ابتسم ليام مور ابتسامة رقيقة، فتثنى قليلاً خط عينيه الذي يبدو تارةً مستديرًا وتارةً حادًا حسب زاوية النظر.
“لقد ركبتِ القطار منذ الصباح، أليس كذلك؟ لا بد أنكِ شعرتِ بالإرهاق. لقد توقعت ذلك.”
“كان عليك إيقاظي.”
“وكيف لي أن أمد يدي إلى جسد آنسة نائمة؟ ليس ذلك مما يليق بإنسان نبيل.”
ضحك ليام ضحكة خافتة وهو يقلد نبرة ستراندن المتزمتة. فركتُ خدي، ودلكتُ رقبتي المتصلبة وغمغمتُ بصوت منخفض: “أكان الأمر كذلك…؟”
يبدو أن التعب قد بلغ مني مبلغًا عظيمًا، وإلا فكيف لي أن أرى حلمًا مضطربًا كهذا؟ أنا التي طالما حافظتُ على انتظام مواعيد نومي، فوجدتُ نفسي مرتبكة بعض الشيء لهذا الحدث الغريب. هل كان المواجهة المباشرة للموت أمام عيني صدمةً كافية؟ لا، لا أظن ذلك تمامًا…
“ما الخطب؟ هل حدث شيء؟”
أشار ليام بيده، فاقتربتُ منه وانحنيتُ قليلاً، فامتدت يده الكبيرة لتدلك رقبتي. شعرتُ بعضلاتي المتشنجة تتحرر تحت أنامله.
“عنق الآنسة كالحجر!” قالها مازحًا بنبرة خفيفة، فبدت ذكرى الحلم وكأنها تنزلق للحظة إلى ما وراء الذاكرة.
هدأ توتري المتقلب، ولم يطل ذلك الصمت الذي ملأ الغرفة. أطرقتُ رأسي حتى لامس جبيني كتفه. ارتجف كتف الرجل، فتبدد السكون. تضخم صدره وكأنه على وشك الانفجار.
هل يعقل أن أتأثر هكذا بموت مجرد بيانات من الأصفار والواحدات؟ أنا التي سئمتُ ذلك الحلم الغريب؟ ومع ذلك، لمَ أستند إلى هذا الرجل الذي هو جزء من اللعبة ذاتها؟
ربما لأنها ذكرى ستتلاشى إن أعدتُ التشغيل، ولأنه سينساها؟ أو لعلي أعتقد أنه سيظل هادئًا حتى إزاء هذا الأمر؟
رفعتُ رأسي، أردتُ أن أرى وجهه. أردتُ أن أعرف أي تعبير سيرتسم عليه وهو ينظر إليّ. ثم فاجأني ما لم أتوقعه، فذهلتُ للحظة.
كان الرجل جالسًا بوجه لم أره من قبل، يده مرفوعة بتردد وكأنها تجمدت في الهواء.
“لقد كابستني الكوابيس.”
قلتُها بنبرة متعمدة متجهمة، فضحك ليام على الفور. بدا الأمر وكأنني دللتُ تلك الكوابيس كطفلة مدللة. لكنني… لم أصحح ذلك عمدًا. فقد انسلخ ذلك الوجه البارد عنه، وتكشفت ابتسامة شقية كالصبي.
ليام مور رجل لا يتزعزع بسهولة. كان يحتفظ ببرودته سواء أمام العواطف أو الأحداث، حتى في اللحظات التي تهدد فيها الحياة، دون أن يبدي ردة فعل تُذكر.
لذا كان معارفه يصفونه ساخرين بـ”المتجمد الدم”، أو “لو نُزف منه قطرة دم لكانت معجزة”، أو “صاحب الدمِ الأزرق”، منتقدين طباعه الباردة.
أما أعضاء نادي الجمعية الاجتماعية (الذي كان يُعرف أيضًا بـ”غرينيتش”، وسأشير إليه كذلك لاحقًا) فكانوا أقرب إليه، حتى إنهم كانوا يوجهون له النصائح بصراحة.
لكن إن أردنا اختيار من يطلق أقسى الكلمات عليه، فسيختار ليام مور مساعدته بلا تردد.
جين أزوموند.
يتذكر اليوم الذي اقتحمت فيه مساعدته الحالية مكتبه ممسكة بإعلان منشور في الصحيفة. كانت تقف بظهر مستقيم وذقن مرفوع قليلاً، تجسد الثقة بكل معنى الكلمة.
ظن أنها لن تتحمل طويلاً وستغادر. فكيف لإنسان عادي أن يقاوم رؤية جثث لا حصر لها؟ كانت قضاياه مظلمة، مليئة بالشرور العميقة، بل وخطيرة بما يكفي لتهدده هو نفسه. كان من الطبيعي أن ينفر المساعدون ويرحلوا بعد فترة وجيزة.
كم مرة تكرر هذا؟ حاول استرجاع ذكرياته. توقع أن هذه الفتاة الواثقة ستستسلم كسابقيها.
