دماءُ ليام، شحوبُ وجهه، وعجزُه عن النهوضِ لفترةٍ وهو يتكئُ على سيفه…
حين اجتمعت كلُّ تلك الصور، قفزت تلك الفرضيةُ إلى ذهني. ضغطَ أوين على يديَّ المتخبطتين ليعيدَهما إلى الماءِ المالح وقال:
“للأسف، نعم. لقد ألحقَ الأذى بنفسِه.”
“ما-ماذا قُلت؟!”
دَوَت صرختي الحادةُ في المكان. سُمِعَ صوتُ تنحنحٍ من مكانٍ ما، لكنني لم أكترث.
ألحقَ الأذى بنفسه؟ ليام مور يفعلُ ذلك؟
“لقد طبعَ وسمًا على روحِه. فعلَ ذلك بنفسِه، وهي حالةٌ لم نشهدْ لها مثيلاً حتى في غرينتش. يبدو أنه قام بعكسِ مسارِ قوتِه، دافعاً بنفسِه إلى حافةِ الموت. لا يمكنُ لشخصٍ في كاملِ قواه العقليةِ أن يفعلَ ذلك ما لم يواجه أزمةً لا تُحتمل.”
أضافَ أوين موضحاً أنَّ الألمَ الذي خاضَه لم يكن طبيعياً، بل كان فوق طاقةِ البشر، مما جعلَ عقلي في حالةِ فوضى.
ماذا حدثَ بعد أن مِتُّ؟
أنا أعودُ ببساطة، ولا أرى سوى كلمة “جاري التحميل” باللونِ الأبيض. أعودُ إلى لحظةِ الحفظِ دون أيِّ ألم، لكن فجأةً داهمني سؤال:
‘ماذا يحدثُ للعالمِ بعد مَوْتي؟’
كيف يصبحُ حالُه؟ ماذا لو ظلَّ ذلك العالمُ قائماً، وكنتُ أنا الوحيدةَ التي انفصلت عنه؟ ماذا لو لم يَعُد هناك وجودٌ لـ “لندن” التي وصلتُ إليها أول مرة؟
سحقاً، لا أعلم. زادَ ارتباكُ رأسي.
“يجبُ أن أرى ليام.”
نزعتُ العُصابةَ عن عيني. بَدَت الغرفةُ خافتةَ الإضاءةِ للغاية، ولحسنِ الحظِّ لم يزعج الضوءُ عينيَّ بشكلٍ مفاجئ.
مَدَّ أوين يدَه لي وهو يضغطُ على صدغِه من الصداع. لم أرَ يدَه إلا بعد أن اعتادت عيناي على الضوءِ الضئيل.
“انهضي ببطء.”
التصقت ثيابي المبللةُ بجسدي. كم قضيتُ من الوقتِ مستلقيةً هنا؟
كان هناك أشخاصٌ حولنا يراقبون حالتي. ناولهم أوين معطفاً ليعطوني إياه. شعرتُ بالاشمئزازِ من ارتدائِه فوق ثيابي المبللة، لكنني لم أتذمر، ارتديتُه وانتعلتُ حذائي.
“ليام يرتاحُ في غرفةٍ أخرى. حالياً، يحاولُ أهلُ غرينتش موازنةَ طاقتِه، لكن بصراحة، لا يمكنني ضمانُ شيء. ربما تَقَلّصَ عُمرُه الافتراضيُّ بسببِ ما فعله.”
“إلى هذا الحد؟”
“مَن يدري ما الذي يدورُ في عقلِه.”
فتحَ أوين البابَ بحذر، فظهرَ ممرُّ غرينتش المضيءُ تدريجياً. لم أشعر بألمٍ في عيني؛ يبدو أنَّ بصري كان يتكيفُ ببطء.
“لقد تمت حمايةُ المفقودين في الداخل. مَن كانت حالتُهم جيدة، مَسَحْنا ذكرياتِهم وأعدناهم تحت إشرافِ المراقبين. أما الآخرون، فسيظلون في غرينتش لفترةِ تعافٍ قبل عودتِهم. لقد استهدفوا غالباً العُزابَ والمشردين الذين ليس لديهم مَن يسألُ عنهم.”
“وهل وجدتم المساحةَ المخفيةَ في الداخل؟”
“بالطبع، أنا خبيرٌ في هذه الأمور. قمنا بجمعِ كلِّ شيءٍ واتخاذِ الإجراءاتِ اللازمة.”
أومأتُ برأسي.
حقاً إنهم سريعون جداً. أم أنني غبتُ عن الوعيِ لفترةٍ طويلة؟
“كم قضيتُ من الوقتِ نائمة؟”
“حوالي أسبوع.”
