اندفعتُ في ثورة غضبٍ عارمة، بينما ظلّ ليام يرمقني بعينين تلمعان ببسمةٍ هادئة. كان يتردد في مناداتي بجين وكأن في ذلك إهانةً لي، ويا لرقّة هذا التردد! ولكن، بما أنّه لم يعد لي اسمٌ يُعرفُ به، فقد انتهى بي المطافُ لأكون جين في نهاية الأمر.
“فلينادِني الجميع جين إذًا. فلا توجدُ جين أخرى أنقذت حياتك سواي.”
“بكل تأكيد، أنتِ وحدكِ ولا أحد غيرك.”
“إذًا، أنا جين.”
“… جين الخاصة بليام مور؟”
كان الوقعُ مُربكًا يبعثُ على الخجل، لكنّه كان حقًّا لا مفرَّ منه.
شعرتُ برغبةٍ في الاعتذار لأولئك الذين عرفوني بهذا الاسم. عذرًا يا جوناثان، لقد استمتعتُ بكوني أختك الكبرى لفترةٍ وجيزة، وشكرًا لأنك علّمتني -أنا التي نشأتُ وحيدة- شعور أن يكون للمرء أخ.. أما الآن، فستعيشُ أختُك كجين الخاصة بليام مور.
تخيلتُ جوناثان وهو يثورُ جنونًا ويشهرُ سلاحهُ ليقتل ليام.
سألتُه فجأة: “… ألا يبدو اسم جين مور غريبًا بعض الشيء؟”
“لماذا؟ بل أراهُ يلائمكِ تمامًا.”
عجزتُ عن الرد، وبقيتُ أحركُ شفتيّ بكلماتٍ لم تخرج، بينما غرق ليام في ضحكةٍ خافتة جعلت عينيه تضيقان، وكأنه أدرك عجزي عن الجواب.
أخيرًا، أفلتُّ وجنتيه من بين يديّ، ودفعتهُ برفقٍ ليعود إلى وسادته.
أو لنقل.. كان عليَّ توضيح الأمر؛ فبينما كنتُ ألمسُ وجهه، شعرتُ ببرودةِ جسده التي خلّفها العرقُ البارد. أدركتُ حينها أنني نسيتُ كونه مريضًا وأثقلتُ عليه بالحديث. يا له من خطأٍ ساذج!
استلقى ليام يرقبني بنظراته الهادئة.
“جين.”
“لقد نسيتُ تمامًا.. لسنا في حالةٍ تسمحُ لنا بتبادل الأحاديث الطويلة، نحن مريضان.”
“……”
ارتسمت على وجهه تعابيرُ تتساءلُ إن كان هذا الأمر قد صار مهمًّا الآن، لكني ضغطتُ عليه برفقٍ ودثّرتُه باللحاف حتى ذقنه.
لم يكن هربًا.. أقسمُ أنني لا أهرب من نظرات ليام مور التي يقطرُ منها العسل، ولا لأن ابتسامته الرقيقة تربكني، ولا خوفًا من أن تشتعل شرارةُ العاطفة بيننا فتنتهي بقبلةٍ عميقة.. أبدًا، ليس لهذا السبب.
“حسنًا، عليكِ أن ترتاحي أنتِ أيضًا.”
قالها ليام بوجهٍ يوحي بأنه سيصدقُ عذري، ثم أمسك بطرف كُمّي وأنا أهمُّ بالنهوض. وعندما توقفتُ، قام بإحكام إغلاق رداءي الخارجي عليَّ بعناية، وبدت عليه علامات الرضا.
‘ماذا هناك؟’
لكن كلماته التالية جعلتني أفرُّ من الغرفة دون أن ألتفت وراءِي من شدة الإحراج:
“ثيابُكِ… كانت شفافةً للغاية.”
أجل! لقد كان هربًا صريحًا. كنتُ ألهثُ وأنا أحكمُ إغلاق معطفي حولي. ليام مور مريضٌ حقًا، لكنه أيضًا أكثرُ إنسانٍ مثيرٍ للاستفزاز في الوجود!
***
منذ ذلك اليوم، بدأت حالتي تتحسنُ بسرعة، لكنَّ ليام لم يكن كذلك.
داهمته نوباتٌ تشنجيةٌ متفرقة، وكان أهل غرينتش يتحفزون بقلقٍ شديد كلما أصابته نوبة، وكأنهم يتعاملون مع شيءٍ بالغ الخطورة.