لكن جين أزوموند لم تفعل. طوال بقائها، أظهرت حماسًا في حل القضايا، وبصيرة عميقة لا يمتلكها العاديون. كانت تربط الأدلة لتصيغ استنتاجاتها الخاصة، حتى شعر ليام مور أنه اكتشف لؤلؤة داخل صدفة. بعض كلماتها كانت تصيب لب القضية، فوجد نفسه يعتمد على بصيرتها أحيانًا.
منذ لحظة ما، بدأ الاثنان يتطلعان إلى أعماق لندن. احترم ليام بصيرة جين، ذات الموهبة الفطرية. قلة من يستطيعون تمييز الجريمة وفتح أفواه الضحايا التي أغلقها الموت. سيكونون نادرين في هذا العصر وفي غيره.
لذلك كان يخشى جين.
قالت إن عينيه حادتان، لكن بالنسبة إليه، كانت جين أكثر حدة.
طال الزمن بينهما. كان مقتنعًا أنها لمحت تناقضاته، لكن جين أوزموند لم تفتح فمها رغم أي شك قد شعرت به. بدت وكأنها تنتظر أن يبوح ليام بنفسه.
لذلك، لم يسألها ليام المزيد. كانت هذه عادة جين في ذاكرته.
لكن جين أوزموند الأخيرة بدت غريبة.
اشتدت بصيرتها، لكنها اتخذت مسافة غامضة. بدا أنها تتجنب النظر إليه. هل لاحظت شيئًا؟ راوده هذا القلق.
تذكر تحذير لوسيتا:
— إخفاء الأمر طويلاً لن يفيدك بشيء.
لكن كيف يقولها؟
يعلم أن الذكاء يتجاوز العقل.
“انتبه، ليام مور.” تمتم ذلك وأغمض عينيه.
كان يعلم في قرارة نفسه أن الكذب في العلاقات سم قاتل. ومع ذلك، خدع جين أزوموند بلسان وأكاذيب محبوكة، دون أن يشاركها ما يعرف.
لماذا؟ ربما يسأله غرينيتش أو هوبكنز: لماذا؟ أليس من الأفضل أن تكون صادقًا مع تلك المرأة التي تحميها بكل هذا الجهد؟
جزء منه يوافق. الصدق قد يكون خيارًا أفضل أحيانًا. لكن ليام مور لم يجد بعد جوابًا لتساؤلاته الطويلة.
لماذا لا يتكلم؟ لأن ما يخشاه دائمًا هو “المعرفة”. لأنه يعرف جيدًا ما تجلبه المعرفة.
المعرفة تدعو الجنون. انظر إلى فلوريتيتاس، إلى عينيه الزرقاوين المفعمتين بالنشوة. المعرفة سم للعقل، وأحيانًا تدمر التصورات الراسخة لحظة فهمها. انهيار التصورات والمفاهيم يهز أسس الإنسان. العاديون يجب أن يظلوا كذلك، وكان يأمل ألا تتجاوز جين أوسموند تلك الحدود.
لماذا؟ لماذا تخفيها وتعتني بها؟ إن عرفت، ماذا سيتغير؟
يعلم أن جين أوزموند تتوق إلى المعرفة، بل تكاد تقترب من الغرور في رغبتها بمعرفة المزيد.
لكنه، ليام مور، قد دفعها بالفعل إلى مخاطر لا تحصى. مجرد ارتباطها به يكفي لتكون هدفًا، فكيف يزيدها علمًا؟ ذلك كمن يدفعها إلى الموت.
تهديده يختلف عن تهديدها. إن فهمت، ستموت. أو ربما ستصبح تتمنى الموت. حدود حماية غرينيتش وميريديان محدودة، والذين يعرفون كثيرًا كانوا دائمًا فريسة.
في ذلك اليوم، شعر ليام مور بشيء يتمزق داخله.
“خطر.” حذره عقله. “ستندم يومًا ما.”
ركض بعنف دون وعي. قلبه يخفق بقوة، مزيج من القلق والخوف. بعد لحظة موت شخص ما، قد تصبح جين هدفًا أيضًا. هذا الفكر أرعبه، رغم أنه نادرًا ما يشعر بالخوف.
لم يفهم لماذا هو حساس جدًا لفكرة أن جين أوزموند قد تقع في الخطر. لم يفهم لماذا ابتسم براحة وهو يراها نائمة على المكتب بوجه مضطرب.
كان تنفسها منتظمًا، وارتجفت رموشها الطويلة للحظة ثم هدأت. وجه بريء.
لم يقاوم أصابعه التي لامست جبينها النائم ببطء. وفكر : “هذا فقط للاطمئنان عليها بالتأكيد.”.
لكن عندما استيقظت وتقدمت نحوه بخطوات، سحرته عيناها الخضراوان المملوءتان بضوء الغروب.
كأنها غابة تغيب فيها الشمس، أو ربما سهل. وجهها المعبس قليلاً وشعرها البني المنفوش كانا واضحين بشكل مدهش.
‘هل كان شعر جين مليئًا بالخصل الصغيرة هكذا؟’
عندما لامس الضوء شعرها البني الفاتح، لمع بلون ذهبي. حتى الغبار الصغير حولها تألق. بدا الوقت كأنه يجري ببطء.
كمن يسبح في شراب السكر…..
— ترجمة إسراء
التعليقات على الفصل " 22"