هذا يعني أنَّ ليام كان مستلقياً طوالَ تلك الفترةِ أيضاً.
“هذه هي الغرفة.”
كانت غرفةُ ليام مور ليست بعيدةً عن غرفتي.
حين فُتحَ الباب، سُمِعَ صوتُ أحاديثٍ خافتةٍ بالداخل، تَنَحَّى مَن بالداخلِ جانباً فور رؤيةِ وجهِ أوين. كأنَّ وجهَه بطاقةُ عبور؛ كم هو رفيعُ المستوى هذا الرجل؟
بمجردِ دخولي خلفَ أوين، شعرتُ بوخزٍ حادٍّ في هواءِ الغرفة. شعرتُ وكأنَّ هناك أشواكاً وُجِّهت نحونا دفعةً واحدةً كنوعٍ من الحذر، وازداد هذا الشعورُ قوةً كلما اقتربنا من مركزِ الغرفة.
كانت الغرفةُ غابةً من الأغصانِ البيضاءِ المتوهجة (أو ربما خيوط؟ لا أدري) تتدلى من السقف. كان هناك الكثيرُ من النباتاتِ الغريبةِ والمضيئة. كان الجوُّ جميلاً وخطراً في آنٍ واحد.
ألقى الأشخاصُ المارون بالداخلِ التحيةَ علينا، أو بالأحرى على أوين. كانوا ينظرون إليَّ ككائنٍ غريب، تقعُ أنظارُهم عليَّ ثم تنصرفُ بسرعة.
رأيتُ ليام مور في السريرِ الذي يتوسطُ المكان. كان يحدقُ في السقفِ بصمت، وحين التفتَ نحوي، ظهرت على وجهِه علاماتُ المفاجأةِ والسرورِ معاً.
“جين!”
نَسيتُ أنني كنتُ مريضةً استيقظتُ للتو، وركضتُ نحو ليام. ضحكَ ليام ببهجةٍ وضمني إليه. كانت حرارةُ جسدِه لا تزالُ دافئة، تماماً كما أتذكرُه.
“لماذا فعلتَ ذلك أيها الأحمق!”
بُهتَ ليام من حدةِ توبيخي المفاجئ. يبدو أنه لم يتوقع أن أبدأَ بالصراخِ عليه، لكن هيهات! ليام مور يحتاجُ للراحةِ وللمزيدِ من التوبيخ. كان عليَّ تقويمُ عقلِه منذُ اللحظةِ التي عرفتُ فيها أنه لا يُقدّرُ جسدَه. تركتُه ليتصرفَ بحكمة، فانظروا ماذا حلَّ به!
في جهةٍ أخرى من الغرفة، كان يتمُّ إحضارُ نباتاتٍ جديدةٍ وإخراجُ النباتاتِ الميتةِ باستمرار. لا أفهمُ ماهيةَ هذا المكانِ حقاً. هل يشفى جسدُ ليام بوجودِه هنا؟ هل هذا إجراءٌ خاصٌ بـ “غرينتش”؟
بعد أن استمتعَ ليام بلذةِ اللقاء، ابتعدَ عني ببطء. ورغم أنَّ جسدَه لا يزالُ قوياً، إلا أنَّ قميصَه بَدَا أوسعَ عليه من قبل. لمسَ أطرافَ أصابعهِ للحظةٍ ثم رفعَ رأسَه.
“… معذرةً، هل يمكنكم ترُكنا لوحدِنا قليلاً؟”
بدأ الأشخاصُ الذين يملؤون الغرفةَ بالانسحابِ واحداً تلو الآخر. وبعد خروجِ أوين وإغلاقِ الباب، وتأكُّدِ ليام من بقائنا وحدنا، فتحَ فمَه قائلاً:
“يجبُ أن نتحدثَ عما حدثَ منذُ لحظةِ مَوْتكِ.”
انقطعت ذاكرتي عند تلك النقطة، لذا لا أعرفُ ما الذي حلَّ بليام بعدها. جلستُ بهدوءٍ على طرفِ السريرِ وأصغيتُ له.
“… بَدَا وكأنَّ العالمَ لا يريدُ مَوْتكِ بأيِّ ثمن.”
بدأتُ أستوعبُ كلماتِه.
هل توجدُ قوةٌ عظيمةٌ قادرةٌ على التدخلِ في أرواحِ الكائنات؟ العجيبَ هو أنَّ هناك كيانًا كان يعيدُ كتابةَ العالمِ بعد مَوْتي.
“ذلك العجوز.. الذي أنقذني. قال إنني ملعونة.”