كنتُ أشعرُ بالطاقة السحرية وهي ترجُّ أركان المبنى، تمامًا كمن يسكنُ ناطحة سحابٍ تضربُها عاصفةٌ هوجاء. وصوتُ خطوات الناس الراكضة في الممرات لا ينقطع.
كان أوين في غرفتي للاطمئنان على صحتي حين اهتزّ البناء، فما كان منه إلا أن تنهّد بضيق.
“إلى متى سيستمر هذا؟”
“لا أحد يعلم، ولا يمكننا الجزم بشيء. فلا يوجد في غرينتش من يجرؤ على القيام بمثل هذا الفعل المجنون. فالحياةُ قصيرةٌ بما يكفي، فما الداعي لتقصيرها أكثر؟”
بدا لي كلامه عن قصر أعمارهم أمرًا طبيعيًا للغاية في نظره.
لمح أوين نظراتي المتشككة، فابتسم وأراني سجلّه الطبي. كانت الملاحظات تشيرُ إلى أنني بصحةٍ جيدة، ولا توجد آثارٌ جانبية، ورغم وجود ندبةٍ طويلة على ذراعي، إلا أنها لم تظهر أي علامة للالتهاب.
مرّت طاقةٌ سحرية تشبه أغصان النباتات فوق ذراعي لمرة واحدة.
“هذه مسألةٌ تتعلق بالروح، لذا علينا الانتظار حتى تترمم من تلقاء نفسها.”
“ألا يشعرُ بالألم؟”
“سأكونُ كاذبًا لو قلتُ لا. لكن ليام سيصمد، فهو ليس بالضعف الذي يجعله ينهارُ أمام أمرٍ كهذا.”
في تلك اللحظة، فُتح باب غرفة العلاج بعنفٍ أذهلني.
كان الداخلُ وجهًا أعرفه جيدًا؛ رجلٌ في منتصف العمر، استعاد رباطة جأشه المعهودة رغم ما يبدو عليه من إعياء، وقف عند الباب يلهثُ مستجمعًا أنفاسه.
“أيها البروفيسور!”
هتفتُ بترحيبٍ حار، لكن هيرشل دخل الغرفة بخطواتٍ واسعة وقال:
“آنسة جين، أعتقدُ أنه يجب عليكِ الذهابُ إلى ليام فورًا.”
كان وجهه شاحبًا لدرجةٍ مريبة، فقفزتُ من سريري على الفور وارتديتُ رداءً منزليًا، وتبعني أوين وهو يحملُ سجلّاته تحت ذراعه.
“نوباتُه لا تهدأ أبدًا، بل تزدادُ سوءًا. هذه أول مرة يحدث فيها هذا.. ربما بوجودكِ أنتِ قد يسكنُ روعه.”
كان الممرُّ يغصُّ بالفوضى. أناسٌ يخرجون باستمرار محملين بنباتاتٍ ميتة. في السابق كانوا يدخلون بنباتاتٍ نضرة، أما الآن فلا يجرؤ أحدٌ على الدخول. كان معظمهم يفرّون من الغرفة كصراصير ذعرت من الضوء.
الهواءُ عند الباب كان يشبه وخز الإبر. رأيتُ الناس يقفون بالخارج حائرين، لا يملكون من أمرهم شيئًا. تنهّد هيرشل وهو يمسح وجهه بكفيه من التعب، بينما اقترب أحد الباحثين بقلقٍ قائلًا:
“حتى قبل قليل كان بإمكاننا الدخول.. أما الآن، فالمكان يرفضُ أي كائن. لا أحد يستطيع الولوج.”
“آنسة جين.”
اتجهت إليَّ عينا هيرشل المليئة بالرجاء. لم يقل شيئًا سوى ندائي باسمي، لكني أدركتُ ما يطلبه. يريد مني الدخول لإيقاف نوبة ليام مور. وهذا أمرٌ أستطيعُ القيام به، ولمَ لا؟
حاول أوين الاعتراض خوفًا على صحتي، لكني قاطعته.
“يا آنسة! الدخول إلى هناك كالسير في قلب الإعصار! هل جننت يا هيرشل؟ كيف تطلب هذا من إنسانةٍ عادية؟”
ولكن، كيف لي أن أرفض وتلك العيونُ تنظرُ إليَّ بمثل هذا التوسل؟
هيرشل الذي يعزُّ ليام كابنه، لم يكن ليترك الأمر يصلُ إلى هذا الحد لولا أنه استنفد كل وسيلةٍ ممكنة، حتى لم يعد أمامه سوى اللجوء إليَّ برغم حيائه.
