكيد. قد يبدو جنونًا، لكنه حقيقي. ربما منطقة إحياء في النظام… أليس كذلك؟ في منطقة الإحياء، تتعافى القوى وتبقى في حالة لا تُقهر…
سلمتُ نفسي لتيار اللعبة. بدا الأمر كأنني بلغتُ مرحلة التجرد من التفكير. تخليتُ عن التساؤل عما يحدث، واكتفيتُ بردة فعل متسقة: “حسنًا، قد يحدث ذلك”. فوجدتُ سلامًا داخليًا… سلامًا داخليًا…
“تفضلي بالدخول. هل تريدين فنجان شاي؟”
سألتُ وأنا أمسك المقبض، متراجعة خطوة لأفسح لها المجال.
“لا بأس، لا يمكن لضيفة غير مدعوة أن تطمع في فنجان شاي.”
دخلت بخطوة واثقة، فأغلقتُ الباب وأعدتُ قفله. في غضون ذلك، استولت أميليا على كرسي كأنها في بيتها (وهو كذلك فعلاً). عندما جلستُ مقابلها، بدأ حوارنا.
“إذن، ما الذي جاء بكِ إليّ؟”
نظرت أميليا إلى أصابعها للحظة، ثم أرسلت كلماتها ببطء:
“أريد منع هذا الزواج.”
“بسبب… أنةهذا زواج ثانٍ؟”
سألتُ بحذر، فضحكت أميليا.
“لنقل إن زوجي لم يكن بالرجل الصالح.”
“…الأفيون؟”
“لا.”
“إذن، تهريب؟ أو ربما متعصب ديني؟ قتل؟ مجرم دولي هارب؟… تاجر عبيد؟!”
‘آسفة، سيدتي. القضايا التي مررتُ بها ليست هينة.’
كلما أضافتُ تهمة، كتمت أميليا ضحكتها بصعوبة أكبر، حتى أخذتُ أهز كتفيّ واتكأتُ عميقًا في الكرسي.
“القتل، إذن. يبدو أنه قتل شخصًا؟”
بدت أميليا متعجبة من كيفية تخميني.
ليس بالأمر العسير. مجرد ملاحظة ردود فعل من يعرف شيئًا. عندما أقول شيئًا غبيًا أو سخيفًا، أراقب تعابيرهم.
أكان ذلك باستخدام الرؤية؟ تذكرتُ شرح ليام مور عن تقنية نفسية. تلك الضحكات العفوية التي تظهر حين يظن المرء أن لا أحد يراه. إنها في منطقة اللاوعي، ومعظم الناس لا يسيطرون عليها، ما يجعل استكشافها أسهل.
في الحقيقة، لا أجيد هذا. لستُ بارعة في شرح الأمور بما يقنع الآخرين. لذا صمتُ. تخلت أميليا عن السؤال عن تعابيري الواثقة، وبدأت تروي قصتها.
— ترجمة إسراء
التعليقات على الفصل " 23"