تمتمتُ بذلكَ وأنا أسحبُ كرسيًّا لم تطأه قَدَمُ ليام وأجلسُ عليهِ. يبدو أنَّه قد أعدَّ العشاءَ بالفعلِ؛ إذ وُضِعَ أمام مقعدي طبقٌ وشوكةٌ وسكينٌ. لا شكَّ أنَّ ليام قد تفرَّدَ بإعدادِ كلِّ هذا؛ فيبدو أنَّ مهارةَ يديهِ الفائقةَ كانت تلازمهُ حتى في عقدِ العشرينَ من عُمره.
سألَ ليام وهو يُعيدُ نظرهُ إلى الصحيفةِ بفتورٍ:
“الصحيفة؟”
“أيُّ واحدةٍ فحسب.”
قُلتُ ذلكَ وأنا أتحققُ من تاريخِ الجريدةِ؛ إنه مايو من عامِ 1863م. لقد عُدتُ بالزمنِ ثماني سنواتٍ من عامِ 1871م، وهذا يعني أنَّ عُمرَ ليام الآنَ هو…..
‘اثنانِ وعشرونَ عامًا.’
يا لَلإله! إنهُ مجرَّدُ صبيٍّ حقًا.
شعرتُ بضيقٍ طفيفٍ وأنا أغرسُ الشوكةَ في حبةِ بازلاءٍ. حين كنتُ أتأملُ صورَ شبابهِ الغضِّ كان الأمرُ ممتعًا، أما الآن وهو يجلسُ أمامي يشرعُ في طعامهِ، فقد انتابني شعورٌ غريبٌ؛ كأنَّ حقيقةَ وجودي في الماضي قد صدمتني فجأةً.
أنهى ليام طعامَهُ بصمتٍ وانهمكَ في حلِّ كلماتٍ متقاطعةٍ في الصحيفةِ. يبدو أنهُ استشعرَ نظراتي، فرفعَ أحدَ حاجبيهِ متسائلًا:
“ماذا؟”
سألتُه بنبرةٍ خافتةٍ:
“ألن تأكلَ البروكلي؟”
“……”
“الانتقاءُ في الطعامِ عادةٌ سيئةٌ.”
رشقني ليام بنظرةٍ حادةٍ، ثم خفضَ رأسهُ ليركزَ مجددًا في لغزهِ. لم يجدِ الأمرُ نفعًا، فنهضتُ وبدأتُ في جمعِ الأطباقِ.
كان المشهدُ يختلفُ تمامًا عما أعهدهُ في «13 شارع بايلاندز». تذكرتُ كيف كان ليام لا يكفُّ عن الثرثرةِ بعد الوجباتِ، وبدا لي الآنَ رزينًا على نحوٍ مفاجئٍ.
كلا، لحظةً…..
‘هل يفعلُ ذلكَ معي أنا فقط؟’
كان هذا خاطراً منطقيًا؛ فليام مور رجلٌ يتسمُ بالحدةِ مع الجميعِ. وكما يصفهُ شقيقُه: “يرى النساءَ كالأحجارِ”، ولكن في الحقيقةِ، هو يرى البشرَ قاطبةً مجردَ أحجارٍ. فهمتُ الآنَ، أكثرَ من أي وقتٍ مضى، لِمَ لُقِّبَ بـ «النذل».
سارعتُ بوضعِ الأطباقِ في حوضِ الغسيلِ وغادرتُ المطبخَ على عجلٍ، وشعرتُ بنظراتِ ليام تخترقُ ظهري كأنها نِصالٌ.
***
حين فتحتُ عينيَّ، أدركتُ أنني لا أزالُ في عامِ 1863م. لم يستولِ عليَّ اليأسُ؛ فقلتُ لنفسي إنَّ مداهنةَ ليام هذا قد تقودني إلى ليام الحقيقي، وكأنَّ هذا مجردُ اختبارٍ أو عتبةٍ عليَّ اجتيازها.
لكنَّ عقلَ ديلان كان يهمسُ لي بأمرٍ آخر؛ لم يكن الوقتُ مناسبًا للاسترخاء، بل كان عليَّ الاستعدادُ فورًا.
تحرك جسدُ ديلان بتلقائيةٍ ليرتدي ملابسهُ ويجمعَ أغراضهُ قاصدًا المكتبةَ. وفي تلك الأثناءِ، طرأت حقيقةٌ جديدةٌ على ذهني:
‘تُقامُ امتحاناتُ نهايةِ الفصلِ الدراسي في كيمبريدج في شهرِ مايو.’
ونحن الآنَ في مايو، وعقلُ ديلان يُملي عليَّ مجددًا:
‘يجبُ أن أجتازَ الامتحانَ.’
يا للمصيبةِ! قد يتذكرُ عقلُ ديلان ما درسهُ، لكنني لستُ كذلك. وحتى لو كنتُ أعرفُ المعلومةَ، فالمشكلةُ تكمنُ في صياغتها. كيف لي أن أكتبَ عن القانونِ البريطاني وسوابقهِ القضائيةِ المعقدةِ وأنا لم أدرسهُ قط؟!