“سأذهب. أظنني قادرةٌ على ذلك.”
‘حقًا؟’ سألتني عينا أوين الذهبيتان بذهول.
لا أدري، ولا يمكنني الجزم. لكن ثقةً غريبة تملكتني. فبما أن أولئك الناس خرجوا دون إصابات، فهذا يعني أن ليام مور لم يقصد إيذاء أحد. أتذكرُ جيدًا كيف كانت طاقتهُ السحرية تنقلبُ أمامي كقنفذٍ وادع.
“سأخبركم حين يهدأ. ابقوا في الخارج حتى ذلك الحين.”
وضعتُ يدي على مقبض الباب. كان ساخنًا وكأن نارًا تشتعلُ بالداخل.
أهو يحاول منع الجميع من الاقتراب منه؟
‘ها هو ذا يحفرُ حفرة عزلته مرةً أخرى.’
ما العمل؟ أنا جين أوزموند، الجين التي أنقذت حياة ليام مور مرارًا. لذا، فمهمتي هي إنقاذُ محققي الجبان والباكي مرةً أخرى.
فجأة، أصبحت الطاقة السحرية حادةً كالنصل، مستعدةً للهجوم على أي دخيل.
قاومني البابُ لبرهة، محاولًا منعي من الدخول، لكني لستُ من النوع الذي يقفُ مكتوف الأيدي، فقررتُ اللجوء إلى الأسلوب الحديث.
ركلتُ المساحة المجاورة للمقبض مباشرة. لو كان للباب لسانٌ لصرخ من الألم. أمام هذا الأسلوب الفج والمبتكر، انكمشت الطاقة السحرية للحظة، فاغتنمتُ الفرصة ودسستُ جسدي داخل الغرفة.
ما إن دخلتُ حتى عصفت ريحٌ قوية أغلقت الباب خلفي بعنف. يا إلهي، لقد أفزعتني! يبدو كراهقٍ غاضب يصرخُ في وجه أمه ‘لقد كان الريحُ من فعل ذلك!’.
تقدمتُ بخطواتي. كان الهواءُ لا يزالُ حادًا، لكنه بدأ يراقبني بحذرٍ مع كل خطوة. بدا وكأنه يتردد في الاقتراب، ربما تأثرًا بمشهد العنف الذي مارستُه قبل قليل.
“ليام.”
لم يأتِ رد.
في تلك الأثناء، نمت الأغصان البيضاء في السقف بكثافةٍ حتى صارت تحجب الرؤية كستارة. كانت تنثرُ ضياءً متلألئًا عند لمسها، ولو لم يكن الموقفُ هكذا، لقلتُ إنها فاتنةُ الجمال.
مع كل خطوة، كنتُ أطأ بقايا النباتات اليابسة. فيما تُستخدم هذه النباتات؟ ولماذا يجلبونها لغرفته باستمرار؟ ولماذا أرى أعشابًا لم أشاهدها من قبل؟
رغم أن معرفتي بعالم ليام مور قد زادت لدرجةٍ لفتت انتباه كلارا وعصابتها، إلا أنني ما زلتُ أجهلُ الكثير. وهذا ما يثيرُ حنقي. نحن بحاجةٍ إلى حديث، حديثٍ صريح. أولوياتنا هي: أولًا البقاء، ثانيًا الحوار، وثالثًا المراعاة. فالتهميش المتكرر يثيرُ غضب جين أوزموند.
انطلقتُ بخطواتٍ واسعة نحو سرير ليام، لكنني بدأتُ أشعرُ بشيءٍ غريب.
مشيتُ طويلاً ولم يصل السرير بعد. شعرتُ وكأنني أدورُ في حلقةٍ مفرغة. السريرُ لا يبعدُ كل هذه المسافة، خمس عشرة خطوةٍ كافية للوصول إليه. وحينها، أدركتُ اللعبة. توقف عن هذا. أتمزحُ معي؟
استجمعتُ قوتي وصرخت:
“ويليام سكوفيلد مور! ألن تخرج الآن؟”
ما إن ناديته باسمه الكامل حتى انكسرت شوكة الطاقة السحرية تمامًا. لا أدري إن كانت القوة تملكُ مشاعر، لكن طاقة ليام تشبهه كثيرًا في حذرها ومراقبتها لردود الفعل. انكسرت حدتها وظهر الطريقُ أمامي شيئًا فشيئًا.
التعليقات لهذا الفصل " 112"