“… لعنة.”
“يجبُ أن أقللَ من استخدامِ المذكرةِ للعودةِ بالزمن، أليس كذلك؟”
أطرقَ ليام مور برأسِه مفكراً، ثم أومأ موافقاً:
“بما أننا لا نعرفُ مَن هو مصدرُ هذه القوة. لكن، إذا واجهتِ خطراً مميتاً، فلا تترددي في استخدامِها. فلا يوجدُ ضمانٌ ألا يتكررَ مثلُ هذا الحادثِ مرةً أخرى.”
الآن يجبُ أن أشكَّ في البشرِ أيضاً. لا يوجدُ مَن يُوثقُ به في هذا العالم. لعلَّ المفتش جفرسون أو جوناثان هما الأقرب، وحتى هما يثقانِ بي لأنهم يظنونني جين أوزموند.
لكن، لماذا يبدو ليام طبيعياً جداً؟ هو يعلمُ أنني لستُ جين، ومع ذلك يبدو وجهُه كأنَّ هذا الأمرَ لا يهمُّه على الإطلاق. لقد فُقدت ذكرياتي ولا أعرفُ ماذا قُلتُ له، لكن هل كان ذلك كافياً ليقتنع؟
“ألا تشعرُ بـ.. الخيانة؟”
رفعتُ نظري نحوه حين نطقتُ بذلك، فلمعت عيناهُ الرماديتان.
“ألا تشعرُ بذلك؟”
“أبداً.”
كان جوابُه سريعاً.
كاذب. صورةُ ليام في القطارِ وهو يسألني مَن أكونُ لا تزالُ واضحةً في ذهني. سألتُه بنبرةٍ طبيعية:
“لقد استولى شخصٌ ما على جسدِ مساعدتِك التي كانت بجانبِك دائماً. ألا يبدو هذا مرعباً؟”
“جين، كم من الحوادثِ المرعبةِ واجهنا معاً؟ أليست الأشباحُ والغيلانُ أكثرَ رعباً؟”
“آه، إذًا أنا بمثابةِ (أمرٍ بسيط) بالنسبةِ لك؟”
ضحكَ ليام وأسندَ جبينَه إلى جبيني. سحبني بمهارةٍ لأجلسَ فوق ركبتيه.
كيف يحاولُ المراوغةَ هكذا؟ هذه المرة لم أقع في سحره، بل ألححتُ عليه في الإجابة:
“أخبرني، متى بدأتَ تلاحظُ ذلك؟”
“… في الحقيقة، منذُ أن اختطفني هيرشل. في اللحظةِ التي جئتِ فيها لإنقاذي، شعرتُ بشيءٍ غريب. شعرتُ وكأنَّ هذا الموقفَ قد حدثَ من قبل. بينما كنتُ غائباً عن الوعيِ بسببِ الحمى، رأيتُكِ بوضوح. أوين لم يلحظ شيئاً، لكنني بعدها بدأتُ أتذكرُ أشياءً لم تقوليها لي قَط.”
ليام شديدُ الملاحظة. كان من السهلِ عليه الربطُ بين الأدلة. وبسببِ ضعفي النفسيّ، تركتُ له ثغراتٍ نَفَذَ منها ببراعة.
“بصراحة، لم يعد الأمرُ يهمُّني. لقد عملتُ مع جين أوزموند لفترةٍ طويلة، لكنَّ الوحيدةَ التي تعرفُ كلَّ أسراري الآن هي أنتِ.”
وتابعَ كلامَه:
“لأنكِ أنتِ مَن أنقذتِ حياتي، وأنتِ مَن عرفتِ أسراري، وأنتِ مَن رأيتِ معي أعماقَ لندن المظلمة، وأنتِ مَن خاطرتِ بحياتِكِ من أجلي. لقد أخبرتُكِ سابقاً.. لقد تعلقتُ بكِ.”
إنه لأمرٌ مذهل. كلانا يحملُ المشاعرَ نفسَها تجاهَ الآخر.
لقد تعلقتُ بليام مور حقاً. خاطرتُ بحياتي لإنقاذِه، وهو فعلَ الشيءَ ذاتُه؛ بَدَا مستعداً للموتِ من أجلي.
يبدو أنَّ لندن في القرنِ التاسعِ عشر تجعلُ البشرَ يجنُّون ببعضِهم البعض.
ضغطتُ على خديِّ ليام بكلتا يديّ، فضحكَ بوجهِه المنضغط. شعرتُ بارتعاشِ ضحكتِه الخفيفةِ تحت راحتيّ.
التعليقات لهذا الفصل " 111"