كلُّ ما أعرفهُ عن القانونِ هو ما أحتجُّ بهِ ضدَّ حماقاتِ ليام في ‘سكوتلاند يارد’، كقانونِ عرقلةِ سيرِ العدالةِ مثلًا.
ألحَّ ديلان في فكري:
‘فترةُ الامتحاناتِ.’
أردتُ أن أصرخَ في وجهِ وعيِ ديلان:
‘يا صاح، لا يمكنُ أن يحدثَ هذا! لا تتركني أفسدُ درجاتك الجامعية، استفقْ فورًا، سأعطيكَ زمامَ الأمورِ، افعل أيَّ شيءٍ!’
‘بالتوفيقِ لك.’
ماذا قُلت؟!
لم أكن أظنُّ يومًا أنني قد أحقدُ على شابٍ عرفتُه بالأمسِ فقط، لكنَّ ديلان بيرميلتون جعلَ ذلك ممكنًا.
كان ديلان يريدُ مني أن أسردَ موادَّ تخصصي بطلاقةٍ، وهذا ضَرْبٌ من المستحيلِ. كيف لي أن أحصلَ على علاماتٍ جيدةٍ في اختبارٍ يئنُّ منهُ الطلابُ الذين واظبوا على الدراسةِ لعامٍ كاملٍ؟
ومع ذلك، لم أكن أملكُ خيارًا؛ كان عليَّ التحركُ وَفقَ مشيئةِ صاحبِ الجسدِ.
في النهايةِ، توصلتُ إلى اتفاقٍ مع جسدِ ديلان على استعارةِ الكتبِ اللازمةِ من المكتبةِ. وكلما هممتُ بالتقاطِ كتابٍ غريبٍ، كانت “أنا” ديلان الضعيفةُ تصححُ مسارَ يدي.
بينما كنتُ أرصُّ الكتبَ كما يريدُ، سُمِعَ فجأةً صوتُ شهقةٍ عاليةٍ! في مكتبةٍ يلفُّها السكونُ، كان لهذا الصوتِ صدىً مذهلٌ. التفتُّ بذعرٍ لأرى مصدرهُ، فإذا بطالبٍ يحدقُ فيَّ وعيناهُ متسعتانِ من الصدمةِ.
وحتى حين انتهيتُ من ملءِ استمارةِ الاستعارةِ، لم تفارقني تلك النظراتُ المذهولةُ.
“يا للهول.”
ديلان الآنَ يمشي بظهرٍ مفرودٍ، وقد أزاحَ عن عينيهِ تلك الغرةَ المزعجةَ. ورغم أنهُ لا يملكُ وسامةَ ليام الاستثنائيةَ، إلا أنهُ أصبحَ يبدو نظيفًا وأنيقًا، ولو ابتسمَ قليلًا لاستطاعَ كسبَ ودِّ الناسِ بسهولةٍ.
كان المشهدُ أمام المكتبةِ فاتنًا تحت أشعةِ شمسِ الربيعِ الدافئةِ، لولا أولئك الطلابُ الذين يجرُّون أذيالَ الخيبةِ نحو الدراسةِ. أغمضتُ عينيَّ ورفعتُ رأسي أمتصُّ ضياءَ الشمسِ، وكان عقلي يضجُّ بالأفكارِ.
“بيرميلتون.”
فتحتُ جفنيَّ.
كان ليام مور يقفُ تحتَ درجاتِ السلمِ بثلاثِ درجاتٍ. وضع يديهِ في جيبيهِ، وكان ينظرُ إلى ديلان بنظرةٍ مائلةٍ متفحصةٍ.
أجبتُه:
“ما الأمرُ؟”
“من الأفضلِ أن ننتقلَ إلى مكانٍ آخرَ.”
نطقَ ليام بتلك الكلماتِ ثم مضى بخطىً واسعةٍ، وكأنَّه يوقنُ تمامًا بأنني سأتبعهُ. وبالفعلِ، لحقتُ بهِ… كانت ساقا ليام طويلتينِ وخطواته سريعةً، فاضطررتُ للركضِ وأنا أحتضنُ حقيبتي التي تكادُ تنفجرُ.
“مهلًا، مور، تَمَهَّلْ قليلًا!”
لم يُعرني انتباهًا. سأخبرُ ليام ابنَ الثلاثينَ عامًا بكلِّ شيءٍ حين أعودُ؛ سأخبره كيف كان يعيشُ أنانيًا وفظًا. سترى، لن أشفقَ عليكَ حتى لو توسلتَ إليَّ لاحقًا.
طوالَ طريقي خلفهُ، كدتُ أُحصي عشرةَ طلابٍ على الأقلِ جمدوا في مكانهم دهشةً من شكلي. أما ليام، فلم يبدُ عليهِ أيُّ تأثرٍ أو استغرابٍ، وكأنَّه لا يجيدُ شيئًا سوى المضيِّ قُدُمًا دونَ أن يلتفتَ إليَّ ولو بنظرةٍ واحدةٍ.
“يا مور!”
صرختُ أخيرًا بعد أن استنفدتُ طاقتي. حينها فقط، رشقني ليام بنظرةٍ خاطفةٍ، وتوقفَ أمام شجرةٍ ضخمةٍ، حيثُ لاحَ من بعيدٍ مبنىً زجاجيٌّ يشبهُ الدفيئةَ.
لا مقدماتِ ولا تجميلَ للكلامِ؛ لقد سألَ عما يجولُ في خاطرهِ مباشرةً، وهو أمرٌ جعلني أشعرُ بالقشعريرةِ.
“مَن أكونُ؟ أنا ديلان بيرميلتون بالطبعِ. هل أنتَ متعبٌ؟ لِمَ تهذي هكذا؟”
“كلا.”
قاطعني ليام ببرودٍ وعقدَ ذراعيهِ. كانت أشعةُ الشمسِ تتسللُ من بينِ الأوراقِ لتلمعَ فوق جبينهِ المنقبضِ.
“ديلان بيرميلتون ليس من النوعِ الذي يردُّ الكلامَ بمثلِ هذهِ الفصاحةِ.”
آه…. يا ديلان، أين أخطأتَ في حقِّ نفسك؟
حاولتُ التبريرَ:
“لم أكن أفعلُ ذلك، لكنني أستطيعُ.”
“بل لا تستطيعُ.”
“لا أدري أين تعلمتَ ممارسةَ تقييمِ الناسِ بهذا الشكلِ الفظِّ.”
رفع ليام حاجبيهِ.
يا للهول، يبدو أنني استفززتهُ أكثرَ من اللازمِ.
“انظرْ إليَّ. أنتَ لستَ ديلان بيرميلتون.”
خطا ليام نحوي بخطواتٍ واسعةٍ، وأشار بيدهِ إلى طرفِ ثيابي:
“هو أعسرُ، ويستخدمُ يدهُ اليسرى غالبًا. لكنك استخدمتَ يدكَ اليمنى، وبدوتَ أخرقَ جدًا باليسرى. حتى اتجاهُ قصِّ غُرَّتكَ اختلفَ تمامًا. نبرتُكَ، لهجتُكَ، نظرةُ عينيكَ، وحتى وقفتُكَ…. كلُّ شيءٍ مختلفٌ. الأمرُ واضحٌ وضوحَ الشمسِ، لذا ادعاؤكَ لا مصداقيةَ لهُ.”
حاصرني ليام الآنَ عند الشجرةِ، وأخذ ينظرُ إليَّ بعينيهِ الرماديتينِ الباردتينِ.
“لن أسألَ مرتينِ. مَن أنتَ؟”
زفرتُ بحسرةٍ. كنتُ أعلمُ أنَّ هذا سيحدثُ، ولو كنتُ أعرفُ لتجنبتُ لقاءَ ليام موور قدرَ الإمكانِ.
ولكن، هل كنتُ سأنجو من شكوكهِ حقًا؟ لا أظنُّ ذلك؛ فهو رجلٌ إذا بدأ بالشكِّ، فلن يتركَ فريستهُ حتى تنجلي الحقيقةُ.
هززتُ كتفيَّ ونظرتُ في عينيهِ مباشرةً:
“يبدو أنَّ «هيرشل» قد علمكَ كيف تهددُ أصدقاءك.”
“هذا ليس تهديدًا، بل هو السؤالُ المناسبُ. وأنا أملكُ من البصيرةِ ما يكفي لطرحهِ.”
“حسنًا، أنتَ عظيمٌ وبصيرٌ، فهنيئًا لك.”
لا أدري لِمَ أقفُ هنا في عامِ 1863م لأدخلَ في حربِ أعصابٍ مع ليام ذي الاثنينِ والعشرينَ عامًا، لكنني صدقًا وجدتُ الموقفَ مضحكًا للغايةِ.
انفجرتُ بالضحكِ فجأةً، فنظرَ إليَّ ليام كأنني مجنونة، وزادني ذلك ضحكًا حتى لم أعد أتمالكُ نفسي.
وبعد برهةٍ، كففتُ عن الضحكِ وقلتُ وأنا ألهثُ ممسكة ببطني:
“آسف يا ليام، لكننا التقينا من قبلُ. أنتَ تعرفني حقًا.”
ربما.
لم تلن ملامحُ ليام أمامَ تفسيري، بل ارتسمتْ قطبةٌ واضحةٌ بين حاجبيهِ وكأنها رُسِمتْ بريشةٍ.
“كلا، لو حدثَ ذلك لكنتُ تذكرتُ هذهِ المفرداتِ المذهلةَ.”
“أو ربما ذاكرتُكَ هي الضعيفةُ؟”
ظلَّ يحدقُ فيَّ لبرهةٍ بعينينِ ضيقتينِ، وبدا على وجههِ تساؤلٌ عمن يكونُ هذا المجنونُ الذي ظهرَ فجأةً.
أطبقتُ شفتيَّ ثم فتحتهما ببطءٍ.
نظرتُ في عينيهِ مباشرةً وهمستُ:
“لقد ضللتُ الطريقَ مجددًا. كنتُ أحاولُ البحثَ عن شخصٍ ما.”
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 118"